نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

عبد اللطيف هدار والنص التراثي في القصة القصيرة جدا

#1
يعرف الأستاذ عبد اللطيف الهدار أن فن القصة القصيرة جدا له جمالياته،وله آفاقه الفنية والأدبية،وله إقبال عليه وانتشار.ولذا كان يضع نصب عينيه دائما القول القائل:"إن فنا يضطلع مباشرة بتصوير الحياة يجب أن يتمتع بحرية كاملة لكي يكون صحيحا معافى.فهو يحيا على الممارسة،وجوهر الممارسة هو الحرية" .
والقصة القصيرة جدا تتميز بالانفتاح والاتساع،واللغة الشاعرة، والصورة الفنية،والتجريب والحداثة.فقد دخل عبد اللطيف الهدار غمارها،وأعطاها بعضا من البريق المطلوب.واستطاع أن يعطينا عملين قصصيين قصيرين جدا هما:(الوشم صمتا)،و(ليالي الأعشى).
وهو يقدم لنا واقعا قصصيا- حسب منظوره- وظف فيه منظوره للتراث،وأغنى به قصصه القصيرة جدا.كما أن هذه القصة القصيرة جدا التي يقدمها لنا الهدار اليوم لا تخلو من رؤية ورؤيا،تبين نظرته للإبداع السردي عموما،وللشكل القصصي خصوصا.
والشكل القصصي عنده" هو تلك القدرة التي لكاتب على الإمساك بمادته الحكائية،وإخضاعها للتقطيع والاختيار،وإجراء التعديلات الضرورية عليها،حتى تصبح في النهاية تركيبا فنيا منسجما،يتضمن نظامه وجماليته ومنطقه الخاص" .ويتعلق الأمر بكافة العناصر البنائية والأسلوبية الداخلة في تكوين القصة القصيرة جدا،والتي تمكن الكاتب باستعمالها من الحصول على عمل فني متناسق،ومقنع بمادته وطريقة تأليفه .
والقصة القصيرة جدا عند الهدار عبد اللطيف،قصة الكثافة والمفارقة،والقصصية والإدهاش والإمتاع.ويعرف أنها من مميزاتها وخصوصياتها..ويجب احترامها.
فعندما نعود إلى مجموعته القصصية (ليالي الأعشى)،يعن لنا سؤال جوهري:هل القصة القصيرة جدا،والتي تتضمنها المجموعة ،هي ليال من ليالي الأعشى؟ مادام العنوان الرئيسي يلخصها ويعبر عنها؟.
إن (ليالي الأعشى) امتازت بشاعريتها، ومغامراتها، وهواجسها، وأحلامها وطموحاتها.وقد جاءت معبرة عن الذات المبدعة،وصورة معكوسة لدواخل الكاتب نفسه.فهل الأعشى هو الكاتب عينه؟وهل هذه القصة القصيرة جدا هي رؤى من رؤاه،أو تفسيرا لملاحظاته في الإنسان والوجود؟وعلاقة الإنسان بالوجود والمحيط وبالإنسان عموما؟
وامتازت(ليالي الأعشى) بالفنية والجمالية،اللذان تجليا في القصر والحجم المكثف،والاختزال،والتفاوت بين النصوص القصصية،من حيث الطول أو القصر والحجم.. فأطول نص بمجموعته القصصية،هو: اكتئاب،بالصفحة 10.عدد سطوره 13،وعدد كلماته 103.وأقصر نص هو(جزاء السنمار)،بالصفحة 27،وعدد سطوره 03،وعدد كلماته 12 كلمة.
وقد تضمنت(ليالي الأعشى) 50 نصا قصصيا قصيرا جدا.وتكونت من 344 سطرا،و2294 كلمة.
وعندما نتمعن العناوين الداخلية للمجموعة القصصية،نجدها عناوين متنوعة المبنى.فهناك 38 قصة قصيرة جدا ذات عنوان مفرد،يتكون من كلمة واحدة،و11 قصة قصيرة جدا ذات عنوان مركب من كلمتين.وقصة واحدة ذات عنوان مركب من ثلاث كلمات...وهي عناوين اسمية،ذات تركيب إضافي(جمرة العطش)،أو وصفي( حرب خفيفة).
وهذه العناوين ،هي علامات دلالية ومؤشرات تمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته.كما يقدم لنا معرفة كبرى لضبط انسجامه،وفهم ما غمض منه.فهو المحور الذي يتوالد ويتنامى ويعيد إنتاج نفسه .وهذه العناوين هي بمثابة بطاقة هوية،وصور مشهدية تغري بالمتابعة.
ويشكل العنوان الرئيسي(ليالي الأعشى) خبرا نقصا،يحتاج إلى تكملة حتى يصبح المعنى تاما وكاملا.وهذا النقص ولو أنه حذف في أصله فهو مقصود من طرف عبد اللطيف الهدار.يبين أن هذا العنوان كخطاب سردي ليس بالخطاب الاعتيادي الذي يعلي خطاب النص،ليكون دالا عليه.وإنما يتمتع بنصية تحقق استقلاله في كونه خطابا له استراتيجيته،ولذته في القراءة كما النص نفسه .
و(ليالي الأعشى)،هي زمنيات الأعشى،وأوقاته الليلية.فما خبرها؟. وبالتالي تكون النصوص القصصية الداخلية هي خبر ليالي الأعشى، أو جزء من لياليه..أو توضيح للياليه.وبالتالي تكون مكملة لدلالة العنوان.
وكما نعرف فإن عبد اللطيف الهدار كاتب قصة قصيرة جدا بامتياز.وهو ممن عركوا أمرها وخبروا مراسها..ومن هنا تعتبر كتابته القصصية تصورا عن كتابته لهذا اللون الأدبي،ومنظوره له.
ومن خلال عناوينه الداخلية ونصوصها،تميد بنا بظلالها وإيماءاتها نحو مرجعيتها التراثية،والأدبية.تستند في بنيتها إلى التراث الشعري العربي للأعشى وغيره كالمتنبي،وحياة الليل للشاعر وهو في تأملاته،ومخاضاته.
وخطاب بهذا النوع،وبهذه المواصفات ،لا بد أن يدعم ذاته بمرجعية تراثية،ويتخذها موطنا لتناصات تحريضية ومستفزة،ليغدو الخطاب القصصي قراءة تفكيكية للتراث ذاته.
وكل هذه العناوين رغم أنها ذات مرجعية تراثية،وأدبية،فهي تعبير عن رؤية ودهشة،وتصور وتساؤل.وتنم عن مقروء للخبر والطرفة، والسمريات، والنوادر، وغيرها، والتي تزخر بها كتبنا القديمة،وتذكرنا بأدبيات الجاحظ،وكتابات أبي حيان التوحيدي،وأبي علي القالي، وغيرهم.
وقصصه لا تخلو من فنية وجمالية،من حيث اللغة،والتصوير والتكثيف،والإدهاش والمفارقة،واستفزاز القارئ،والقصصية، والانزياح.
فمن حيث اعتماد الترقيم،نجد أن عبد اللطيف الهدار قد اهتم بتوظيف علامات الترقيم في نصوصه القصصية القصيرة جدا.حيث وظف 531 علامة ترقيم، احتلت فيها علامة النقطة المرتبة الأولى ب259 تكرارا.كما أن قصصه لا تخلو من شخصيات إما ظاهرة أو مضمرة.وجاءت هذه الشخصيات متنوعة في بنيتها وكاريزميتها.
كما لا تخلو (ليالي الأعشى) من زمن،وهو الحاضر الماثل أمامنا ما دامت الحركة هي التي تحدده لكونها جامدة.والزمن الذي وظفه عبد اللطيف الهدار في قصصه القصيرة جدا،يتحرك في إشارات/الحدث، والمتجدد ،وهي كما يلي:
1- إشارات المستقبل.وتتكون من ثلاث فئات من الإشارات:
* الأفعال المضارعة المتجهة نحو المستقبل،كما في نص(أنخاب) ص:46(يسومونكم سوء الظن،وينظرون إليكم من خلف الباب،ثم يدبرون ما يدبرون..تسومونهم سوء الظن،وتنظرون إليهم من خلف حجاب.تقدرون فتسقطون .تخرجون مزمجرين ويخرجون.
على ركام المعطوبين وسيول من نزيف،يقرعون أنخاب العاجلة، تاركين لكم أنهار الآجلة"...
* أفعال الأمر،وهي مستقبلية.وقد تضمنت المجموعة القصصية (ليالي الأعشى) على أربعة أفعال أمر.
2- إشارات الماضي.وتتكون من فئتين منها ،وهما:
* أفعال الماضي الخالصة التي لم تقع في معادلة الشرط،كما في نص (تباشير صحو)،ص:42.
" صحا القوم على رياء ذوي القربى من أهل من حسبوا على الورع والتقوى.فعمت الفوضى في الدروب السفلى،وتداعت أعمدة السرايا،واستيقظ في القلوب القنوعة أحلام طازجة".
* الفعل المضارع المقلوب إلى الماضي(المسبوق بلم).وقد وظف عبد اللطيف الهدار مجموعة منها.والجدول التالي يعطينا صورة إجمالية لتوظيفات الفعل في المجموعة القصصية (ليالي الأعشى)..
مجموع الأفعال الموظفة في المجموعة القصصية:47.0 فعلا
- عدد الفعل الماضي بالمجموعة القصصية:262
- عدد الفعل المضارع بالمجموعة القصصية:181.
- عدد الفعل الامر:04
عدد الفعل المضارع المسبوق بلم:23
وتمتاز كتابته القصصية بالترادف..حيث يأتي بالكلمة ثم يردفها بمرادفتها وما جاء في سياقها..كما في قصة(كاريزما) والتي يقول فيها:" أتوا به من فج النسيان.نمقوه وزوقوه ولمعوه حتى صار يخطف الأبصار،ثم أجلسوه في صدر صالون المرايا،وحكَّموه في الميزان.تعدد في المرايا،واختلطت عليه الموازين،وحتى لا يتوه بين الأصل والصور،وحفاظا على وحدة الكيل،هشم كل المرايا بلا هوادة،وأمر بخصخصة الميزان"(ص:50).
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى