في ساحةٍ غامرةٍ بالظلال، لم تكن الأقفاص من حديدٍ ولا من خشب، بل من نصوصٍ تُتلى كتعويذاتٍ قديمة. كل كلمةٍ تتحوّل إلى قيدٍ غير مرئي، وكل آيةٍ تُصبح سلسلةً تُكبّل الأرواح. النساء يجلسن كظلالٍ بلا أسماء، والأطفال ينامون في صناديقٍ من الحروف، كأنهم بضاعة تنتظر المشتري.
السوق لا يبيع أجسادًا...
في كهفٍ واسعٍ مسيجٍ بالصخور، تحوّل جوفه العميق إلى بحيرة بفعل السيول، فاصلاً بين الداخل والخارج. في الداخل، مجموعة محاصرة تغمرها المياه، تعيش في ظلامٍ دامس، تتشبث ببضعة أمتار يابسة في زاوية ضيقة، ومصابيح يدوية توشك على الانطفاء بعدما قارب عمر البطاريات على النفاد. وقد بان أن الوقت تجاوز حدوده،...
في ساحةٍ غمرتها الأحاديث، كان الأصدقاء يتحدثون عن قضيةٍ كبرى، يرفعون الشعارات ويطلقون الوعود. لكن حين اقترب الامتحان الحقيقي، تلاشى الكلام كسرابٍ في صحراء الغيرة، وتكشّف أن الصداقة لم تكن إلا ظلًا هشًا، وأن الحقيقة وحدها بقيت عارية أمام العيون.
كان الطريق يلتفّ بين الصخور كأفعى تتربّص...
في لحظةٍ صامتة، اجتمعوا حول جدارٍ يتداعى، وكلٌّ منهم يترقب الآخر. بعضهم تراجع، وبعضهم تظاهر أنه لم يرَ شيئًا، لكن واحدًا فقط تقدّم، فوضع كتفه على الحائط، فاستيقظ الضمير في الآخرين، وتحوّل الصمت إلى فعلٍ جماعي أنقذ الأرواح.
كنتُ ضمن حركة الأنصار في أيام الكفاح المسلح في جبال كردستان ضد دكتاتورية صدام، حيث كان الموت يتساقط من السماء على شكل غازات كيميائية تخنق القرى والناس. كنتُ أعلم أنْ لا نجاةَ إلا بالماء، فأغسل جسدي سريعًا لأطرد السموم، وأواصل السير بين الخراب.
وبعد سنوات من المنفى في إيران وسوريا، درستُ في...
في زاوية نائية من الغابة المنسية، يذوي بيت خشبي قديم تحت سياط الطقس، حتى يضمحلّ في سكون الكون. الأشجار العالية التي كانت يومًا ما شامخة، تحولت إلى حُرّاس منهكين، يابسة لا تقاوم، تحيط بالمكان كأطياف زمن مضى. أوراق الخريف الميتة تناثرت على الأرض، كأنها شواهد صامتة على اندثار الحياة.
إلى جانب...
ــ لقد سئمتُ الحياة ومتاعبها.
كانت هذه كلماته الأخيرة، تتساقط كأوراق الخريف، وتتلاشى أنفاسه في العدم. ومن بين تلك الأنفاس الأخيرة، انفتح داخله يقينٌ متذبذب أن وجوده في الحياة لم يكن باختياره، ومن هذا اليقين المرهق تراءت له ضوضاء أصوات مبهمة، ورسائل غير مفهومة، وأنه كان يكبح جماح نفسه الهشة بسبب...
هبط الخريف كقناعٍ مخادع، يكسو العالم بألوانه الصفراء، فيما يسرّب الموت إلى الأوراق. ذبلت الأشجار، وتراكم الضباب فوق المدينة، وكأن الطبيعة فقدت بهجتها وارتدت ثوبًا من الحزن.
عاد إلى شقته الصغيرة، التي عاش فيها عشر سنوات، بين أثاث قديم وضوء باهت يتسلل من النافذة. لم يشعل المصباح، واكتفى بالنور...
ينبثق من أكوام الحزن آلام وجروح، ملتحفة بدموع الثكالى والبائسين. يتفجّر صراخ من عمق الفراغ، ويهتز الأفق بصدى أنينٍ تصنعه قلوب مكلومة ذابت في رماد القهر، كأن الصدى يجرّ وراءه قوافل من الأسى، تتعثر في طرقٍ لا نهاية لها، وتترك خلفها آثارًا من رمادٍ يرفض أن يبرد.
ومن بين ذلك الصدى الممزق،...
“كان يا ما كان في قديم الزمان”، كنا نسمع في كل رواية وقصة هذه المعزوفة، حتى صارت كليشة لكل إيقاع ولحن. هكذا بنى أسلافنا مدخلًا سرديًّا للمرور بسلاسة عبر محيطات القصص والأساطير الخرافية، وكأطفال كنا نستمتع بتلك الروايات الشائقة؛ لأنها كانت تثير فينا الحماس والتساؤل، وألقت بظلال من الشك على وجود...
في زاوية منسية من الحياة، تعيش فتاة شابة حملت من الحب ما لم يُعترف به، وأنجبت من الصمت ثلاثة أطفال، كلٌّ منهم ظلٌّ من ظلّها. أكبرهم، لم يبلغ الثانية عشرة بعد، لكنه اختار أن يلوذ بالمعبد، يرتدي الرداء البرتقالي، ويصمت. لم يكن هروبًا من العالم، بل بحثًا عن مكان لا يُسأل فيه عن نسبه.
أما الطفلان...
قصة تنطلق من فرضية وجودية مثيرة: أن يبدأ الإنسان من جديد بعد محو الذاكرة. لكنها تمضي بخطى مترددة، كأنها تخشى التوغل في المفارقة بين النسيان كخلاص والنسيان كمحو للذات. النص يلمّح إلى التحوّل، لكنه يظل في منطقة الأمان، دون أن يستثمر التوتر الكامن في فكرته إلى أقصاه. دمت متالقا
نصّك يحفر في هشاشة الكينونة، حيث لا يعود الإنسان ذاتًا بل احتمالًا لغويًا يتشكل وينمحي في آن. كل مشهد هو انعكاس داخل مرآة مكسورة، وكل محاولة للكتابة هي خطوة نحو التلاشي. “محو بالتقسيط المريح” ليس فقط عنوانًا، بل قدرًا يتسلل عبر السطور، حيث لا خلاص إلا بالاعتراف بأننا نُكتب كما نكتب، وأن الهامش...
نصّ يعرّي هشاشة الكرامة حين تُختزل في بابٍ يُغلق. من الطفولة المُهانة إلى الرجولة المتصالحة، تتجسد المعاناة في تفاصيل تبدو تافهة لكنها تصنع الإنسان أو تكسره. دمت متالقا