نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

المعلم (وي وي)

#1
يوم جديد وبداية عمل آخر بالنسبة للمعلم (وي وي). كان الرجل معروفا في مهنة البناء بالجدية والصبر والتحمل وعدم التبرم أو الشكوى، لذلك سماه أصحابه هكذا نسبة للفظ الفرنسي (وي) ـ أي "نعم" ـ مكررا للتأكيد على مدى استجابته لما هو مطلوب منه. كان العمل الجديد المراد منه هو تغطية واجهة جدار عيادة طبية حديثة عهد بالبناء، كانت واجهتها تطل على مؤسسة بريدية من الناحية الأخرى، وكانت شقوق الجدار ملجأ لكثير من الطيور التي أقامت فيه أعشاشها، فتهاوت من الثقوب الكثيرة ـ في الجدار الطويل ـ حواشي خيوط وحشائش يابسة تنحدر نحو الأسفل، تداعبها الريح ذات اليمين والشمال، بينما كائنات أخرى كانت تزحف ليلا نحو مكاتب الإدارة البريدية فتندس وسط الطرود أو الملفات، وليس أقلها العناكب والصراصير والوزغ، لقد وجدت لها ملاذا بين شقي البنايتين، لذلك فكر المسؤولون في اجتثاث المشكل من أساسه، فاستعجلوا ميزانية الإصلاحات، واستنجدوا بالمعلم (وي وي) في يوم ربيعي من أيام شهر مارس حيث الجو كان معتدلا، والهواء يغري بالنزهة والتجوال بالنسبة للميسورين، أما المعلم (وي وي) فقد اتصل بمساعده (عبد المولى) الذي كان اليد اليمنى للرجل، وكان ثالثهما هو (المتعلم الساكت)، كان الأخير نادر الكلام كثير الفعل والحركة، فلقبه أصحابه بهذا اللقب لأن من يتأمل شدة إطراقه وصمته يخاله أخرس اللسان.
حل (الساكت) قبل معلميه بوقت كاف، وبدأ يخلط الإسمنت والرمل بالمجرفة حسب المقادير التي طلبت منه، ثم سحب خرطوم الماء باتجاه الخليط الذي أصبح كومة دائرية مقعرة من الوسط. وصل الرجلان فوجدا (الساكت) منهمكا في تحريك العجين الذي أصبح جاهزا لبداية عمل شاق متعب ومنهك للسواعد القوية للمعلم (وي وي) ومساعده (عبد المولى) اللذين كان قد ثبتا الألواح والدعامات في اليوم السابق ليشرعا مباشرة في قذف الجدار بالمعجون الذي ستتم تسويته باللوح حين يتم تشربه من الجدار، وبعد أيام ستتم عملية طلائه من طرف عمال الصباغة.
كان الجدار متمددا على طول خمسة عشر مترا طولا وأربع أمتار عرضا من جهة الارتفاع، وهي مساحة تتطلب مدة يومين من العمل المتواصل، لكن المعلم (وي وي) ومرافقه أصرا على اختزالها في يوم واحد لأن الأجر سيكون عن جملة العمل لا ساعاته، لذلك قررا الاشتغال بشكل دؤوب متصل واقتسام الأجر ـ الذي هو مائتا درهم لكل واحد منهما ـ في آخر النهار، بينما أجرة (الساكت) لن تتعدى خمسين درهما باعتباره مجرد (متعلم).
لكن بمجرد أن شمر الرجلان عن ساعد العمل والجد بأن قفزا فوق اللوح حتى بدأت العصافير تخرج من أعشاشها وتعاود الدخول إليها من هنا وهناك، محدثة زقزقة عالية كأنما هي معزوفة احتجاج، كان (عبد المولى) رجلا بدويا عارفا بدلالات لغة الطير ومواعيد تزاوجها وفترة مبيضها وطيران فراخها.. فهاله أن جل الأعشاش إما بها فراخ صغيرة او بيض موشك على أن يفقس، وبعض الفراخ مازال بدون ريش، إن هو إلا لحيمات حمراء اللون ومناقير صغيرة مفتوحة ترتفع نحو الأعلى تنتظر من يلقي فيها ما تقتات به من ديدان وحشرات صغيرة، لكن المعلم (وي وي) سخر من اهتمام مساعده بالطير قائلا:
ـ لا تهتم بها، مطلوب منا تشطيب الجدار بأسرع وقت ممكن، لا أن نلقي بالا للحشرات..!
فرد عليه (عبد المولى):
ـ إنها طيور وليست حشرات، هل سنبيد كل هذه الكائنات بهذه السهولة؟!
ـ لا فرق عندي بين طائر وحشرة، إذا انشغلنا بها سنصبح نحن أيضا بمثابة الحشرة التي ستدوسها الأقدام، ولن نجد ما نطعم به الأفواه الجائعة في بيوتنا.
ـ لكن منظرها يؤلمني وأنا أكتم أنفاسها بهذه الإسمنت الرمادية اللعينة التي ستجعل منها جثتا داخل قبر كان عشها!
ـ الذنب ليس ذنبنا، وإنما ذنب المسؤولين الذين يتحكمون برقاب الإنسان قبل الحيوان والحشرات، عفوا "الطير" كما تقول. ولا تنس أنها المصلحة العليا التي تحتم ذلك يا صديقي!
كانت عبارة "المصلحة العليا" تمارس تأثيرها كأنما هي تخدير مسكن لضمير الرجلين، ولو إلى حين. هكذا كان المعلم (وي وي) يحاول تهدئة روع صديقه (عبد المولى) الذي كانت يداه ترتعشان وهو يحاول بين الفينة والأخرى إخراج بعض الفراخ التي أصبحت قريبة من المقدرة على الطيران، كان يلقي بها إلى سطح البناية لعلها تتدبر أمورها بنفسها، رغم أن أغلبها كان لم يصل بعد لمرحلة الاعتماد على النفس، فريشها واهن للغاية، بينما كانت أمهاتها في غاية الغضب وهي تحلق قريبا من (عبد المولى) والمعلم (وي وي)، في حين لم يكن (الساكت) يتوقف عن ملء الدلو الأسود بمعجون الإسمنت والرمل وإفراغه في الوعاء المطاطي المثبت على اللوح في الأعلى قريبا من رجلي الرجلين اللذين استمرا في عملهما إلى آخر النهار حين أصبحت الشمس مكتسية لونا أحمر قانيا، إذ لم ينعم الثلاثة سوى بقسط يسير من الراحة خصصاه لوجبة الغداء.
انتهت الأشغال وساد لأول مرة صمت رهيب في الجدار الذي كان يضج بحركة الطير وأصواته خلال الأيام السابقة. تسلم الرجال الثلاثة أوراقا نقدية هزيلة ربما تكفي لسد رمقهم لثلاثة أو أربعة أيام، بينما كان (عبد المولى) شارد الفكر وكأنه طعن بخنجر مسموم هذا اليوم، عاد الرجل إلى مسكنه القابع في طرف المدينة محملا ببعض الخضر ونصف كيلو من الدجاج الرومي وعلبة شاي وأخرى من السكر.. لقد كان الرجل يقطن في حي قصديري من أحياء الصفيح، كان الظلام قد بدأ يخيم على المكان، تخيل (عبد المولى) نفسه في وضعية الطير هذا النهار الأليم، ماذا لو جاءت جرافات ضخمة وجرفت هذه البنايات العشوائية وجرفت معها صغاره وصغار جيرانه الفقراء، لا فرق على الإطلاق بين المشهدين، فربما تسوى الأرض بهم جميعا في ما يشبه الإبادة الجماعية في هذا الليل البهيم، بينما رددت أعماق (عبد المولى):
ـ سيقول المسؤولون صبيحة اليوم التالي إنها المصلحة العليا التي حتمت التخلص من العشوائيات من أجل جمالية المدينة!
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى