مثل الشّرْنَقة تبدو.
تلفُّ جسمها برداءٍ أبيض؛ تنتظر مشيب غراب العراف، فعودة ابنها البهلوان، فشفاءها من السعال.
تنتظر كل ذلك وتسعل بحدة.
ينتفض الغراب. تتطاير من رأسه كرات الماء في كل اتجاه؛ تمدُّ عصاها وتهمزه بحدة، ثم تسأل:
- أما آن لك أن تشيب؟
يرفع رأسه متأملا عينيها، أنفها، فمها، كفيها...
في بيتنا سكّرية!
رفعت رأسي وضحكت، كان صوت زوجتي يملأ فضاء الغرفة من حولنا وهي تغني: كورونا كل سنه مرّة! سألتها والضحكة باقية كوشم على شفاهي: السخرية من الأغنية أم من السيدة فيروز أم من كورونا؟ قالت لا من الأغنية ولا من السيدة فيروز ولا من كورونا. ثم أضافت: بل لا أسخر إطلاقا، ما غنيت...
صعدت إليه في مكتبه والترقب يملأ جوانحي، طرقت الباب، جاء صوته مثل صوت ضبع متخم: تفضل. دخلت ولم أجلس، بقيت واقفا إلى أن يأذن لي بالجلوس. يغضب كثيرا إذا جلس الموظف قبل أن يأذن له وهذه ملعنة أَلِفْنَاها منه، ليست الوحيدة ولكنها واحدة من كثير. قال: أجلس. جلست، توجهت إليه، أرهفت سمعي جيدا ولم ينبس...
قلت لزوجتي وأبنائي ونحن على أبواب هجرة عكسية: هل سيأخذكم الحنين يوما إلى هذه المدينة؟ أجابوا كلهم نعم، وأنا معهم قلت نعم. هذه مدينة عشت فيها جلّ حياتي وفيها أبْصَرَتْ زوجتي النور وفيها تزوجنا وفيها أنجبنا. تشربت مسامنا ترابها وماءها وهواءها، هي منّا ونحن منها فكيف لا نشتاق إليها إذا تركناها غدا؟...