نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

خرج ولم يعد

خرج ولم يعد

استيقظت سميرة في الصباح فلم تجد زوجها بجانبها. وكان من عادته أن يعود إلى بيته عند مطلع الفجر ولا تستغرب زوجته لكن أن لا يأتي أصلا ولا يتّصل بالهاتف فهذا أمر محيّر إذ أن من عادته إذا أجبره أمر طارئ على أن لا يعود يتّصل بها بالهاتف ويعلمها بذلك. لكن هذه المرّة لم يعد ولم يتّصل بالهاتف. تحيّرت سميرة على زوجها وممّا زاد في حيرتها أن هاتف زوجها مغلق. طلبت البعض من أفراد عائلته. فكانت النتيجة أن بثّت فيهم الفوضى ولم تظفر بشيء. فليس أمامها والحالة هذه إلاّ المستشفى أو مركز الأمن. اتصلت بمستشفى المدينة فأعلموها أن لا أحد يقيم عندهم بإسم "عبد الرّحيم". اتصلت بمركز الأمن فقيل لها أن عليها أن تتّصل بمركز أمن المدينة التي أقام فيها الحفل. أصبح الأمر بالنسبة لسميرة أمرا مقرفا ومضجرا. أيّة بليّة هذه؟ عادت إلى البيت فتزوّدت بالمال وحمت جملة من الوثائق الشخصية واتجهت نحو محطّة القطار. وما هي إلاّ لحظات حتّى تحرّك القطار نحو السّاحل. سرحت سميرة نظرها في الأفق وراحت تفكّر: يا ترى أين أنت يا عبد الرّحيم الآن؟ أأنت حيّ أم ميّت؟ ممدّد على سريرأم جالس على كرسيّ أم واقف على قدميك؟ قلبها يخبرها أنّه في محنة. عبد الرّحيم ذو أخلاق دمثة ولا يمكن أن يصدر عنه سلوك مشين. بمجرّد أن وصلت إلى المحطّة اتّجهت مباشرة إلى مركز الأمن. سألت عن زوجها قيل لها إنّه في حالة إيقاف وصرخت سميرة تسأل عمّا فعل فقيل لها إنّه كان يسوق في حالة سكر بسرعة جنونية ولمّا تمّ إيقافه حاول أن يرشي أعوان الأمن. صرخت سميرة ثانية وقالت "مستحيل! عبد الرّحيم لا يشرب الخمر وسيّارته قديمة لا تسير بسرعة جنونية". فقال لها أحد الأعوان بهدوء:
-إذا زدت كلمة أخرى فإنّه سيتمّ إيقافك.
-بتهمة ماذا؟
-بتهمة الاعتداء على موظّف أثناء مباشرته لعمله.
أدركت سميرة أن الحديث مع هؤلاء لا يجدي نفعا. فتلفيق التهم لديهم أمر بسيط كشرب الماء. بعد صمت طويل سألت سميرة:
-هل يمكن أن اتصل به؟
-حاليا لا. سنحيله إلى حاكم التحقيق لينظر في أمره.
-وبعد أن ينظر حاكم التحقيق في أمره؟
-إمّا أن يطلق سراحه أو يحوّل إلى السجن.
-السجن!
فردّ العون بسخرية واضحة:
-ما لك؟ نعم السجن! لماذا انزعجت؟ وليس من المستبعد أن يشرّف هناك حسب التقرير الذي وقع إعداده. ماذا كنت تظنّين؟ أن نحمله إلى نزل فخم؟
-حسبي الله ونعم الوكيل.
-ماذا قلت؟
ابتسمت سميرة ابتسامة صفراء وقالت:
-وماذا تريد أن أقول لحماة الوطن سوى شكرا على جهودكم.
ودّت سميرة لو تقبض على عنقه وتضغط بكلّ قوّتها حتّى تجحظ عيناه، ولكن كتمت غيضها وخرجت. سارت بضعة أمتار وبصقت على الأرض وتمتمت "تفوه! ألا لعنة الله عليكم إلى يوم الدين".
ما خامرها شكّ في أن التهم الموجّهة لزوجها باطلة وأن هناك سرّا ما. اتّجهت إلى محطّة القطار تجرّ أذيال الخيبة. جلست في المحطّة تنتظر القطار. كانت سميرة تودّ أن تعرف متى سيحال زوجها على حاكم التحقيق ومتى يوضع في السجن إذا تقرّر ذلك وفي أي سجن سيسجن؟ ولكن لا لوم عليها إن لم تسأل عن ذلك فالحوار مع الأعوان الذين تحادثت معهم يولّد الغثيان وكأنّ اعتماد التشنّج خطّة مقصودة للإيقاع بكلّ من لا يتحكّم في أعصابه. أيّة مصيبة هذه يا ربّ! أدركت سميرة أن سلسلة من المتاعب ستواجهها. وأوّل هذه المتاعب أنّه عليها أن تغلق دارها وتذهب لتقيم مع أمّها فلا يمكن أن تقيم وحيدة في منزلها وهي حديثة العهد بالزواج. فقد يقرع بابها صعلوك في الهزيع الأخير من الليل.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى