نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

القرآن الكريم بصفته خلفية معرفية ذات تأثير في "مارستان الأقنعة" للمبدع أنيس الرافعي، وسطوة الإطار.

القرآن الكريم بصفته خلفية معرفية ذات تأثير في "مارستان الأقنعة" للمبدع أنيس الرافعي، وسطوة الإطار.
ج 3
**
وإذا كان المبدع، في أحد تعريفاته الممكنة والمحتملة، هو حاصل مجموع قراءاته، ورؤاه، وانحرافاته الأسلوبية الخاصة، فإنّ القرآن الكريم ينهض بوصفه متناً تأسيسياً في تشكيل المخيال السردي لأنيس الرافعي، إلى جانب المتون التراثية الكبرى التي وسمت كتابته بحضورها العميق، من قبيل ألف ليلة وليلة، والمقامات، وكتاب الحيوان، وكليلة ودمنة، وغيرها من النصوص التي اشتغلت على العجائبي، والمفارقة، والتحايل السردي، فضلاً عن تفاعله الواعي مع منجز سردي معاصر، غربي وشرقي، أعاد مساءلة مفاهيم الهوية، والتمثيل، والتشظي.
غير أنّ حضور القرآن في أعمال الرافعي لا يتجلى على مستوى الاستدعاء الدلالي المباشر، بقدر ما يتبدى من خلال بنية التحول ذاتها، مع ضرورة التنبيه إلى أنّ التحول، في
عالم أنيس السردي، لا يحيل إلى التغيير بمعناه القطعي أو الانفصالي، أو السقوط إلى الدرك الأسفل بل إلى الامتداد والانزلاق داخل الجوهر ذاته. وهو ما يغاير، من جهة دلالية، مفهوم الانمساخ القرآني الذي يحيل، في مواضع بعينها، إلى فقدان الأصل والانحدار من مرتبة السمو إلى درك السفول، كما في قوله تعالى: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين…»؛ حيث يدلّ الانمساخ على نكوص جوهري، وانفصال عن الطبيعة الإنسانية الأولى.
في مقابل ذلك، يشتغل التحول لدى أنيس الرافعي بوصفه كشفاً عمّا كان كامناً في الذات، وتجلية له، لا قطيعة معها. فالزوجة التي تتحول كائنا متوحشا ذي أنياب، لا تغادر طبيعتها، بل تستعيد قسوتها الدفينة وقد تبدت جسدياً. والزوج الذي يغدو بهلواناً منتمياً إلى «البهاليل السبعة»، عبر اتخاذه هيئاتهم الجسدية وحركاتهم الطقوسية، لا يفقد إنسانيته، بل يعيد توزيعها داخل قناع يمنحه خفة الوجود، واتزانه المؤقت، وسعادته الهشة؛ تلك السعادة التي كانت مصادرة سلفاً تحت وطأة زوجة تمارس دور «الأنا الأعلى» الرقابي، وتتحول إلى سلطة كابحة، ومرآة قمعية للسلوك والرغبة. ينتقل الزوج من الواقع إلى الخيال حيث يصير بهلوانا امنا، وكأنه بذلك يشير إلى انفتاح اللوحة على شخصيات أخر تعيش الواضع نفسه، والملاحظ أن عدد ثمانية ما هو سوى بداية أسبوع جديد يؤكد فعل التكرار والدوران.
ويمتد هذا المنطق التحولي ليشمل نصوصاً أخرى من العمل، حيث تتكرس ففكرة الدوران داخل المصير ذاته، لا تجاوزه. فحتى حين يبدو السرد متجهاً من السيئ إلى الأسوأ، فإنه يظل وفياً لبنيته الدائرية القائمة على التكرار والإعادة. الموتى، في أكثر من نص، لا يستقرون في موتهم، بل يعودون إلى الحياة، باعتبارها استمراراً للعقاب ذاته، لا خلاصا. وهو ما يعيدنا، على نحو غير مباشر، إلى البنية القرآنية في قصة نوح، حيث يتكرر القول، وتتجدد السخرية، ويُعاد الفعل ذاته رغم وضوح المصير. كما يمكن تلمس هذا العنصر في القرآن الكريم حين قام الحق سبحانه بغماتة الرجل وإحيائه، هو الذي تساءل عمن يحيي العظام وهي رميم. فالتكرار هنا ليس نقصاً في الفعل، بل إدانة له، وكشف لعبثيته.
ما يير الإنتباه هو كون مجموع ششخصيات النصوص تظل معتقلة في لوحاتها، لا تقدر على مغادرتها، فهي سجينة الإطار الذي يحتويها ويشد بخناقها، ولا يترك لها متنفساً سوى الرقص والغناء وتكرار الأفعال داخل ما رسم لها. وليس هذا الاعتقال نتاج انمساخ بالمعنى القرآني الذي يفترض السقوط والانفصال عن الأصل، بل هو نتيجة فائض تمثيل يحبس الكائن داخل صورته، ويقيمه قسراً داخل محاكاة لا نهائية. فالششخصيات، عبر تحوّلاتها المتعددة، لا تغادر إنسانيتها، وإنما تفرغ من فرادتها، وتعاد صياغتها بوصفها صورة عن صورة، في انسجام مع منطق السيمولاكر الذي يلغي المرجع دون أن يلغـي الشكل.
ومن ثمّ، فإن الأقنعة المتناسلة لا تشير إلى مسخٍ خارج الطبيعة، بقدر ما تكشف عن امتدادها داخل تمثيل زائف، حيث يغدو الوجه قابلا للاستنساخ، والهوية قابلة للتداول، دون أن يتحقق أي خروج فعلي من الإطار. ويتعالق هذا المنطق مع حضور الكرنفال والبهاليل، حيث لا يكون الرقص احتفالا بالخروج عن النظام، بل تعليقاً مؤقتاً له، وضجيجاً مضبوطاً يعيد إنتاجه في صيغة هزلية. فالبهلوان، وهو يخلخل الظاهر، لا يفعل سوى تأكيد المشهد، وإعادة تمثيله داخل لعبة انقلاب لا تفضي إلا إلى تثبيت أعمق للدائرة، بما يجعل الكرنفال ذاته قناعاً إضافياً من أقنعة الضبط.
وتتجلى البنية نفسها في قصة الحقيبة، حيث لا تفتح المدينة التي تتمدد داخلها أفقاً مغايراً، بل تعيد إنتاج العالم الواقعي في نسخة مصغرة ومشوهة، سرعان ما تحل محله. فلا يتحقق التحول في هذا المضمار عبر القطيعة، بل عبر الامتداد والاستبدال، بما يجعل محاولة التخلص من الحقيبة فعلاً عبثياً، لا يفضي إلى نهاية، بل إلى إعادة توزيع القيد داخل فضاء آخر. هكذا يتأكد أن الخروج من الإطار ليس سوى وهم سردي، وأن الدائرة لا تُكسر، بل تتسع.
ويأتي النص الأخير ليعيد تثبيت هذا المنطق دون حاجة إلى تصريح، حيث تتراكب الأقنعة، وتتعدد التحولات، دون أن يتاح للشخصيات أن تبلغ لحظة انكشاف نهائي. فالنهاية لا تغلق الحكاية، بل تعيد فتحها على مستوى أعلى من التكرار، مؤكدة أن الشخصيات، مهما تنوعت أقنعتها، تظل معلّقة بين الأصل وصورته، وبين الجسد وتمثيله، داخل مسرح لا يسمح بالمغادرة، بل فقط بإعادة الرقص داخله. وبهذا المعنى، يغدو مارستان الأقنعة كتابة عن التحول بوصفه إقامة قسرية داخل التمثيل، لا سقوطاً خارجه، وعن الإنسان بوصفه كائناً محكوماً بإعادة تمثيل ذاته إلى ما لا نهاية.
ن.أ/عود ون.أ/ؤكد إنّ ششخصيات نصوص "مارستان الأقنعة" تظل معتقلة داخل لوحاتها، غير قادرة على مغادرة الإطار الذي رحدد لها سلفاً. إنها كائنات مسجونة داخل أقنعتها، وداخل المشهد، وداخل العرض المستمر، لا يتاح لها من هوامش لتتنفس الحرية سوى الرقص، والغناء، وإعادة تمثيل الأفعال نفسها داخل مسرح مغلق معاد ومكرر. هكذا يغادر القناع بعد الإخفاءليصير قدرا، و بنية وجودية خانقة، لا تسمح بالانفلات من قبضتها الحديدية، بل تكرس الدوران الأبدي كحمار الطاحونة داخل ما هو مرسوم ومعاد اختراعه بلا نهاية. كما تم إعادة اختراع البهلوان.
ويشير الناقد عادل ضرغام في هذا الصدد إلى أن الفكرة لا تنفصل عن الشخصيات أو صور البهلوان بالإلحاح على دائرية الزمن من جانب، وعلى التمدد والاستمرار في التوالد من جانب آخر، حيث يتسع مفهوم كلمة البهلوان ليصبح موازيا للوجود البشري أو الإنساني في تقلبات أحواله وأشكاله، وامتداد طبقاته التي تأخذ في كل مرة شكلا وتجليا مغايرين. فالبهلوان في القصص كيان يتعاظم على المحدودية الوجودية في اندراجها داخل حدود الزمن الطبيعي المرتبط بالبداية والنهاية، لتصبح معه كل نهاية بداية جديدة. 1
**
ج 2:
وتكمن براعة «شامان السرد العربي» في ضرباته التي ترسم بفرشاتها السحرية عوالم عجيبة تتحدى قوانين العقل، وتتيح تداخل الواقعي والخيالي باعتباره ممرًا عابرًا، قصيرًا في امتداده، حاسمًا في أثره، إذ يكفي العبور فيه مرة واحدة حتى تُغلق إمكانات العودة. في هذا الشق الضيق بين عالمين، تتشكل بنية مارستان الأقنعة، حيث يششتغل الخيال كقوة استدراج وإحكام في آن. فالحقيبة التي تفيض بكائنات غرائبية وبهلوانات تجمع بين العنف والطيبة، بين البراءة والتوحش، لا تمنح السارد ملجأً بقدر ما تتحول إلى أداة أسر، إذ لا يلوذ بها إلا ليجد نفسه محكومًا بيدٍ تُطبق عليها وتغلقه داخلها نهائيًا، في استعارة دقيقة عن مصير الذات حين تراهن على الخيال بوصفه خلاصًا.
ويتأكد هذا المنحى حين تنفصل بهلوانات الملصقات الحائطية عن سكونها البصري، وتغادر إطارها لتفرض حضورها داخل العالم السردي، فيخضع السارد لقانون التحول الصارم، ويغدو بهلوانًا ثامنًا لا بإرادته، بل بفعل قوة سردية لا تتيح التفاوض. فالتشوهات التي تطرأ على جسده، والرقص الذي يمارسه بحثا عن انتعاش مؤقت، تعد شكلًا آخر من أشكال الامتثال لا التحرر، خصوصا في مواجهة سلطة الزوجة التي تتخذ في هذا المتن السردي صورة التوحش، كقناع مكتمل للهيمنة. وهكذا يتجلى الصراع بوصفه صراعا رمزيا بين الضعف والقوة، حيث يتحول الجسد إلى ساحة عرض وعقاب في آن، ويغدو الأداء الجمالي نفسه أداة عنف مقنّعة.
ولا يختلف الأمر حين ينتقل السارد من حضوره الواقعي إلى كونه شخصية ورقية بين البهلوانات؛ فالتحول هنا لا يفضي إلى تخفيف الخطر، بل إلى مضاعفته. حتى الورق لا يحمي من الأنياب، بل يجعل الإحساس بالتهديد أكثر كثافة، لأن الذات تدرك هشاشتها في صورتها القصوى. في هذا المستوى، يشتغل الفانتاطستيك بكامل طاقته، بوصفه أحدى الآليات لإدارة الإرباك وتعميقه، بحيث لا يظل الاضطراب حكرًا على الشخصيات، بل يمتد إلى المتلقي، الذي يجد نفسه منخرطًا في انتقالات مفاجئة بين الواقع والخيال، وبين المنطقي والعبثي، دون أن يمنح أفقًا واضحًا للتصديق أو الإنكار.
وحين نوسّع زاوية القراءة لتشمل نصوصًا أخرى من مارستان الأقنعة، يتضح أن هذه العناصر ليست معزولة، بل تنتمي إلى نظام سردي واحد. فالمارستان، حين يظهر بوصفه فضاءً صريحًا، لا يعمل كمكان للعلاج، بل كمؤسسة ضبط، يعاد فيها تشكيل الأجساد والهويات، ويغدو الجنون ليس خروجًا عن النظام، بل نتيجته المنطقية. وفي نصوص الجسد البهلواني، حيث التوازن فوق السلك، والقفز، والحركات الاستعراضية القصوى، نكون أمام طقوس إنهاك تقطع مع فعل المهارة ولا تنغلق عليه، وهو ما يجعل الجسد كائنًا مؤجل الانكسار، يعيش على حافة السقوط الدائم.
كما تتقاطع هذه البنية مع نصوص التحول الزمني، حيث يتشظى الزمن، ويدور، ويعيد إنتاج المصير ذاته بأقنعة مختلفة. فلا يمنح الماضي خلاصًا، ولا يعد المستقبل سوى بنسخ مشوهة من الحاضر، ليغدو الزمن بدوره قناعًا آخر، يوهم بالحركة بينما يكرّس الدوران القهري داخل متاهة بلا نقطة خروج. وفي نصوص القناع الصريح، يصير وسيلة كشف لا عنصر إخفاء؛ فكلما تراكمت الأقنعة، تآكلت الذات، وصار الوجه الأصلي مجرد احتمال.
وفي هذا السياق، يستدعي المتن السردي، وعيًا أو تلميحًا، عوالم «نارنيا» وذلك الدولاب السحري الذي يبدو في بساطته قطعة أثاث منزلية، لكنه يخفي خلف خشبه فضاءً عجائبياآخر بقوانينه الخاصة، حيث لا يكون العبور مجرد لحظة اكتشاف طفولي، بل اختبارًا قاسيًا للذات، لا تعود منه كما كانت. فالدولاب لا يفتح على مغامرة فحسب، بل على نظام كامل من القوانين، يفرض على الداخل إليه الامتثال لشروطه قبل أن يسمح له بالعودة، إن سمح. وعلى المنوال ذاته، يعمل فيلم «جومانجي»، حيث لا تكتفي اللعبة السحرية بفتح بوابة على عالم موازي، بل تقلب منطق العبور رأسا على عقب، فتفرغ محتواها داخل الواقع، فتغمره الحيوانات والفوضى، وتجذب الشخصيات الواقعية قسرًا إلى منطقها الداخلي، لتغدو اللعبة ذاتها سلطة حاكمة لا يمكن تعطيلها إلا باستكمال شروطها. في الحالتين، يكون العجائبي عقدًا غير معلن، يورط من يلمسه في نظام لا يشبه نظام العالم الأول.
غير أن ما ينجزه أنيس الرافعي في مارستان الأقنعة يتجاوز منطق الإحالة، إذ يقلب اتجاه العجائبي نفسه؛ فلا الدولاب ولا اللعبة يفضيان هنا إلى خلاص أو عودة مضمونة، بل تقوم الحقيبة، والملصق، والسيرك، مقام تلك العتبات السحرية، لكن من دون نهاية تصالحية. ما يخرج من هذه العوالم لا يعيد التوازن، بل يفضح هشاشته، وما يدخل إليها لا يعود كاملًا، بل يُستنسخ أو يشوّه أو يعاد توزيعه داخل منظومة أقنعة لا تسمح باستعادة الذات الأولى.
**
1_ عادل ضرغام، «مارستان الأقنعة» مجموعة القاص المغربي أنيس الرافعي: قلق الهوية وطبقات الخروج من البشري. جريدة القدس العربي، 15 نونبر 2025.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى