نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

بلاغة اللمسة وجماليات الشذرة في "سيرك الحيوانات المتوهمة" لأنيس الرافعي. ج1

استهلال:
قال الناقد مصطفى الحسناوي عن الشامان انيس الرافعي:
لقد غدا صانع ماكينات سردية ،كل شيء بالنسبة له قابل لأن يتحول ، وفق خيمياء خاصة ، خلاقة وإبداعية ، لكنها مدعومة بثقافة أدبية وأنثربولوجية هائلة ، إلى مخلوقات سردية ، من قبيل : الدمى، متحف العاهات ، الاختفاءات، الحيوانات المتوهمة، شركة نقل الموتى كتلك الموجودة في كازابلانكا قرب " ألفا55" ، الأبواب ، الساحات، الصدف العمياء وتلك المبصرة، التاريخ السري للعميان، الطقوس الشامانية، الحيوات والميتات..إلخ.

يشير النص في مقطعه التالي:
ينهــض مفهــوم »الــسريك الحيــواّني«، في مظــاّنّ هـذه الحقيبـة، على معارضـة مفهـوم »الـسريك الـبشرّيّ«، بمعنـاه الرومـاّني القديـم، القائـم على إذكاء حطـب العنف الحيــواّني لــدى الكائــن الــشرشّيّ ُ . نحــن نقلــُب الصــورة تمامــا، فنســّعّر لهيــب النزعــة الانســانية لــدى المخلــوق الحيــواّني.
إلى فعل قلب الأدوار، وأهم قلب يمكن تلمسه هو قلب دور النص بجعل الكتابة موضوع اشتغاله هي التي كانت تهدف بكتابتها قول الواقع وتشريحه. فالكتابة هنا لا تدعي البراءة. هكذا تصير الكتابة تكتب عن نفسها وهي تشير الى خراجها. كما ان النص يسخر من السلطة أو المجتمع ومن فكرة المعنى ذاته، ومن ادعاء اللغة قدرتها على الإحاطة. لذلك تتكاثر العناوين التي تشبه القوانين، البيانات، أو التقارير، لكنها تنتهي دائمًا إلى العبث.
وفي مكان آخر، يقول:
"لنأمل أن يكون ختام هذا السيرك على شكل حريق… هطولًا غزيرًا للأمطار فوق رماد الحريق"..
لا يتخذ نص "سيرك الحيوانات.." الحيوان موضوعا له، بل يتخذ الكتابة بوصفها سيركًا في قلب للادوار وهو ما يحمل في طياته ابعادا دلالية مضمرة تتطلب الكشف عنها.
ومن هنا نقول إنه ليس نصا مختلفا ومتفردا فقط لأنه اعتمد التشظي وشغل أجناسا متعددة في متنه، بل لأنه نص يشك في شروط إمكانه. نص لا يثق بالسرد نفسه وبكل ما يحيط به ويلازمه من مثل الرمز والسخرية وغيرهما. انه يشغل كل العناصر السردية وغيرها ليظهر حدودها القصوى، يستنزففها إلى أبعد حد ممكن، كل ذلك من اجل ان يختبر حدود الجنس الأدبي بقدر ما يختبر حدود الكتابة حين تفقد يقينها التمثيلي.
لحظتها، وفي ضربة وعي، نكتشف أن اللغة نفسها هي التي تؤدي دور البهلوان. فلنتخيل السيرك، هنا، هو الكتابة حيث تتداخل كل الأجناس السردية وغير السردية في هذا المحفل السردي
العجائبي وهذه الكيمياء الساحرة التي تذوبها في عنصر واحد ومبهر، ألا وهو السرد، فالتعاقد بين الكاتب والقارئ صريح في أن العمل سردي، وأنه منفتح على كل التجنيسات المقبولة، وأن القارئ لم يعد في منأى من التفاعل الإيجابي مع العمل، بل له دور مهم في إعادة بنائه وتشغيل آليات قراءاته لبلوغ قناعة أجناسية معينة تدرج العمل في خانتها. أما الكتاب فهو أكبر من أن يحتويه جنس بذاته؛ فهو القصة القصيرة والقصيرة جدا، وهو البوح والشذرة والحكمة والخاطرة واللقطة السينمائية وغيرها؛ إنه كرنفال كتابي حيث تتعدد الأصوات والرؤى وتتباين.
ينتهي النص بالرماد، وفي طياته ما يجعلني أتخيل صوت عنترة وهو يقول:

هل غادر الشعراء من متردم؟... ام هل عرفت الدار بعد توهم؟
فكأن أنيس يستعيد القول لكن حول السرد هذه المرة، فاحتراق السيرك وبلوغ رماده لا يمكن تفسيره بالنهاية بل بانبعاث جديد، والدخول في دورة جديدة ربما بتبدل الأقنعة، لكن الأساس الصلب يظل قائما. الامر الذي يجعل القارئ يعيش سيركا متكررا؛ وكتابة معادة.
فالعمل يعتمد السرد لكنه يحمل في طياته شكا في شروط إمكانه، فيصير الشك محور العمل ولحمته وسداه، ومادته الأساس.
ويصير الأمل في النص وبخاصة نهايته معلّقا، ومؤجلا، ومشروطا، وكأن النص يعترف بأن الكتابة لا تستطيع أن تعد بالخلاص، بل فقط بتسمية الخراب. لذلك لا يغلق العمل دلاليا، ولا يقترح نهاية، بل يترك القارئ داخل متاهة تشبه متاهة ديدالوس التي يحيل إليها النص صراحة.
كما ان الحريق، الذي يحمل البعد التطهيري التقليدي، لا يؤدي إلى ولادة معنى جديد، بل إلى إعادة تدوير الرماد. مما يجعلنا نعيش حالة من الدوخة بفعل عملية التكرار في الدوران. سيرك بعد سيرك، وكتابة بعد كتابة. احذر أيها القارئ من أن تفقد وعيك !
كهذا، يضعنا "سيرك الحيوانات المتوهمة" أمام سؤال محوري: من المسؤول عن الظلم، من جهة، وأمام سؤال جوهري: كيف نكتب، وبخاصة حين لا يعود العالم قابلا للحكي؟ أو حين قيل كل شيء وتم التطرق لكل المواضيع، ماذا سنضيف، وكيف سنضيفه، وباي أسلوب سنخرجه، وأي جديد سيحمله؟
فالاديب انيس الرافعي، كما قال عنه الناقد محمد داني في كتاب خص به كتاباته، قاص مجدد، تجريبي النزعة، يضاد القصة التقليدية في كتاباته. بحثه متجدد عن اشكال قصصية جديدة. ومن ثمة اصبح يقدم لنا في كل مرة قصة تظهر غير منسجمة. يمن لنا ان نسميها قصة متاهة لما تسقطنا فيه من لبوسات متعددة الضمائر، متشابكة الزمن. لكنها ثرية النص. 1
وانشغاله بالبحث عن ممكنات سردية مختلفة دفعه إلى تصيير الكتابة نفسها موضوع اشتغال.
ثم يضيف الباحث قائلا: تجريبيته تدفعه دائما الى البحث عن الجديد والتجديد. ولذا هو في كتاباته القصصية يحس انه لم يصل بعد الى المطلوب. ولذا لم يجنس كتاباته ب"قصص قصيرة"، وانما بمسميات تبين بحثه الدائم. 2
ففي كتاباته جميعها ومنها "سيرك الحيوانات.." عدم الاستقرار على نموذج معين. نجد فيها كما قال الناقد محمد داني بحثا عن الكتابة /القصة المتجددة والحداثية والمستوفية لشروط الابداع.
والبين ان عمله هذا كما بقية اعماله المدهشة تتميز بتشظيها وانقسامها اللانهائي. ففي هذا العمل نجد الشذرة والقصة القصيرة وبعد التمسرح وتعدد الأصوات والمحفل الكرنفالي، فضلا عن الجانب السخري، وبالأخص من الكتابة نفسها لا باعتبارها سخرية تنقيص ولكن باعتبارها سخرية من بلوغها حدا من الإشباع جعل إخراجها من عنق الزجاجة أمرا عسيرا، وبالتالي فإن الكتابة عن الكتابة، واتخاذها موضوع اشتغال يعبر عن المعاناة التي يستشعرها أنيس كل مرة وهو يروم مغازلة الكتابة. ولعل في هذه المعاناة ما يدل على إحساس الكاتب بمسؤوليته تجاه الفعل نفسه وتجاه نفسه بالأساس وتجاه القارئ بشكل أكبر.
فهو يعيش حالة انقسام ما بين الاتزان والقلق. ما بين الرضا والاستمرار في البحث. وبحثه المتواصل عن نصوص أخرى مغايرة يعطي للمتلقي الدلالة على انه ليس امام قاص يعرف آلياته ومتحكم في تقنياته الكتابية بل انه_ايضا_ امام مجرب وباحث عن الجديد. وامام كاتب لا يقنع بالشكل النهائي الذي توقف عنده. بل يطمح الى ما هو احسن واكثر. 3
انه كاتب مشغول بالكتابة وبجودتها لا يهادن..فهو دائم البحث والتجديد وغير مقتنع بما يصل اليه. وجعل الكتابة نفسها موضوع اشتغال يعبر عن هذا الهاجس الذي يكبر معه كل مرة. انه يروم القبض على المنفلت دوما. والنص ذو المتعة والمانح للذة يشكل فلسفة المبدع في عالم الكتابة القصصية.
وفي اعتماد المبدع على تقنيات جديدة في السرد، نلمس هدفه الأساس والمتمثل في ارباك المتلقي، والدفع به الى تبني استراتيجية قرائية جديدة بدل الاستكانة الى مكتسباته السابقة والاستقرار فيها. فالمبدع ينقل انشغالاته بالكتابة وهمومها مثل العدوى الى المتلقي الذي ينبغي ان تسكنه هو الآخر ويصاب بها، ويخرج بذلك من التلقي السلبي الى التلقي الإيجابي.
ونختم هذه القراءة السريعة بالقول التالي:
إن السؤال الذي يهجس به النص ويلح عليه ليس: ماذا يعني هذا؟
بل هو: كيف تواصل الكتابة، حين لا تعود واثقًا مما تفعله اللغة؟

**
1و2 و3: محمد داني، فن الكتابة القصصية عند انيس الرافعي. الطبعة الأولى سنة 2018. ص 37 و41 و42 و46.
**

جماليات الشذرة في "سيرك الحيوانات المتوهمة":
لنجعل هذه الشذرات المختارة عفويا منطلقا للامساك بطيف جمالياتها:
في بحيرة كلّ إنسان، يختبئ وحش «لوخ–نيس» أسطوريّ مزعوم،
لا يمكن الشفاء من خيال السيرك العضال
لا حياة للمخلب، خارج جسد الحيوان
لقد رأيتُ بأمّ عينيّ الحيوانات تتحرّك هاربة في شتّى الاتجاهات الممكنة، بينما ظلالها متجمّدة على أرضيّة الحلبة الدائريّة للسيرك.
كأني بمحمد العامري لا يرسم أجساد الحيوانات، وإنما أرواحها المتخيّلة؛ تلك التي خرجت مدبرة من متحف اللغة، في اتجاه سيرك الحياة الواسعة.
في رحاب هذا السيرك، الذي لا ينتهي، المتعذّر استنفاده، لا يجب انتظار أيّ سقوط متوقَّع، من فوق الحبال المشدودة المعلّقة في الهواء، لأنّهم جميعهم راقصون جيّدون، على الرغم من غياب شبكة للحماية.
قصة وامضة مخيفة:
استيقظتُ من نومي، فوجدتُ حيوانًا من حيوانات هذا السيرك ينام إلى جانبي عاريًا على السرير، ويتغطّى بإزار أحمر.
القارئ ل"سيرك الحيوانات المتوهمة" لاشك أنه سيتوقف طويلا أمام شذراته قبل مواصلة القراءة بحثا عن جمالياتها وأبعادها الدلالية وعلاقتها بالمتن.
وقد اخترت القليل منها للإشارة إلى أن بعضها يتصادى وشذرات سعيد سرحان في قوتها التعبيرية وفي تكثيفها الشديد وفي تقشفها اللغوي. ولا غرو أن يحدث هذا التقاطع لكون الرجلين صديقين ويحملان الهم ذاته لكن كل واحد اختار الشكل/الأشكال التعبيرية التي تناسبه علما أن سعد قد كتب القصة كما كتبها أنيس، وهذا الأخير كتب الشذرة كما كتبها سعد.
كما أن بعض الشذرات جاءت على شكل قصة وامضة كتلك التي كتبها مونتسيرو، ولا تخلو الشذرات الأخرى من البعد الفاناستيكي ذي المعاني المضمرة، إذ التصريح في هذا المقام غير وارد وإلا انتفت الغاية منها كما جدواها، فالتلميح عنصر من بين عناصر جمالها التي ذكرت آنفا.
فلنتوقف عند الجانب الجمالي فيها ببعض التفصيل، فأقول:
تقوم جماليات الشذرة في سيرك الحيوانات المتوهّمة على مبدأ الاقتصاد اللغوي المشحون بالدلالة، حيث تُكتب الجملة لتشتغل ككثافة فكرية وجمالية قائمة بذاتها. وتعد الشذرة هنا الصيغة الوحيدة الممكنة للتعبير عن تشظي العالم؛ هذا العالم غير قابل للاحتواء داخل بنية كلية مستقرة. لذلك تبدو كل شذرة كأنها أثر لغوي لصدمة معرفية أو انكسار داخلي، لا تسعى إلى الاكتمال بقدر ما تحتفي بالنقص بوصفه شرطًا للتفكير.
وتنبع جماليتها من قدرتها على الجمع بين المفارقة والتركيز، إذ غالبًا ما تقوم على قلب متوقع أو زحزحة أفق القراءة. فقد تبدأ الجملة من منطقة مألوفة ثم تنتهي في أفق صادم كما في بعض الشذرات اعلاه، وهو ما يمنحها طاقة تأويلية عالية. وتهدف المفارقة إلى خلخلة المسلّمات وإرباك العلاقة بين اللغة ومعناها. فالشذرة لا تقول ما نعرفه، بل تكشف ما نتجاهله، وتظهر الهشاشة الكامنة خلف ما يبدو بديهيًا.
ومن أبعادها الجمالية الأخرى، أنها تنهض على التوتر بين الشعري والفكري. فاللغة مشبعة بالصور والاستعارات، لكنها لا تنزلق إلى الزخرفة، بل تظل مشدودة إلى سؤال وجودي أو ثقافي. فالصورة في هذه الشذرات أداة تفكير قبل أن تكون وسيلة تزيين، إذ تتحول الحيوانات، والأقنعة، والسيرك، والجسد، إلى علامات دلالية تحمل أكثر مما تصرّح به. وبهذا المعنى، تصبح الشذرة مساحة التقاء بين الشعر والفلسفة، دون أن تنتمي كليًا إلى أي منهما. وتجدر الإشارة إلى تماثلهما، وتداخلهما، فالشعر فكر كما أن الفكر شعر ولنتذكر شذرات نيتشه فهي مشحونة بالشعر والفكر معا.
ويُسهم الإيجاز في تعميق هذه الجمالية، مثلها مثل الحذف. فالصمت الذي يحيط بالجملة، والفراغ الذي يليها، جزء من بنيتها الدلالية. لذا، يطلب من القارئ بدل أن يكون سلبيا كجمهور السيرك أن يملأ فجواته، وهو ما يحوّل فعل القراءة إلى مشاركة في إنتاج المعنى. إن الشذرة لا تمنح نفسها دفعة واحدة، كونها ترفض الاستهلاك السريع الذي يتماشى وقيم الليبرالية التي تتصور العالم سوقا كبيرا لعرض المنتجات، وتفرض قراءة بطيئة وتأملية.
وتزداد جماليات الشذرة وضوحًا حين ننظر إلى تتابعها داخل العمل. وتراكمها يخلق إيقاعًا خاصًا. وهو ما يعكس حالة القلق التي تسكن النص، ويجعل من التشظي مبدأً جماليًا لا يشوبه نقص؛ وهذا الشكل التعبيري يعد الأنسب للتعبير عن وعي مأزوم، لا يثق في السرديات الكبرى ولا في الخطابات المتماسكة.
بالنتيجة، تتحول الشذرة في سيرك الحيوانات المتوهّمة إلى ممارسة جمالية وتدرك بعمق انها كتابة ترفض الامتلاء، كما ترفض الثبات، وتقف ضد الاطمئنان، كما تقف ضد المعنى الجاهز والمألوف والمتداول. تميل إلى اللمحة والتلميح بدل الشرح والتصريح، وتنتصرللاقتراح على التقرير، والقلق على اليقين. وهو ما يمنحها فرادتها، فهي لا تسعى إلى إرضاء القارئ، بل إلى دفعه إلى إعادة النظر في علاقته باللغة، وبالكتابة، وبالعالم نفسه.
**
بلاغة اللمسة؛ قراءة ثالثة للعمل السردي ؛سيرك الحيوانات المتوهمة؛ لشامان القصة القصيرة ؛ انيس الرافعي.
يقول صديقي المرحوم محمد داني:
وقد سايرت الكتابة القصصية تغيرات العصر؛وما يعيشع العالم من تطورات وتحولات. فكان البحث عن تقنيات واساليب جديدة في الكتابة وتجريبها. ومن ثمة اصبحت الكتابة حياة لا تخلو من قلق ابداعي. واصبحت القصة متاهة؛ تجعل القارئ يقع في لبوسات... او كما قال سعيد يقطين: يصعب علي القارئ ان يمسك بخيوط السرد.
لا تتوفر علي قصة. تتداخل فيها الاحداث والاجناس الادبية. ليس لها ناظم ينظمها؛ ويضبط ايقاعها؛السرد المرسل؛. ويتعدد الرواة؛ ويتنوع محكيهم؛ ووجهة نظرهم.. ص 70؛ من كتاب:فن الكتابة القصصية عن انيس الرافعي. الطبعة الاولى. سنة 2018.
ما اثار انتباهي ان الرافعي اعتمد مغامرة الكتابة لا كتابة المغامرة. وشدني فعل اللمس في اواخر العمل؛ هذا اللمس الذي يجعل فاعله يصير ما لمسه؛ فبلاغة اللمس تكمن في سحريته التي تنقل الكائن من حال إلي حال
وفي هذا السياق، يحسن استحضار ما يرد عند لوكليزيو، خاصة في Le Procès-verbal، حيث يتحقق التحوّل لا عبر الفعل المباشر، بل عبر النظر المُكثَّف؛ إذ إن السارد، من فرط تركيزه على موضوع الرؤية، يفقد حدوده الذاتية ويصير شبيهًا بما يحدّق فيه. الفرق أن الرافعي يستبدل النظر باللمس:
فإذا كان النظر عند لوكليزيو يفضي إلى ذوبان إدراكي، فإن اللمس عند الرافعي يفضي إلى مسخ سردي/وجودي أكثر حدة، لأن اللمس يفترض تماسًا، واقتحامًا، وخرقًا للمسافة الآمنة بين الذات والعالم.
من هنا، يمكن القول إن بلاغة اللمس في سيرك الحيوانات المتوهَّمة ليست سوى امتداد لبلاغة الكتابة نفسها:
كتابة تلمس موضوعها فتتحوّل إليه،
وتغامره فيغمرها،
حتى يصبح النص كائنًا هجينًا، لا هو قصة، ولا هو جنس مستقر، بل أثر تحوّل مستمر.
في هذا السياق، يتخطّى اللمس في سيرك الحيوانات المتوهَّمة كونه مجرد إحساس عابر أو تفصيلاً حسيًا، ليتحول إلى أداة سردية فاعلة تنتج التحول، وإلى لغة بصرية وحسية تقوم مقام الكلام، فيعبر الجسد عمّا تعجز الكلمات عن البوح به. فاللمس يمثل فضاءً للتبدّل، إذ أن الذي يلمس لا يكتشف العالم من حوله، بل يذوب فيه ويفقد حدوده.
يتجلى هذا بوضوح في المقطع (1) حيث يقول السارد:
«ما إن لامستُ جلده، حتى شعرتُ أنني أنسحب من نفسي، كأن الأصابع لم تكن لي»
هنا يُصوَّر التحول ليس كحدث طارئ، بل كعملية محو متدرجة للذات، تبدأ بفقدان الامتلاك للجسد نفسه. فاليد، المفترض أنها أداة الفعل والإحساس، تتحول إلى قناة لفقدان الهوية.
وفي المقطع (2) يبلغ هذا البعد التحويلي ذروته:
«لم أعد أعرف من كان يلمس من؛ جلدي أم جلده، يدي أم جسده»
يخلق اللمس هنا فوضى وجودية، تتهاوى معها الثنائيات التقليدية (ذات/موضوع، فاعل/مفعول)، وينتقل السرد إلى منطقة غامضة، تعكس على مستوى المعنى ما يحصل على مستوى البناء السردي من تفتت وتشظّ.
أما في المقطع (3)، فيبلغ اللمس ذروته الغرائبية:
«حين أبعدتُ يدي، لم أجدها كما كانت»
فالتحول لا يحدث فقط خلال اللمس، بل يمتد إلى ما بعده، مما يجعل اللمس فعلاً لا رجعة عنه، وتبقى آثاره أبدية. وهنا تتجلى مغامرة الكتابة في أصفى تجلياتها: كتابة لا تخرج من مواجهة الغريب سالمة، كما أن الجسد لا يعود إلى حالته الأصلية.
بهذا المنطق، يصبح اللمس في سيرك الحيوانات المتوهَّمة مماثلاً لفعل الكتابة نفسها: كلاهما مغامرة محفوفة بالمخاطر، وكلاهما يقود إلى تحول جذري لا سيطرة عليه. ومن هذا المنطلق يمكن فهم التقاطع الدلالي مع نصوص لوكليزيو، ليس على سبيل التأثر، بل من ناحية اشتراك الآلية ذاتها: فإذا كان النظر عند لوكليزيو يولّد تحولاً في الناظر، فإن اللمس عند الرافعي ينتج تحولاً أشد عمقاً، لأنه يشرك الجسد كلياً في التجربة ولا يسمح بأية مسافة واقية.
 
التعديل الأخير:

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى