نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

ذكريات أمراة

مسحت جبينها المتعرق بيدها، فالجو دافئ في هذا الوقت من العام. أمضت صباحها في تنظيف أرضية المطبخ لأمها. نظرت إلى الكتاب القابع قرب النافذة، وكأنه ينتظر من يلتقطه ليغوص في صفحاته. قالت لها أمها بنبرة مازحة لكنها تحمل حقيقة: "أتمنى أن تجدي رجلاً يُسعدك، لكنني أعلم أنك تفضلين الكتب". احتضنتها ودعت لها بعيد ميلاد سعيد؛ كانت تبلغ الثالثة والعشرين من عمرها. بالنسبة لها، لا شيء يجلب الراحة أكثر من الجلوس بجوار النافذة، والاستغراق في قراءة كتاب يفتح قلبها لعوالم أخرى.

أغلقت باب غرفتها بعناية، فلا رغبة لديها أن يقاطعها أحدٌ في يومٍ كهذا؛ عيد ميلادها هو مناسبة تستحق الاحتفال، ولو كان ذلك عبر رحلة ذهنية تصحبها إلى عالم بعيد كل البُعد عن الواقع المحيط بها. حدقت من خلال زجاج نافذتها بالمناظر الطبيعية الهادئة التي تأسر الأنظار وتبعث على السكينة. العاشر من مايو كان يوماً مشرقاً للاحتفال بعيد ميلادها؛ وعدٌ بمستقبل جديد، تملؤه الحياة والخضرة التي تتوشح بها الأشجار اليانعة. بفضولٍ ممتزج بنشوة السكون، فتحت كتابها وبدأت تقرأ. عيناها تجولت بين الصفحات وكأنها تبحث عمّا يروي شغفها ويبدد جوع أفكارها. فجأة، استوقفها صوتٌ غير مألوف، لكنها تجاهلته أول الأمر، فلم تكن تريد أي شيء يقطع انغماسها فيما بين يديها. غير أن الصوت بدأ يعلو تدريجياً حتى أصبح مرعباً كأنه يخترق الأذنين بقوة. رفعت رأسها ونظرت خارج النافذة، لتُفاجأ بطائرات تحلق في السماء. سقط الكتاب من يدها بعنف حين أدركت أن شيئاً جللاً قد حدث. وضعت يدها على فمها في رد فعل تلقائي، وسرعان ما ركضت إلى الخارج حيث الأجواء لم تعد هادئة كما كانت. عندها لم تستطع سوى أن تسأل: "أمي، ماذا يحدث؟" والدتها التي أدارت وشاح الصوف حول كتفيها بإحكام، نظرت إليها نظرة تحمل مزيجاً من الحزن والواقعية وقالت بهدوءٍ مشوبٍ بالخوف: "هل تعرفين ما الذي يجري... الحرب بدأت."
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى