نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

تعرية

ألقى بجثته المتهالكة وقد امتدت يد التعرية إلى رأسه فصيرتها أرضا جرداء بعد أن كانت خصبة يضرب بها المثل في الغزارة وتجذب انتباه الجنس اللطيف كما فراشات باتجاه النور/النار، وتحكي غزوات وصولات في ميدان الحب والغرام جرت عليه حسد الفاشلين، وسماه أصدقاؤه بشمسون العصر الحديث، كما أنه تحول من مفتول العضلات إلى مترهلها بفعل الزمن وتوالي الأيام..
ألقاها ككيس خضار متعفن وقد شارفت الشمس على المغيب على أول كرسي بالمقهى التي صادفها في رحلته اليومية من منزله إلى الحديقة ومنها إلى منزله، لكن، ليس من الطريق نفسها؛ فقد تعود منذ شبابه تغيير الطريق ما استطاع إلى ذلك سبيلا، تجنبا لتوقعات غير محتملة وقد تكون صادمة. وقبل أن يطلب من النادل مشروبا امتدت يده إلى جريدة متروكة على الطاولة كشبكة تروم اصطيادا، لم يقاوم إغراءها، فتصفح عناوينها، وهو يقلب صفحاتها التي تصدر خشخشة منفرة، استرعت انتباهه صورة كبيرة لآخر صديق له تنعاه، أصيب بحسرة وخواء، وتذكر أنه تناول معه كأس شاي وبعض الأخبار البارحة، والحديث عن الأصدقاء الذين رحلوا.
ياه! هذا الزمن غدار، لا يوثق به، يد منونه تمتد إلى الجميع، فلم استثنته؟
كان خواء فظيعا، تحامل على نفسه ونهض قبل أن يستعيد راحة منشودة جراء مشيه الطويل، شعر بثقل وإرهاق، سار بطيئا الخطو متكئا على عكازه ورفيق دربه رافلا في جلبابه الذي حال لونه بقلب ينبض بسرعة، ودمع في المقلتين عصي على النزول. سار وحيدا غير عابئ بمن حوله ولا بضجيج السيارات ولغو الناس، وفي كل خطو يسقط بعض منه فيسمع له انكسارا، يحدث نفسه عن الدنيا وعجائبها وتقلباتها، ويستعيد صور أصدقائه الذين تركوه يعاني الوحدة والفراغ، يحدثهم وكأنهم أمامه أحياء، يعاتبهم على مغادرتهم له من دون إشعار، كان يود لو يرافقهم، فالصداقة الممتدة من الطفولة لا يمكن تعويضها. ود لو اصطحبوه معهم ليمارسوا عادة الكلام في كل شيء، ويضحكوا ملء قلوبهم على من سقط ضحية إغراءاتها الخلبية.؛ يكسر بذلك صمتا خانقا، ووحدة مرعبة.
سار وفي القلب غصة، وفي العينين دمع عصي..، لم يلو على شيء، إلى أن وجد نفسه يدخل المقبرة القريبة من سكناه والشفق بدأ يرسم معالم حضوره العابر. في هذا المكان المهيب يقيم أغلبية أصدقائه. هنا بدا الخفقان يقل ليستعيد القلب وتيرة نبضه المعتاد مانحا إياه هدوء وسكينة غير معهودتين. سار باطمئنان نحو حفرة كان أعدها لنفسه مذ سقط أول صديق له، نظر إلي جوفها المظلم وابتسم برضا كما لم يبتسم من قبل، وحدثها عن شوقه لها.
قال: فليأت نباش القبور ليلتهم جثتي، وآكل الجيف..
شعر وكأنه بدأ يتعفن وبدبيب دود يترقب لحظة البروز. ولم ينتبه من غفلته إلا والحفرة تزحف باتجاهه مادة ذراعيها لاحتضانه، فرآها بعين الشوق والفرح تقبل عليه باشة صحبة أصدقائه المرحبين.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى