نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

عرف الديك

#1
عرف الديك
باحة البيت الطيني الخارجية فسيحة بشكل كاف ليتبختر فيها ديك الفقيه عمر. يتقدم يمنة ويسرة يتهادى بخطوات أقرب إلى النط؛ صائحا تارة مقرقرا أخرى مصمما على نفخ ذيله البني الذي تتخلل ريشه وحدات منه بلون أخضر داكن...
منظر الديك أثار فضول الفقيه عمر وضيوفه الذين اتخذوا من مصطبة حجرية مجلسا يحيط بصحون من الكسكس مقدمة من سكان دوار تالمست كصدقة للمدرسة العتيقة التي يعلم فيها السي عمر القران وعلومه؛ و يمارس الأدب خصوصا الشعر لنفسه ويشرك المقربين إليه في هذا الترف المعرفي؛ ومثله الأعلى العلامة المختار السوسي...
الديك مستمر في التعالي ونبش الأرض بقائمتيه القويتين، بمخالبها الحادة؛ ولا يسمح لبضع دجاجات تتعقبه أن تتجاوزه أو تسطو على لقيته من النبش وإلا تعرضت لضربات من منقاره الحاد..لم يكن هذا السلوك ليفوت الفقيه عمر دون أن يعلق عليه أمام ضيوفه الذين اعتبروا الأمر عاديا جدا :--هذا المنظر الذي تشاهدونه الآن يشبه تعدد الزوجات!!
نظر إليه الضيوف باستغراب وأضاف الحاج صالح الاستنكار إلى نظرته؛ فهو الوحيد بينهم المتزوج من أربعة..حريم تحت سقف واحد ؛مع أفضلية لكنزة بنت عطار الدوار...استمر الفقيه عمر في توضيح مضمون تعليقه : -- ولو قال الشرع أربعة ؛ فقد قيدها بتحقيق العدل!!..ارأيت أسي صالح هذاالديك: أعدل منك! ؟..تضايق الأخير من هذا اللمز والهمز ؛ مما عرضه لسخرية الحاضرين...
ولما كان السي عمر فقيها متنورا، يأخذ بمقاصد الشريعة والمصالح المرسلة دون المساس بالثوابت؛ فإنه تمادى في مقارنته بين الديك والحاج صالح: -- الديك لا يفرق بين الدجاجات ولا يختلي بدجاجة دون أخرى؛ أو يسافر ويبقي على بقية حريمه في الحوش بلا ذكر ولا حسيب ولارقيب ولاحماية..فما يقع للدجاجات يكن له نصيب من ذلك..سواء كان مطرا، أو شمسا حارقة..لا تميز ولا امتيازات....
فيما كان الحاج صالح مطئطئا رأسه، كان باقي الضيوف بين كل لقمة ولقمة يهزون رؤوسهم موافقين ومؤيدين...وتبرع السي موح برأي آخر لم يفكر فيه أحد: أنا لاأريد أربعة ولا خمسة..أتمنى فقط أن أنام وأصبح ليخبروني بأن زوجتي هربت أو طلبت الطلاق..وقاطعه السي عمر:--حتى الطلاق أبغض الحلال...فالله سبحانه عرف أن الانسان في مسيرة حياته سيتغير شكلا، وسيشيخ ويهرم ؛ لذلك بنى العلاقة بين الزوج وزوجه على المودة والرحمة...
ولتلطيف الجو والحديث الذي عكر مزاج الحاج صالح، انبرى السي المهدي المعروف بقفشاته ليدلو بدلوه في الحديث الدائر: --ما بال هذاالديك الذي تدافع عن عدله معلنا الفجر في عز الظهر؛ لعله أطال الأنس والسمر مع حريمه..انفجر الجميع ضاحكا..وعلق السي عمر على ذلك بكون الديك يعلن بصياحه مرور الملائكة، عكس الحمار الذي يحذر نهيقه المنكر من حضور الشياطين....
فيرداوس لحسن
قصة قصيرة
يونيو 2017
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى