نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

دردشة حول القصة القصيرة جدا محمد فري

محمد فري

المدير العام
طاقم الإدارة
#1
دردشة حول القصة القصيرة جدا
حظي موضوع السرد القصير جدا بأهمية كبيرة من طرف كتابه ونقاده ومختلف المتابعين له، وقد اختلفت الآراء حول الموضوع وتفرقت السبل حوله، فاعتبره البعض جنسا أدبيا جديدا، بينما اجتهد آخرون في البحث عن أصول تراثية عربية ترتبط به، في السياق نفسه ظهرت مجموعات قصصية قصيرة جدا تفاوتت جودتها وأهميتها واختلفت باختلاف زاوية النظر التي ينطلق منها كل كاتب، ومفهومه الخاص لهذا اللون السردي الجديد..
وقد ذهب البعض إلى أن هناك أشكالا كثيرة لهذا الجنس الأدبي، ولعلهم انطلقوا في ذلك من كثرة الأسماء التي أطلقت عليه، ومن هنا يصر البعض مثلا على التفريق بين الومضة والقصة القصيرة الجديدة، واختلفوا حول مواطن الفرق والاختلاف في هذا المجال..
كما ظهرت مؤلفات كثيرة انبرى أصحابها للإدلاء بآرائهم ومواقفهم انطلاقا من التركيز على نصوص مختارة من هذا النوع.
وكلها مؤلفات تتحدث عن القصة القصيرة جدا باعتبارها نوعا سرديا قصيرا جدا يتميز بخصوصيات اجتهد كل واحد منهم في طرحها وتحليلها ..
والملاحظ أن هذا الاختلاف المتعدد، قد انعكس بدوره على خصوصيات القصة القصيرة جدا، وعلى طريقة كتابتها وتناولها من طرف كتابها ومريديها..
وقد يصاب القاريء لهذه النصوص المختلفة بنوع من الحيرة التي تجعله عاجزا عن إدراك مميزات ثابتة وواضحة تمس هدا الجنس السردي، إذ كل كاتب ينطلق من تصوره الخاص، ورؤيته المحدودة التي قد تمنعه من الانفتاح على تصورات ورؤى أخرى ..
ولعل أهم نقطة يجب التركيز عليها ونحن بصدد موضوع سردي اختلف شكله عن أجناس سردية سابقة، هو تحديد المقومات الأساسية التي يصعب إهمالها، والتي يمكن اعتبارها ثوابت لابد من اعتبارها واحترامها،،
وهنا يمكن اعتبار عنصر الحدث عنصرا أساسيا في كل سرد، إذا غاب من أي نص جاز لنا اعتباره نصا غير سردي، وفي هذه النقطة بحث الكثيرون عن تبرير لغياب الحدث من بعض النصوص، فاعتبروها نصوصا منزاحة أطلقوا عليها أسماء مختلفة منها الشذرة والخاطرة وماشابه، وقد تكون نصوصا نثرية لاعلاقة لها بهذه التسميات التي غدت مصطلحات ثابتة عند الكثيرين..
الحدث إذن عنصر أساسي في السرد، والقصة القصيرة جدا لاتشذ عن هذه القاعدة، إن خلا منها الحدث ابتعدت عن السرد وابتعد عنها، وتتجاى أهمية الحدث في كونه أداة لدينامية النص وخلق قوى فاعلة تسهم في هذه الدينامية وتدفع الكاتب إلى تحديد رهان ناتج عن حبكة معينة زاوية نظر ينطلق منها.
ولا ننسى مايمارسه الحدث في خلق علاقات معينة شرحها غريماس وسابقوه في خطاطة عاملية معينة تحدد وتوضح الذات والمرسل والمرسل إليه والموضوع والقوى المساعدة والقوى المعارضة.. إضافة إلى المراحل أو الوضعيات التي يمر منها هذا الحدث حسب الذي وضعه بول لاريفاي في خطاطته السردية ذات الخمس وضعيات وهي وضعية البدء ووضعية التحول التي تضم ثلاث مراحل ثم الوضعية النهائية ..
هذه الخصوصيات وغيرها لايخلو منها أي سرد، سواء كان قصة قصيرة أو رواية بمختلف أنواعها، فهل تشذ القصة القصيرة جدا عن هذه القواعد وتنطلق من فوضى قد يعتبرها البعض تجديدا وثورة على " القديم "؟ لاشك أن كل تجديد لايخلو من قوانين يصعب التفريط فيها، أو إهمالها وعدم اعتبارها، والحدث والقوى الفاعلة والحبكة والرهان من هذه القوانين الواجب احترامها..
هناك إشارة أخرى لابد من تسجيلها في حديثنا هذا، وتتعلق بخصوصيات تميز الجنس السردي التي تجعله مختلف عن غيرة، فالقصة القصيرة مثلا لاتشبه الرواية من حيث التقنيةُ والتناول، وهو اختلاف لايتحدد في الحجم فقط..
من هنا كان لابد للقصة القصيرة جدا أن تختلف اختلافا جوهريا عن القصة القصيرة مثلا، وأن تتميز عنها تميزا حاسما لايكفي فيه الحجم فقط، إذ نجد كثيرا من النصوص القصيرة جدا لاتختلف عن القصة القصيرة إلا من حيث حجمها، بل يمكن تمطيطها لتصبح قصصا قصيرة جدا ..
وتدفع بي هذه الملاحظة هنا إلى اعتماد بعض الدارسين لخصوصيات القصة القصيرة وتقنياتها واعتبارها قواعد لابد من اتباعها من طرف كل كاتب للقصة القصيرة جدا..
ما أود توضيحه هنا هو ضرورة تخصيص خطاطة سردية تميز القصة القصيرة جدا وتختلف عن الخطاطة السردية التي تتضمنها القصة القصيرة أو الرواية، وهنا يمكن التوسع في الموضوع عندما يسعف الحال بذلك ..
أخيرا أجدني مضطرا إلى العودة للإشارة إلى نقطة مهمة أثارها بعض الكتاب، وأكدوا فيها على اختلاف القصة القصيرة جدا عما سموه بالومضة، وزيادة على ما توحي به هذه المقارنة من تعدد على مستوى النصوص السردية القصيرة جدا - وهو أمر يصعب قبوله - تمنيت مع ذلك أن يجتهدوا في تحديد الخلافات التي ارتأوها، لأنهم بهذا الحكم قد نفهم أن ما سموه بالومضة لايمكن اعتباره قصة قصيرة جدا، علما أن عنصر " الومض " وعناصر أخرى من أهم التقنيات الأسلوبية التي يجب أن تعتمدها القصة القصيرة جدا، وخلوها من هذا العنصر ( وعناصر أخرى ) يجعلها نصا سرديا هو أقرب إلى القصة القصيرة منه إلى القصة القصيرة جدا ..بل من الواجب مراجعة هذه التسمية التي انتشرت حول هذا الجنس لأنها تمتح من مصطلح القصة القصيرة ... وهو متح لايفيد في خلق استقلالية جنسية سردية .. وإلا، لصح أن نعتبر القصة القصيرة جدا: رواية قصيرة جدا
وللدردشة بقايا
محمد فري



 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى