نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

قراءاتي في بعض القصص المنشورة سنة 2001 بالكتاب الجماعي منارات الصادر عن نادي القصة القصيرة بالمغرب

1
قراءة في قصة: خفافيش السبت – سي عبد اللطيف النيلة
تتناول قصة «خفافيش للسبت» والمنشورة بالكتاب الجماعي منارات ص 79؛ قضية الوحدة بوصفها حالة إنسانية ضاغطة، لا تظهر باعتبارها وضعًا عابرًا، بل كإحساس يتجدد كلما حلّ يوم السبت. ومنذ البداية، يشيّد السارد طبقات من الجمل المتراكبة، لينجز عمارة سردية تعبّر عن شدة وقع الوحدة على الشخصية المحورية.
يعتمد النص على سارد عليم، يملك معرفة واسعة بتفاصيل حياة هذه الشخصية، ويرصد أفعالها الدقيقة وما يشغل تفكيرها من هواجس وانفعالات. غير أن هذا السارد، على الرغم من قربه الشديد، لا يتطابق مع الشخصية ولا يمثل صوتها الداخلي، بل يقوم بتبئيرها سرديًا، موجّهًا خطابه إليها من الخارج عبر ضمير المخاطب، وهو اختيار دال على القرب والالتصاق دون الذوبان في الذات الساردة.
ويتيح هذا الضمير للسارد أن يلازم الشخصية لحظة بلحظة، فيتتبع حركاتها وسكناتها كما لو كان كاميرا تراقب تفاصيل حياتها اليومية، فتغدو الأفعال الصغيرة ذات دلالة عميقة، ويبرز تتابعها وتواليها بوصفه مرآة مباشرة لثقل الوحدة.
ومنذ العبارة الأولى:
«جاء السبت مرة أخرى»
تتحدد النبرة العامة للنص، إذ تكشف الجملة عن تبرم الشخصية من زمن يعيد إنتاج العزلة. فالسبت هنا لا يحيل على يوم عادي، بل على حالة نفسية خانقة تتكرر، وتضاعف الإحساس بالفراغ. وهي شخصية تعيش بعيدًا عن الأهل، وتزاول وظيفة بسيطة في إدارة تُعنى بإنجاز عقود الازدياد وغيرها.
وتتوالى في القصة عبارات واضحة الدلالة على وطأة الوحدة، من قبيل:
اتسعت جراح النفس، قتلت الوقت في المقهى، حان المساء، وددت لو يستبقيك أحدهم لتمضوا الليل مع سهرة التلفزة، لا أحد ألقى إليك بكلمة تحول بينك وبين إقفار شقتك، حزين إلى حد البكاء، وبقيت مع نفسك لا تدري كيف تقضي ليلة السبت.
ويشير السرد إلى أن أيام العمل لا تمثل سوى مهرب مؤقت، إذ تشغل الشخصية قليلًا عن الثقب الذي يتسع في سقف القلب. فالفراغ لا يزول، بل يتراكم، وبدل أن يكون فسحة للراحة من عبء الوجوه، يتحول إلى شبح مخيف يخلخل هدوء الروح، ويجتاحها الإحساس بأن الحياة ضيقة، صغيرة، تدور في حلقة مفرغة، وأن ما ينقصها ليس الكثير، بل مجرد ظل صديق.
وفي ظل هذا الواقع، لا يكسر الصمت سوى الأصوات القادمة من الخارج، التي ترتق العزلة بالشرود. غير أن النوم لا يأتي إلا متقطعًا، كما لو أن قوة خفية تتعمد تعذيب الشخصية. ويشكل دخول الخفاش إلى الشقة لحظة سردية لافتة، إذ يكسر الرتابة اليومية، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب الهواجس، ويضاعف الإحساس بالأرق. يحاول طرده فلا ينجح إلا بمشقة، لتبدأ بعدها سلسلة من القلق والتوتر.
ويحاول النص الاحتماء بالموسيقى، لا تلك التي تحرك الأشجان، بل التي تخفف وطأتها، غير أن الحنين إلى الأهل والأصدقاء يعود بإلحاح. ويتكسر النوم مرة بصوت المنبه، ومرة برنين الباب، لترد حكاية ساخرة حين يكون الطارق شحاذة تفرض عليه النزول إليها، وهو القاطن في الطابق الثالث، في مفارقة تعمّق الإحساس بالعبث.
ويُقدَّم يوم الأحد بوصفه هاوية، امتدادًا طبيعيًا لليل السبت، بما يحمله من فراغ مضاعف. كما يبرز في السرد تتابع الأفعال الحركية:
أشعلت الشمعات، ثبتها، استبدلت، أطفأت، وجلست…
وهو تتابع يوحي بحركة ظاهرية تخفي سكونًا داخليًا خانقًا.
وتأتي نهاية القصة لتكثف كل هذه الدلالات في مشهد رمزي قوي: فضاء خالٍ من الأثاث، أرضية من تراب، سرير في الوسط، والشخصية ممددة عليه كأنها مصلوبة. يظهر رجل يشبه بوب مارلي، بشعره المنفوش وبدلته الزرقاء، يقود ما يشبه أوركسترا من الخفافيش التي ترتدي «سلاهم سوداء»، وتعزف موسيقى تتدرج من الهدوء إلى الصخب.
يتصاعد الإيقاع من الخفوت إلى الانفجار، فيتحول إلى ضجيج خانق تحاول الشخصية أن تصم أذنيها عنه دون جدوى، قبل أن يعود بوب مارلي والخفافيش إلى السرير، فيما تظل هي تتألم بلا نهاية. وهكذا تتحول الخفافيش إلى رمز كثيف للوحدة والاضطراب الداخلي، وللضجيج الذي يسكن الروح ولا يهدأ.
وبذلك تنغلق القصة على بنية دائرية محكمة: وحدة تبدأ بعبارة «جاء السبت مرة أخرى»، وتنتهي بمشهد كابوسي يختزل عمق الانكسار الإنساني، حيث لا خلاص، بل استمرار للألم في صمت ثقيل.
**
2
في قراءة بسيطة لقصة "كتب وتفاح" للمبدعة خديجة اليونسي، يترك النص للقلم أن ينساب كما انسابت أحداث القصة نفسها على مدى ثلاث صفحات تقريبًا (45-47) في الكتاب الجماعي "منارات". يمكن القول إن الموضوع المركزي للقصة هو تمجيد الكتاب ورفع قيمة الساردة التي تحب الانغلاق على نفسها لتقرأ، كما تقول: "عندما أدخل هذا المكان" – أي المكتبة – "يخرج كل العالم". هذا القول يتكرر بأشكال مختلفة، ويبدو أنه يعكس رغبة الساردة في الانغماس الكامل في القراءة، بعيدًا عن الناس والعالم الخارجي.
تمجيد الكتاب يتجلى بداية من العنوان، إذ يرافق التفاح، الذي يرسم في ذهن المتلقي صورة السقوط، في حين يشير إلى رمزية المعرفة. فالجمع بين الكتب والتفاح ليس جمع تنافر، بل جمع تداخل، وكأن الساردة تجمع بين لذة المعرفة ومتع الحياة في وقت واحد.
في مفتتح القصة، يظهر عشق الساردة للكتب حين تقول: "تجتذبني هذه الكتب المتراكمة من حيث أنا. تفرغني من كل شيء، وتملأني دهشة وأبجدية". استخدام ألفاظ متضادة مثل "تفرغني" و"تملأني" ليس تناقضًا، بل يعكس طبيعة القراءة نفسها: الإفراغ يفسح المجال للملء، كما لو أن الكتب تنظف العقل من الفائض لتملأه بما هو مفيد، في تشبيه يشبه عمل الجراح الذي يزيل الفائض ويترك الصحي.
توازيًا مع عشق الساردة للكتب، تضفي القصة بعدًا جماليًا على هذه العلاقة، حيث تمنح الكتب صفة أنثوية جذابة: لا تمارس الحب هذه الكتب دون ان تقبض مهرها. ومهرك غال ايتها الفاتنة الوقورة يحتاج لمهارة الاغنياء في الشراء..، بينما تدرج الساردة على سبيل التنويع والتغيير رجلًا مهوسًا بشراء الكتب والفواكه، خصوصًا التفاح؛ وللتفاح قصته في ذهن المتلقي، إذ يرتبط بطرد آدم من الجنة لأنه مال إلى شجرة المعرفة والكتب لها هذا الدور وتقوم به. وفي لحظة سردية محورية، تتحول هذه الشخصية إلى زوج ينتظر الساردة أن تصل إليه الكتب التي اشتراها، لتعيد الساردة تأكيد عشقها لها بقولها: "كم هي شهية هذه الكتب التي لا تكف عن تمزيقي حتى في الأحلام، تحرق ليلي فيتصاعد الصباح من منبه الساعة".
على مدار القصة، لا تتوانى الساردة عن استخدام الطباق لتقوية دلالات النص، مما يجعل الرجل جزءًا من عالمها وليس غريبًا عليه. وتنتهي القصة بما يشبه طردًا من الجنة، لكنه طرد مرغوب، إذ تظل الساردة متشبثة بعشقها للكتب، من أول غفوة إلى آخر منبه، كرمز إلى أن الكتب تلعب دورًا في "إيقاظ" الفرد والمجتمع، وأن التخلي عنها قد يقود إلى الضياع.
**
3
في إطار قصص العمل الجماعي «منارات»، تبرز قصة «عزف على شفاه الشمس» للمبدعة أسماء حرمة الله بوصفها نصًا سرديًا يعالج إحدى القضايا الاجتماعية والإنسانية الشائكة، والمتمثلة في اختلال العلاقة بين المرأة والرجل داخل المؤسسة الزوجية. يُقدَّم الرجل في القصة بوصفه شخصية مستهترة وغير مسؤولة، في مقابل امرأة مثقلة بالأعباء النفسية والعاطفية، تعيش حالة من التمزق الداخلي بين معاناتها الذاتية وواجباتها الأسرية.
تتمحور القصة حول شخصية أنثوية مأزومة، تتخذ من البحر فضاءً اعترافيًا لبث همومها والبوح بآلامها، فيتحول هذا الفضاء الطبيعي إلى عنصر رمزي بالغ الدلالة، يجمع بين التطهير النفسي واستدعاء الذاكرة والانغماس في التأمل. ويغدو البحر بمائه الممتد وامتداد أفقه مرآة للذات المنكسرة، ومتنفسًا مؤقتًا للضغط النفسي المتراكم، في مقابل واقع منزلي خانق يعمّق الإحساس بالاختناق.
وتزداد حدة الصراع النفسي لدى البطلة بسبب وجود طفلة تجمعها بالزوج، ما يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا، إذ لا تعود معاناة المرأة ذاتية خالصة، بل تصبح مرتبطة بمصير كائن بريء تخشى عليه من آثار الانفصال أو الانهيار الأسري. ومن هنا تتشكل ثنائية مركزية في النص بين الرغبة في الخلاص الفردي والخوف من جرح نفسية الطفلة، وهي ثنائية تمنح السرد بعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا عميقًا.
ويمتد الخط السردي في القصة ليغوص في أعماق الذات الأنثوية، كاشفًا عن آثار المعاناة النفسية المزمنة الناتجة عن تصرفات الزوج غير المسؤولة. ويتخذ السرد طابعًا تأمليًا قريبًا من المونولوغ الداخلي، حيث يهيمن الصوت الذاتي على مجمل النص، وتتحول القصة إلى مساحة لفضح التوترات الداخلية والانكسارات الصامتة. ويظل هذا الاستغراق النفسي ممتدًا حتى ما قبل الخاتمة، بما يعكس ثقل الأزمة واستعصاء الحل.
ومن اللافت في البناء الأسلوبي للنص كثافة حضور عنصر الماء، إلى جانب التواتر الصوتي اللافت لحرف الميم، وهو اختيار لغوي يوظف الإيقاع الصوتي لخدمة الدلالة، إذ يساهم في خلق انسياب لغوي يوازي انسياب الذاكرة والمشاعر. كما يعزز هذا التشكيل الصوتي الإحساس بالهمس والحزن والاحتواء، منسجمًا مع طبيعة البوح والانكسار التي تهيمن على أجواء القصة.
أما على مستوى اللغة، فتتسم القصة بلغة تجمع بين البساطة والعمق، وتبتعد عن التعقيد اللفظي لصالح التكثيف الدلالي. وتعتمد الكاتبة على الانزياح اللغوي في عدد من المحطات السردية، بدءًا من العنوان ذي الشحنة الشعرية العالية، وصولًا إلى المقاطع التأملية التي يتداخل فيها الواقعي بالرمزي، والسردي بالشاعري، بما يعكس تماسك الرؤية الفنية للنص.
وتأتي الفقرة الأخيرة من القصة بوصفها خاتمة تحويلية دلاليًا ونفسيًا، إذ تشهد انتقالًا واضحًا في وعي الشخصية الساردة. فبعد طول استغراق في الشكوى والانكسار، تتخذ البطلة قرار العودة إلى البيت، وهو قرار لا يُقرأ بوصفه استسلامًا للواقع بقدر ما يُقرأ بوصفه اختيارًا أخلاقيًا واعيًا تمليه مركزية الطفلة في معادلة الصراع. فالطفلة تتحول في هذه الخاتمة إلى محور دلالي أساسي، ومصدر للأمل والاستمرارية، وقيمة مضيئة تكبح نزعة الانهيار الكامل.
ويكشف هذا التحول عن نضج نفسي في وعي البطلة، إذ تنتقل من التركيز على ذاتها المجروحة إلى التفكير في الآخر الهش الذي يحتاج إلى الحماية. وتُعاد صياغة هوية المرأة هنا من مجرد زوجة متألمة إلى أم واعية بمسؤولياتها، قادرة على الاحتمال من أجل الحفاظ على التوازن النفسي للطفلة. ومن ثمّ، فإن الأمل الذي تومئ إليه الخاتمة ليس أملًا حالمًا أو حلًا جذريًا للأزمة، بل أمل واقعي مشروط بالصبر والاستمرار وتحمل الأعباء.
وعلى المستوى الرمزي، تكتمل ثنائية البحر/البيت في الخاتمة؛ فالبحر كان فضاء الاعتراف والتطهير وبث الهمّ، بينما يمثل البيت فضاء الالتزام والمواجهة اليومية. والعودة إلى البيت لا تعني نهاية المعاناة، بل تعني القبول الواعي بالاستمرار من أجل حماية الطفولة من التشظي، وهو ما يمنح النص بعدًا اجتماعيًا يتجاوز التجربة الفردية إلى تمثيل واقع شريحة واسعة من النساء.
أسلوبيًا، تحافظ الخاتمة على هدوء لغوي وانسياب إيقاعي يتلاءم مع حالة السكون النسبي التي تنتهي إليها الشخصية، مع استمرار حضور الانزياح، ولكن بدرجة أخف، وكأن اللغة نفسها تشارك في تخفيف حدة التوتر النفسي.
وبذلك تقدم قصة «عزف على شفاه الشمس» نموذجًا لسرد نسوي واعٍ، لا يقدّم حلولًا جاهزة، بل يراهن على الوعي بوصفه أول أشكال المقاومة، وعلى الأمومة باعتبارها فعل صمود إنساني، لا مجرد دور اجتماعي مفروض. وتنجح الكاتبة عبر لغة موحية وبناء رمزي متماسك في تفكيك علاقة غير متوازنة، ومنح الصوت لذات أنثوية مهمشة، دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية.

**
4

ضمن الكتاب الجماعي «منارات»، ترد في الصفحة 121 قصة قصيرة جدًا بعنوان «كيف تسلّل وحيد القرن؟»، مهداة إلى أنيس الرافعي، الذي يشارك في الكتاب نفسه بقصته الطويلة «اشتباكات». منذ البداية، يضع العنوان القارئ أمام سؤال ملغز يحمل قدرًا واضحًا من السخرية، سؤال لا يُطرح بدافع الفضول بقدر ما يُستعمل كمدخل إلى عالم القصّة ورمزيتها.
القصة تجري داخل قاعة سينما مظلمة، تعرض فيلمًا هنديًا أمام جمهور مثقل بالحرمان. هذا الجمهور لا يُقدَّم بوصفه متفرجًا بالمعنى الثقافي، بل كجسد جماعي متوتر، يصفه السارد منذ البداية بشراهة حيوانية، ويشبّه القاعة نفسها بالمعدة. من هنا، تصبح السينما مكانًا للهضم لا للتأمل، وللتفريغ لا للتذوق، في صورة تفضح طبيعة العلاقة المختلة بين الجمهور والصورة.
على الشاشة، تظهر الراقصة وهي تستعرض جسدها، لا بوصفه جمالًا فنيًا، بل بوصفه فائضًا مثيرًا، شحنة تُلقى عمدًا في وجه جمهور “ساخن”، كما لو أن العرض محاولة يائسة لتصريف ما تراكم من كبت. غير أن النص لا يكتفي بهذا المستوى الواقعي، بل ينزلق فجأة نحو الفانتاستيك، عبر أحداث تبدو مستحيلة لكنها شديدة الدلالة.
تنفتح فجوة في الشاشة، يصاب الجمهور بسعار جماعي، ينزعون ثيابهم، ثم يتدفقون عبر الفتحة إلى داخل الفيلم نفسه. هنا تنهار الحدود بين الواقع والخيال، وتسقط الشاشة باعتبارها حاجزًا آمنًا. لم تعد الصورة تُشاهَد، بل تُقتحم. ولم يعد المتفرج في موقع المتلقي، بل صار فاعلًا مهدِّدًا.
في المقابل، لا تجد الراقصة سوى الهروب. تفرّ من الشاشة إلى الواقع، عبر شارع طويل، في مشهد يعكس انقلابًا لافتًا في الأدوار: الجمهور يهرب من واقعه إلى الخيال، بينما الخيال يفرّ إلى الواقع طلبًا للنجاة. هذا التبادل لا ينتج خلاصًا، بل يعمّق المأزق، إذ يظل الحرمان قائمًا، وتظل الرغبة بلا أفق إشباع.
في هذا السياق، تكتسب صورة وحيد القرن معناها الكامل. فالجمهور، بعد أن فقد فردانيته، يتحول إلى كتلة واحدة صماء، ثقيلة، مندفعـة، لا تفكر ولا تتراجع. وحيد القرن لا يتسلل هنا ككائن غريب، بل يتكوّن من الداخل، من تراكم الكبت، ومن التلقي القائم على الإسقاط لا على الوعي.
تنجح القصيصة، رغم قصرها الشديد، في قول الكثير بأدوات قليلة: عن السينما بوصفها مرآة للرغبات المكبوتة، عن الفرجة حين تنفصل عن أي أفق إنساني، وعن الجماعة حين تتحول إلى وحش. نص صغير الحجم، لكنه كثيف الدلالة، يراهن على المفارقة والاختزال، ويترك القارئ أمام سؤال أوسع من عنوانه: من هو وحيد القرن حقًا، وكيف يتسلل فينا؟
**
5
على سبيل البدء:
تمثل قصة «انشطارات 1» لأنيس الرافعي، المنشورة ضمن العمل الجماعي «منارات» (ص 31)، نموذجاً متقدماً من الكتابة القصصية التجريبية في المغرب المعاصر، إذ تقوم على تفكيك البنية التقليدية للقصة القصيرة، وتعويضها ببناء سردي يعتمد الانشطار المتكرر والمرآوي بوصفه آلية مركزية لإنتاج المعنى والتأثير الجمالي.
داخل متاهة النص:
لا يمكن تصنيف «انشطارات 1» بوصفها قصة قصيرة تقليدية ذات حبكة خطية أو صراع درامي واضح، بل هي نص تجريبي مكثف، يقوم على آلية الانشطار بوصفها جوهراً بنائياً وجمالياً. يقدّم الرافعي هنا ما يمكن تسميته بـ«القصة المرآوية المتشظية»، حيث يتحول السرد إلى سلسلة من المشاهد المتقاربة حدّ التطابق، مع فروق طفيفة في الزوايا، والأزمنة، والاتجاهات، والتفاصيل الهامشية، بما يخلق إحساساً بالدوران اللانهائي أو بالانعكاس داخل مرآة متكسّرة.
يبدأ النص بمشهد يبدو مألوفاً: مقهى/بار، واجهة زجاجية واسعة، ريح، شخصيتان (رجل سبعيني وامرأة أربعينية) في وضعية مراقبة محتملة، مع حضور النادل وسارد متلصص. غير أن هذا المشهد سرعان ما ينقسم إلى انشطارات متتالية، يعاد فيها إنتاج اللحظة نفسها مع تعديلات دقيقة: تغيير الزاوية البصرية، تبدل الزمن، اختلاف الإششارات الضوئية، حركات النظر، أو حتى تبادل الأدوار ببين الشخصيات.
هذا الانششطار ليس اعتباطياً. إنه يعكس فكرة مركزية مفادها أن الواقع يستعصي على التثثبيت في صورة واحدة، بل يتكاثثر كلما حاول السارد الإمساك به.
تتكون القصة من أربع شخصيات: الرجل السبعيني، والمرأة الأربعينية، والمومس، والطالب. وهي شخصيات لا تتطور، ولا تتحاور، ولا تدخل في تفاعل مباشر، بل تظهر بوصفها صوراً متبدلة داخل فضاء مغلق، تتبادل الأدوار كما لو كانت انعكاسات متقابلة في مرايا متعددة. وهكذا لا تعود الشخصية كياناً موحداً، بل تتجسد كسلسلة من النسخ المتشظية، بما يعزز فكرة الانشطار الذاتي والتعدد داخل الواحد.
أما السارد، فليس غائباً ولا محايداً، بل يحضر بوصفه ششخصية فاعلة داخل النص، عبر عبارات مباشرة مثل: «أقصد»، و«أكرر»، و«داخل المقهى»، و«خارجه»، و«جلوسهما». إنه من يقرر ترتيب المشاهد، ويغير الزوايا، ويصحح ويعيد الصياغة، ويتلاعب بالتسلسل، محركاً الشخصيات كما لو كانت دمى، في تماهٍ مع عالم الرافعي السردي المعروف "مصحة الدمى". غير أن هذا السارد نفسه يصبح موضوع مراقبة من قبل النادل، فتتشكل دائرة مراقبة معقدة: السارد يراقب الشخصيات، النادل يراقب السارد، والقارئ يراقب الجميع في لعبة مرآوية جهنمية. من هنا يتولد التباس سردي عميق حول سؤال التحكم والهيمنة داخل النص، أو ربما حول وهم التحكم نفسه.
يمارس السارد لعبة «الرتق والفتق»: يبني المشششهد ثم يفككه جزئياً، يعيد تركيبه بصورة متشابهة في ظاهرها، مختلفة في جزئياتها، ثم يعمد إلى تشويشه، مولداً توتراً دائماً لدى القارئ. تبدأ اللغة فصيحة محكمة ودقيقة، مشحونة بوصف موضعي متقن، غير أنها، مع الإفراط في التكرار، تبدأ في التآكل؛ فتتكسر الجمل، وتتداخل، وتغدو إيقاعية وصوتية أكثر منها دلالية. ويغدو التكرار («أكرر»، «أقصد»، «داخل/خارج»، «جلوسهما») إيقاعاً نفسياً يعكس العجز عن القبض على اللحظة، أو عن تثبيتها أصلاً.
لا تقدم «انشطارات 1» قصة حب، ولا علاقة، ولا حدثاً بالمعنى التقليدي؛ والقارئ، وهو يتقدم في النص، يكتشف تدريجياً أن ما يُعرض عليه ليس سوى عجز الإدراك واللغة عن الإمساك بالواقع. كل محاولة للوصف تفضي إلى نسخة جديدة مشوهة، فتتحول القصة إلى تأمل في الفراغ الناتج عن التكرار والانعكاس. ومن هنا، فإن الالتباس والقلق والتوتر الذي يختبره القارئ ليس أثراً جانبياً، بل هو الغاية الجمالية للنص؛ إذ يُدفع القارئ إلى معايشة الدوامة نفسها التي يعيشها السارد.
يزيد هذا الإحساس بالدوران اعتمادُ بنية مشهدية متكررة، حيث يُرقم مشهد ولا يُرقم الذي يليه، ثم تتكرر هذه البنية أربع مرات بالترقيم نفسه، بما يعمّق الإحساس بالحلقة المغلقة. وتتجسد اللعبة المرآوية في تعدد المناضد (الخيزرانية، البلاستيكية، الألمنيومية...) بتعدد المشاهد وأيامها، وكأن القارئ مدعو إلى اختيار موضع جلوسه، أي زاوية قراءته، ليعيد ترتيب المشاهد ويستعيد قدراً من الاتزان داخل هذا الإدهاش السردي، وتمنحه نوعا من الاتزان مقابل هذا الإدهاش القصصي والبراعة الفنية وجمال التشكيل التي يتميز بها القاص أنيس الرافعي، والإبهار السردي الذي يعد عنوانه الذي سيسافر معه في مجمل كتاباته القصصية والروائية.
على سبيل الختم:
تمثل «انشطارات 1» مرحلة نموذجية في المسار التجريبي لأنيس الرافعي، حيث تُحطَّم الأطر التقليدية للقصة القصيرة لصالح كتابة تستعرض تعثر السرد نفسه. يستلهم النص بعض ملامح التجريب الفرنسي لدى روب-غرييه (الوصف المتكرر ورفض الحدث)، وانعكاسات بورخيس المرآوية، لكنه يضيف بصمة مغربية واضحة، تتجلى في الإصرار على اللغة الفصيحة بوصفها أداة للاغتراب والتشويش الداخلي. في النهاية، لا يبدو أن القصة تسعى إلى «حكي» معنى بقدر ما تعري استحالة بلوغه، جاعلة من الفراغ واللا-معنى جوهر تجربتها الجمالية، ومؤكدة حضورها كنص يدفع بالقصة القصيرة نحو تخوم ما بعد الحداثة.
**
6
مع قصة «الشريط» لمراد رشيدي (ص 131) المنشورة ضمن الكتاب الجماعي «منارات»، نجد أنفسنا أمام نص قصصي ينتمي بوضوح إلى الواقعية النقدية، إذ يعمد إلى تشريح واقع قاسٍ تحكمه علاقات القمع والسلطة، قبل أن ينفتح في نهايته على لمسة من الغرابة التي لا تلغي سوداوية الواقع، بل تعمل على تلطيفها وإكسابها بعدًا رمزيًا وفنيًا يخفف من حدتها المباشرة.
يعتمد السارد على ضمير الغائب، متخذًا موقع السارد العليم الذي يلاحق حركات الشخصية الرئيسة، ويرصد أدق تفاصيل تفكيرها، وانفعالاتها الجسدية والنفسية، وطريقة تحركها في الفضاء القصصي. ويُفتتح النص بجملة مكثفة ودالة:
«استمر في هروبه نحو المجهول...»
وهي جملة تُدخل القارئ مباشرة في أجواء الخوف والمطاردة والقلق، دون تقديم معطيات مسبقة عن أسباب الهروب أو خلفياته، مما يخلق توترًا سرديًا قائمًا على التشويق والإرجاء.
ويعمد السارد إلى تعزيز هذا التوتر عبر الوصف الجسدي الدقيق:
«مسح وجهه من العرق الذي ينساب بقوة من كل أجزاء بدنه… كما أن ملابسه كانت مبللة»،
وهو وصف لا يكتفي بتصوير التعب الجسدي، بل يعكس كذلك الضغط النفسي الذي يعيشه الهارب، حيث يصبح الجسد نفسه مجالًا لتجلي الخوف والقمع. وهنا يُطرح سؤال مركزي: مِمَّ يهرب؟ ولماذا؟ وهو سؤال يؤجل النص الإجابة عنه قصد إشراك القارئ في عملية التأويل.
تتم عملية الهروب في فصل الصيف، غير أن الشمس تظل متوارية، في مفارقة دلالية لافتة، تدفع الشخصية إلى استدعاء أغنية ناس الغيوان التي تتحدث عن عصيان الفصول. وهذا الاستدعاء لم يكن اعتباطيًا أو زخرفيًا، بل جاء محمَّلًا بشحنة رمزية عميقة، إذ تحيل الأغنية إلى اختلال النظام الطبيعي، بما يوازي اختلال النظام الاجتماعي. فالفصول التي لا تطيع قوانينها تشبه واقعًا لا تحكمه العدالة، بل يخضع لقانون واحد هو قانون القمع.
وهذا يدفع للحديثث عن التناص في القصة.
التناص وتطويع الرمز: ناس الغيوان كصوت للاختناق الجماعي
تتعمق دلالة النص عبر استدعاء أغنية ناس الغيوان التي تتحدث عن عصيان الفصول. هذا التناص ليس تزويقًا لغويًا، بل تعالقًا نصيًا واعيًا يعزز نقد الواقع. فالمفارقة الزمنية المتمثلة في صيف تغيب شمسه تحيل إلى حالة القيظ الاجتماعي: اختناق، احتباس، ولا ضوء في الأفق.
أما الأغنية ذاتها، فهي صوت جيل عانى من القمع والتهميش، لتتحول داخل النص إلى ما يشبه الخلفية الصوتية للواقع السياسي والاجتماعي الذي تتحرك فيه الشخصية. وهكذا، لا يعود استدعاء الأغنية مجرد ذكر ثقافي، بل يصبح وسيلة لتكثيف المعنى، وربط الخاص بالجمعي، والفردي بالتاريخي.
ويتجلى القانون القمعي بشكل فاضح حين يسقط الشخص الهارب من أعلى القنطرة، وهي لحظة ذروة تكشف هشاشة الفرد أمام سلطة غاشمة. غير أن استعادته لوعيه وتبرئته من تهمة السرقة يفضحان زيف الاتهام، ويؤكدان أن المطاردة لم تكن بدافع تحقيق العدالة، بل نتيجة نزوة تسلطية مارسها المخزني إشباعًا لرغبة سادية في التحكم والإذلال.
ورغم تمكن الرجل من الإفلات من قبضة المخزني، فإن هذا الهروب لا يحمل معنى الانتصار النهائي، بل يوحي بحركة دائرية تتكرر بلا نهاية. فالنهاية تعود بنا إلى البداية، في إشارة واضحة إلى أن ما حدث ليس سوى حلقة ضمن سلسلة لا تنتهي من القمع والمطاردة. وتدعم هذه البنية الدائرية رمزية الشجرة التي ورد ذكرها في المقطع الأول من القصة، إذ تُقدَّم بوصفها شجرة ضخمة، صامدة، تشهد على مرور السنين دون أن تصيبها تجاعيد الزمن.
تغدو الشجرة، بهذا المعنى، استعارة للواقع نفسه: واقع يتكرر، ثابت في جوهره، عصيّ على التغيير، مهما تعاقبت الأزمنة وتبدلت الوجوه. ومن هنا، تكتسب الصيغة الدائرية للنص بعدًا دلاليًا عميقًا، يعكس العود الأبدي للأحداث، ويُحكم الخناق ليس فقط على الشخصية، بل على القارئ أيضًا، الذي يجد نفسه أسير الإحساس ذاته بالاختناق واللاجدوى.
لقد لعب الرمز دورًا حاسمًا في منح القصة بعدًا جماليًا وفنيًا، أنقذها من السقوط في المباشرة أو التقرير، وكاد يخفف من قسوة الواقع المر الذي ترصده. وهكذا، تتضافر الواقعية النقدية مع البنية الدائرية والحمولة الرمزية لتقديم نص قصصي مشحون بالدلالة، يكشف آليات القمع، ويطرح سؤال التغيير، دون أن يدّعي امتلاك أجوبة جاهزة.
**
7
نجد في قصة «مائة كيلومتر» للقاص والإعلامي عبد العالي بركات (ص 75)، المنشورة ضمن الكتاب الجماعي «منارات»، أن موضوع الكتابة ذاتها يتحول إلى تيمة مركزية تؤطر البناء السردي وتوجّه دلالاته. فالقصة لا تكتفي بسرد حدث أو تتبع مسار شخصية، بل تجعل من فعل الكتابة سؤالًا وجوديًا، ومن التردد إزاءها معادلاً لحيرة الذات أمام العالم.
يقسّم القاص بنيته السردية إلى قسمين واضحين ومتكاملين. ففي القسم الأول، يعتمد ساردًا عليمًا يوظّف ضمير الغائب، بما يوحي بمسافة سردية بينه وبين الشخصية المركزية؛ إذ لا يشارك في الحدث بقدر ما يكتفي بالملاحظة الدقيقة، وقراءة الدواخل النفسية والفكرية للشخصية. هذه الأخيرة تعاني آلام الكتابة، وتواجه قلق المعنى وسؤال الوجود، حيث يتحول البياض إلى هاجس، وتسود الصفحات ثم تُمزّق، في حركة دالة على العجز والرفض معًا.
إن كثرة تسويد الصفحات وتمزيقها تدفع الشخصية إلى التفكير في التخلّي عن فعل الكتابة، والاقتصار على قراءة ما يكتبه الآخرون، مفضِّلًا البياض لما يبعثه في النفس من ارتياح وطمأنينة، بخلاف الصفحات المسوّدة التي تورث الامتعاض والضيق. غير أن هذا الخيار لا يحقق له الصفاء المنشود؛ إذ يتكدر مزاجه كلما هاجمته ذكريات ملحّة لم تُدوَّن، فيشعر بأن الامتناع عن الكتابة نوع آخر من الخسارة.
ومن هنا تنبثق فكرة كتابة رسالة إلى صديقة تقطن خارج المدينة، حيث تشكل المائة كيلومتر الفاصلة بينهما عائقًا ماديًا ورمزيًا يحول دون اللقاء. وخلال التفكير في السفر إليها، تتملكه مشاعر غريبة، وإحساس بالعبث واللاجدوى، وتتزاحم في ذهنه أسئلة وجودية حادّة. ولأنه يُحجم عن ركوب الحافلة، لما في ذلك من مشقة جسدية ونفسية، يختار في النهاية اللجوء إلى الرسالة بوصفها بديلاً رمزيًا عن الرحلة المؤجلة.
وهنا ننتقل إلى القسم الثاني من القصة، حيث يوظف القاص جنس الرسالة توظيفًا فنيًا وجماليًا، فتنفتح الشخصية على القارئ كما تنفتح على المرسل إليها، وتبسط أفكارها وهواجسها دون أقنعة. والمرسَل إليها قاصة، ينبهها السارد إلى ضرورة تجنّب ثرثرة سيدات صالون الحلاقة، التي قد تصرفها عن اهتماماتها الأدبية، وبخاصة الكتابة القصصية، في إحالة ذكية إلى الصراع بين اليومي العابر والإبداعي العميق.
ويعبّر السارد في رسالته عن اهتمامه بها من خلال تتبّع تفاصيل حياتها الصغيرة، مثل صورها المنشورة في الصفحة الأخيرة من الجريدة كل يوم سبت، ويرى فيها صورًا جديرة بأن تُجمع وتصدر في كتاب يحمل العنوان ذاته، في رؤية نقدية تقدّر التفاصيل الهامشية بوصفها مادة إبداعية محتملة. كما يقدّم اعتذاره عن عدم تمكنه من السفر، قبل أن يستطرد في الحديث عن زيارته للأديب محمد بيدي، وما يعيشه من وحدة بعد مغادرة أبنائه إلى الخليج، وما دار بينهما من أحاديث.
وتتخذ الرسالة بعدًا ساخرًا لاذعًا حين يتحدث عن أحد أصدقاء بيدي الذي أقرضه مبلغًا من المال، وكان ينتظر أن يُعاد إليه مضاعفًا، لا سيما أن المقترض يشغل منصبًا سياسيًا، وكان ردُّ الجميل يُعدّ، في نظره، عرفانًا مستحقًا. غير أن المفاجأة تكمن في إرجاع المبلغ دون زيادة، ما يثير سخرية السارد، ويمتد تهكمه إلى فئة من الناس انشغلت بجمع المال، خصوصًا بالدولار، في إشارة نقدية إلى القيم المادية الطاغية.
ويتوقف السارد عن كتابة الرسالة وهو يتخيّل وجوه سيدات الصالون، لتنبثق بينها صورة صديقته غريبة ومشوَّشة، بالتزامن مع تذكّره سعيها لنيل الإجازة الجامعية من خلال بحث حول رواية «العشاء السفلي». وتنتهي القصة بسخرية محبِطة، نابعة من غياب السكك الحديدية التي كان من شأنها أن تخفف عناء السفر، وتريحه بدل الحافلة، ولا سيما أنه يعاني من آلام في عموده الفقري.
وهكذا، تنبعث من القصة روائح سخرية مريرة من الواقع السياسي والاجتماعي والخدماتي، وتتقاطع فيها أسئلة الكتابة، والعلاقات الإنسانية، وضعف البنية التحتية، وفساد بعض السياسيين الذين يعيشون حياة رغدة على حساب الآخرين. ويُحسب للقاص توظيفه الذكي لجنس الرسالة بوصفه عنصرًا جماليًا في بناء القصة، إلى جانب استخدام نقط الحذف إما للإحجام عن مواصلة الكلام، أو لترك مساحات بيضاء يدعى القارئ إلى ملئها بتأويله الخاص. كل ذلك بلغة تجمع بين البساطة والعمق، وتمنح النص طاقة دلالية تعكس مأزق الإنسان والكاتب في آن واحد.
**
8
في نصّه السردي الملحمي «سيرتان من حياة بدون جدوى»، لا يستعير محمد بشكار القالب القصصي ليباشر حكيًا خالصًا أو تقريرًا سرديًا محايدًا، بل يتخذه أفقًا آخر لقصيدته التي لم يغادرها يومًا. فالجملة السردية، من أول زفرة فيها إلى آخر شهقة، تنهض على لغة مشبعة بالانزياح والتكثيف، تجعل من السرد فعلًا شعريًا بامتياز، وتحوّل الحكاية إلى فضاء جمالي يتنفس الشعر دون أن يتنكر لمقومات القص. إن إلقاء نظرة فاحصة على هذا النص، المنشور ضمن الكتاب الجماعي «منارات» (الجزء الأول) ص 105، كفيل بأن يضع القارئ أمام استنتاج مركزي مفاده أن بشكار لا يُغَلِّب الشعري على الحكائي، ولا يضحي بالسرد لصالح اللغة، بل يجعلهما وجهين لعملة إبداعية واحدة، حيث تُحمل الواقعة السردية على متن صور واستعارات مدهشة.
ويكفي أن نتأمل بعض المقاطع الدالة على هذا النفس الشعري العالي، من قبيل تشخيص العوز في قوله: «بجيبٍ أدرد يمتص نسغ سقف الحلقوم»، أو توصيف التماهي مع المتخيل: «أبرم من ضفائر التخييل الصهباء جديلة تفصلني شنقًا عن أرضية اليقظة»، أو قوله: «أنسرب كأفعى في قميص التاريخ، تلوكني شمس الحقيقة في عتمتها لحظة الانطفاء»، و«أستشعرني معلقًا للسماء من رجلي بأمراس التخييل». مثل هذه الانزياحات تجعل النص يتجاوز كونه قصة بالمعنى الضيق، ليغدو كيانًا لغويًا نابضًا، يتسلل فيه السارد بحثًا عن خلاص لا يمنحه الواقع، ولا تتيحه إلا طاقة الحلم والمعرفة.
ومن حيث البنية، تقوم القصة على انشطار دال، يشي بوعي حاد بالمفارقة الوجودية، إذ تنقسم إلى قسمين، لكل واحد منهما عنوانه ودوره الدلالي: الأول «رحلة صيفية إلى اليابان بجيب أدرد»، والثاني «آدم القصير». في القسم الأول، يتجلى التخييل بوصفه آلية تعويضية وجبرًا جماليًا لنقص الإمكانات المادية التي تحول دون إنجاز الرحلة واقعيًا، كما فعل سارتر رفقة سيمون دي بوفوار. غير أن السارد، بدل الاستسلام للعوز، يبتكر حيلة سردية طريفة تتمثل في التواري داخل ذاكرة أحدهم لتحقيق السفر، فيتحول الحلم إلى بديل وجودي، وإلى شكل من «الاغتراب الروحي» الموغل في عرض الفكر وطول الحياة.
ويحتفي هذا القسم احتفاءً واضحًا بالبعد المعرفي، إذ يعج النص بأسماء وازنة في سماء الفكر والأدب العالمي والياباني، من قبيل: سارتر، دي بوفوار، موراساكي شيكيبو، تانيزاكي، ميشيما، وكينزابورو أوي. وهو احتفاء لا يبدو استعراضيًا، بل منخرطًا في نسيج النص، ومعبّرًا عن انحياز السارد لكل ما يمنح الوجود معنى يتجاوز المباشرة وضيق العيش. ومع ذلك، لا ينفصل هذا التخييل عن الواقع انفصالًا تامًا، إذ يتسلل إليه عبر إشارات تاريخية محددة، كذكر سنة 1966، أو عبر استحضار مآسي ناغازاكي وهيروشيما، في سياق التنديد بكل أشكال التسلح النووي. كما يعيد النص، بشكل ضمني، طرح أسئلة سارتر حول الحرية ومسؤولية المثقف، مذكّرًا بأن ما يهدد الإنسانية ليس العقل، بل الجنون والكسل والتعصب.
أما القسم الثاني، «آدم القصير»، فينقل السرد إلى مواجهة شبه مباشرة مع الواقع السياسي، حيث يتخذ طابعًا أقرب إلى النقاش الفكري، وينحاز بوضوح إلى المعرفة والتخييل في مقابل الغرق في «أوحال السياسة». هنا تتحول السخرية إلى أداة تفكيك، يشرح بها السارد ملامح صديقه الذي «امتصت صحراء السياسة اليباب ماء وجهه»، ولم تترك في قعره الأجوف سوى «حصوات تتصادى بلهاث الظمأ وضفادع تترجم بالنقيق فداحة الفراغ». فالصديق لا يقرأ سوى الواقع كما هو، دون كسر أو تخييل يعيد التوازن النفسي أو يخفف من رتابة العيش.
ويبلغ هذا المسار الساخر ذروته حين ينشغل الصديق بتفاصيل عابرة من قبيل «التعديل الحكومي»، فيستدعي السارد، بتهكم ذكي، التراث ممثلًا في تاريخ الطبري، وتفسير قصر قامة آدم، ليخلق تداخلًا دالًا بين المتخيل الأسطوري والواقع السياسي المبتذل. وهنا يعلن النص موقفه بوضوح: إن من يحيي بالكتابة تحولات «يخضور الأزل»، ويستوعب الانزياحات الجمالية لأجرام الكون على مستوى القراءة، لا يسعه إلا أن يسخر من ضآلة ما يتحول على مستوى الواقع، أو الواقع السياسي تحديدًا، الذي لا يتوانى عن تقزيم الجبل إلى ذرة، أو تضخيم الذرة إلى جبل.
وتأتي الخاتمة كضربة ساخرة قوية، حين «يرتج الجوف الصخري لصاحبي بضحك كاد يهدمه إلى نثار»، في مشهد يختزل المفارقة بين لغة الخطابة ولغة الحلم، ويؤكد انتصار الانزياح الجمالي والمعرفة والتخييل. هكذا، يشتغل السارد بالسخرية حين يلامس الواقع السياسي، وبالشعر حين ينفتح على الحلم والفكر، مؤكّدًا أن الكتابة عند محمد بشكار ليست ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة أخير ضد الملل، والروتين، وفداحة الفراغ.
**
9
في قصة الشاعر والناقد والقاص الطيب هلو الموسومة بـ**«الرأس والقبعة»**، المنشورة ضمن الكتاب الجماعي «منارات» (ص 59)، نسترجع أصداء قصة محمد برادة «الرأس المقطوعة» من عمله «سلخ الجلد»، غير أن الطيب هلو يمنح «الرأس» حمولة دلالية مغايرة، إذ يحوّله إلى رمز للفقر ووسيلة لفضح أسبابه العميقة. فالسارد يقدّم صورة ساخرة عن ذاته بطريقة إيحائية لا تقوم على جلد النفس أو السخرية المباشرة منها، بل على رسم عناصر بعينها وتوظيفها لقراءة واقع فقير ومزر.
ومن خلال حقل معجمي كثيف، يعمد القاص إلى تعرية هذا الواقع كما عرّت الريح رأس السارد حين طوّحت بقبعته. ومن بين هذه المفردات: العواصف، ليلة غير عادية، شفق كالح، أثواب مبعثرة، مغيب باهت، الهموم؛ وهي عبارات تُسقِط الحالة النفسية المتدهورة للسارد، وتعكس اختلال توازنه الداخلي. ويواصل القاص سرد ضجره من روتينٍ مبلّل بالرتابة، ومن صراخ الأطفال الجياع، وجفاف أيامه، وهو معجم يزيد من تعميق الإحساس بانعدام الجدوى.
وأثناء سيره، تهبّ ريح تسرق قبعته وتفضح صلعته، وفي لحظة مفارِقة يعثر على قبعة ليست قبعته، لكنها تضمّ رأسًا، وهو ما ينقل القصة من أفق السرد الواقعي إلى أفق السرد العجائبي. يحمل السارد القبعة ورأسها إلى مخفر الشرطة، في إشارة رمزية ناقدة لواقع القمع والتسلّط. وحين يعود إلى البيت، يحكي حكايته للأطفال، متخيّلًا نفسه تارة مذيع نشرة جو، وتارة معلّقًا رياضيًا، بينما يتابعه الأطفال باندهاش. وللأطفال هنا رمزية واضحة بوصفهم أفق المستقبل.
وفي لحظة كاشفة، يكتشف السارد أنه بلا رأس، غير أن ذلك لا يقلقه، لأن الشرطي وعده خيرًا، ولأن من لم يفقد رأسه من شدّة البرد، سيفقده من شدّة… الفقر ص 60. وبهذه الخلاصة المفارِقة، ينهي السارد قصته العجيبة داخل واقع أعجب، واقع يهدّد السلامة العقلية للناس.
وقد صيغت القصة بلغة سلسة وسرد انسيابي، معتمدةً على العجائبي أداةً لقراءة واقع جاف، ولتلطيف صرامته بنكهة سخرية مرّة، تكشف أكثر مما تُصرّح، وتُدين دون أن ترفع صوتها.
**
10
في قصة «مؤامرات» لأحمد لطف الله، المنشورة في المؤلف الجماعي «منارات» (ص 21)، ينفتح النص منذ عتبته الأولى على بناء إيقاعي لافت يقوم على نغمتين تترددان على النوطة نفسها، هما «استئذان» وتكرارها بوصفها عنوانًا لمقطعين. هذا التكرار لا يؤدي وظيفة شكلية محايدة، بل يخلق لدى القارئ رنّة موسيقية خفيّة تُبقيه في حالة يقظة أثناء تتبع أحداث النص، إذ تتحول اللازمة إلى منبّه سردي يذكّر باستمرار بحالة التوتر الكامن تحت السطح. وفي الوقت ذاته، يسهم هذا التكرار في تكثيف مناخ ثقيل يرهق الشخصيات، ويعكس اجترار الأفعال نفسها داخل حياة راكدة ومغلقة، ترفض أي تغيير، كما ترفض فتح النافذة لتجديد الهواء. إلى جانب ذلك، يتعمّد السارد العليم صناعة الالتباس والقلق في ذهن المتلقي، عبر تذويب الحدود بين الأفعال والشخصيات وزوايا الرؤية، بما يفرض قراءة متنبّهة لا تركن إلى الاطمئنان، وكأن النص نفسه يرفض أن يُقرأ في وضعية الراحة.

يتجسد هذا المناخ الخانق في فضاء مكاني محدود: غرفة مغلقة، ونوافذ موصدة، وهواء راكد يُعوَّض بدفء اصطناعي. لا يُقدَّم المان في القصة بوصفه خلفية محايدة للأحداث، بل يتحول إلى بنية رمزية مكثفة تحيل على حالة انسداد أوسع. يغادر البيت في القصة بعده المعبر عن الاطمئنان ويبتعد عن كونه مساحة تعبر عن الدفء والتواصل والطمأنينة، كما أشار إلى ذلك باشلار في تحليلاته عن المكان والبيت، بل صار موقعًا لتجمع أفراد الأسرة مع تراخٍ في العلاقات والتواصل، حيث يُستبدل الهواء بالحماية الوهمية، وتُقدَّم الطمأنينة بوصفها بديلاً عن الحياة. لا يتقدم الحدث في القصة عبر تطور درامي صاخب، بل عبر تراكم الإحساس بالضيق، في سرد يراهن على التفاصيل الصغيرة والإيحاءات الصامتة أكثر مما يراهن على الفعل المباشر، وهو ما يجعل القراءة نفسها تجربة اختناق بطيئة.

داخل هذا الفضاء، تبرز الطفلة بوصفها بؤرة الوعي الوحيدة، أو على الأقل البؤرة الأقل تكيّفًا مع الوضع القائم. فهي الكائن الأكثر حساسية تجاه الخطر، تشعر بالاختناق قبل الآخرين، وتنتبه إلى النوافذ المغلقة بوصفها سبب الأزمة. وعيها وعي جسدي غريزي، لا يملك لغة تحليلية، لكنه متصل بالحياة اتصالًا مباشرًا. لذلك يأتي صراخها نداءً وجوديًا لا يُقرأ في سياقه الصحيح، بل يُؤوَّل على أنه إزعاج يجب احتواؤه. هنا تتكشف إحدى أفكار النص المركزية: الصوت الذي يفضح الخلل يُقمع لأنه يهدد نظام الطمأنينة القائم.

في مقابل يقظة الطفلة، يقف الأب والأم بوصفهما نموذجين للغفلة الآمنة. الأب نائم في معظم مشاهد القصة، ونومه لا يبدو حالة عرضية، بل وضعية ثابتة يعاد تأكيدها سرديًا، حتى تصبح علامة على وعي زائف لا يستيقظ إلا بفعل كوابيس شخصية لا تمت بصلة إلى الخطر الحقيقي. أما الأم، فرغم استيقاظها المؤقت وإنجازها مجموعة من الأفعال، فإن حركتها تنتهي دائمًا بالعودة إلى السكون، وكأن الفعل ذاته لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الاطمئنان. هذا التناوب بين الحركة والهدوء لا يكسر الدائرة، بل يعمّق الإحساس بالدوران داخل نظام مغلق، يشتغل بكفاءة مقلقة.

ويبلغ التباس السرد ذروته في المشهد الذي تستيقظ فيه الزوجة، ثم ترد جملة «الأب نائم»، يعقبها فعل «تتسرب إلى السرير… تقبل جبين الأب وصلعته». هذا الانتقال غير المعلن من الأم إلى الطفلة لا يبدو خللًا في البناء بقدر ما يبدو تقنية واعية تقوم على تذويب الحدود بين الذوات، ومحاكاة مناخ النعاس العام الذي يخيّم على النص. فجملة «الأب نائم» تؤدي وظيفة إيقاعية تثبيتية، لا زمنية، تؤكد استمرار السكون، قبل أن يعود السرد بهدوء إلى الطفلة التي «تتسرب» دلالةً وفعلًا، بوصفها حضورًا خافتًا، هامشيًا، يتحرك دون أن يُلحَظ. هذا التداخل يعكس موقع الطفلة داخل البنية الأسرية والرمزية للنص: موجودة بلا مركز، فاعلة بلا اعتراف، قادرة على الحب والإنذار، لكن دون قدرة على التغيير. فالقبلة التي تمنحها للأب لا تختلف في جوهرها عن صراخها السابق؛ كلاهما فعل صادق، وكلاهما يفشل في كسر النظام.

ويأتي حضور الممرضة ليضفي بعدًا اجتماعيًا على هذه البنية المغلقة. فهي شخصية تشعر بالإنهاك والعطش، وتدرك الاختناق، لكنها تظل أسيرة التعليمات والتراتب، عاجزة عن المبادرة. وجودها يوسّع أفق القصة من إطارها الأسري إلى فضاء مؤسسي أوسع، حيث يتحول التعب والاعتياد إلى شكل آخر من أشكال التواطؤ الصامت. فحتى من يُفترض أنهم مؤتمنون على العناية والحماية، يغدون شهودًا مرهقين على الخطر، لا فاعلين في منعه.

تصل القصة إلى ذروتها حين تُستدرج الطفلة نفسها إلى النوم، فينتصر السكون انتصارًا كاملًا. هنا تتجلى دلالة العنوان بأوضح صورها: فـ«المؤامرات» ليست أفعالًا مدبرة بوعي شرير، بل نظامًا يوميًا يتشكل من الخوف، والاعتياد، والرغبة في الطمأنينة. ولا يظهر الخطر الحقيقي إلا في الحلم، في صورة كابوسية لوحش متجسد، لأن الواقع، وقد أُغلقت نوافذه، لم يعد يسمح بالرؤية، ولا حتى بالرغبة في الرؤية.

بهذا المعنى، تقدم «مؤامرات» نصًا مكثفًا عن الغفلة بوصفها اختيارًا جماعيًا، وعن الوعي حين يولد ضعيفًا ومهددًا بالإخماد منذ طفولته الأولى. إنها قصة عن حياة تُدار بالإيقاع والتكرار، وعن أصوات تُسكَت لأنها تذكّر بالهواء، وتترك القارئ أمام سؤالها الضمني العميق: كم من النوافذ المغلقة نحتاج كي ننام؟









**
11

في قصة «سائح صغير» للقاص محمد بنعزيز، الواردة ضمن الكتاب الجماعي «منارات» (ص 141)، وهي آخر قصة في هذا العمل، نجد أنفسنا أمام نص سردي مكثف يقوم على السارد الذاتي الذي يُعدّ الشخصية المحورية والمتكلم الوحيد في القصة، حيث يغيب الحوار المباشر لتحضر بدلًا منه عين راصدة لواقع اجتماعي جارح.
يكشف هذا الواقع عن انقسام حاد بين من يمتلك المال ومن لا يمتلكه، بين العابر والثابت، بين الداخل والخارج، وبين الأنا والهم. فبعد رحلة شاقة، يحطّ السارد الرحال بمدينة مراكش التاريخية، تلك المدينة ذات العظمة الذائبة، ليلج كافيتيريا ويطلب فنجان قهوة، تحت نظرات غير مرحِّبة من صاحب المحل والنادل وغسّالة المراحيض. ورغم هذا الجو الطارد، يصرّ السارد على البقاء، حتى مع تغيّر الزبائن من حوله.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يذهب السارد أبعد من ذلك حين يفتح كتابًا بدل كاميرا، في مفارقة دالّة تميّزه عن السياح الوافدين الذين يقصدون المكان لالتقاط الصور. هذا الفعل البسيط يثير غضب الثلاثي، كلٌّ من موقعه، فيتحول السارد إلى عنصر غير مرغوب فيه. والمفارقة اللافتة أن النادل وغسالة المراحيض يتضامنان مع المشغّل ضد الزبون المثقف وابن البلد، لأنهم يرونه غير صالح لتحقيق الربح، رغم غلاء المشروب، إذ سيشغل المقعد مدة طويلة دون استهلاك إضافي، بينما يمكن استثماره مع زبائن آخرين أكثر ربحًا.
وفي المقابل، يظل طفل السجائر خارج هذا الفضاء، غير قادر على ولوجه، يبيع سجائره بالتقسيط لمن يريدها، وخاصة السارد. وهكذا تتحول الكافيتيريا إلى فضاء مغلق يشبه جنة تُطرد منها شياطين الفقراء، في إشارة رمزية إلى الإقصاء الاجتماعي.
أما ارتجاج دماغ السارد أثناء الرحلة، فلا يبدو سوى انعكاس لارتجاج أعمق في الواقع نفسه، واقع يعرف شرخًا فاضحًا بين الأغنياء والفقراء، بين من يشغّل كاميرته لالتقاط معالم تُبهره، ومن يشغّل قلمه لقراءة واقعه وتشريحه، معتمدًا الإيحاء والرمز بدل التقرير والمباشرة.
وبذلك، تنجح القصة في تقديم رؤية نقدية عميقة للواقع الاجتماعي، موظِّفة السرد الذاتي والفضاء الرمزي لتعرية منطق الربح والإقصاء الذي يحكم العلاقات الإنسانية.
**
12
في الكتاب الجماعي «متارات»، الذي ضمّ عددًا مهمًا من قصص شباب مغربي شقّوا طريقهم بعزم، وأثبتوا ذواتهم من خلال ممارسة الكتابة الجادّة ومواصلتها بإصرار إلى اليوم، وبتقديم مكثّف بقلم الناقد اللامع نجيب العوفي، نجد متنًا قصصيًا متنوّعًا. ومن بين نصوصه أستحضر قصة هشام حراك المعنونة بـ «جاكلين وفطومة» (ص 139).
وهي قصة مكثّفة تقتنص لحظة فارقة بين الخيال والواقع؛ إذ يتجلّى الخيال، أو الواقع المثالي، في مسلسل «الفاتنة جاكلين» التي تعيش حياة وردية من خلال علاقتها الرومانسية بحبيبها جون، في مقابل الواقع المرّ الذي تعيشه فطومة — ولاحظوا دلالة الأسماء — المشحون بالبؤس والمعاناة.
يقيم السارد مقارنة بين حياتي المرأتين ليخلص إلى نتيجة صادمة مفادها أن الواقع مرّ، وأن الخيال ليس سوى وهم يمنح الذات المتلقية جرعات خادعة من عسل مغشوش. فبين الواقعين مسافة شاسعة، وإن حاولت التكنولوجيا الحديثة ردمها. ثم إن واقع فطومة يظل مختلفًا عن واقع جاكلين، رغم كون هذا الأخير خياليًا. فمحاولة الانسلاخ عن ثقافتها، عبر تقليد واقع جاكلين، لم تفضِ بها إلا إلى الفشل وتجرّع المرارة.
ويبقى سؤال فطومة في نهاية القصة معلّقًا، لأن بثّ المسلسل يُغلق الدائرة بنهايته، لتظل فطومة بعيدة عن أن تكون جاكلين، ويظل حبيبها عسو بعيدًا عن حياة جون.
وفي واقعها نلمح طلبين ورفضين: مرة من عسو، ومرة منها هي ذاتها. إن طرح رغبتها في الزواج من عسو لإسكات الأقاويل يكشف عن عجزها عن التعالي على الواقع وإكراهاته.
لقد شكّلت هذه المقابلة فرصة لنقد الواقع، ونقد الانسلاخ عنه في الآن نفسه. فما بين واقعهم وواقعنا فجوة عميقة لا يمكن القفز عليها، كما لا يمكن البحث عن أجوبتنا في ثقافة الآخر.
**
13
يُعدّ نص «الموسيقار» للقاصة المغربية فاطمة الزياني، الوارد ضمن الكتاب الجماعي (الجزء الأول) ص99 الصادر عن منشورات نادي القصة القصيرة بالمغرب سنة 2001، نموذجًا دالًا على اشتغال القصة القصيرة جدًا على التوتر الخلّاق بين الواقعي والتخييلي. فمنذ القراءة الأولى، يلفت النص الانتباه بقصره وكثافته الدلالية، إذ لا يتجاوز صفحة ونصف، غير أنه يختزل رؤية جمالية وسردية عميقة.
ينبني النص على مشهد مركزي يتمثل في حفل موسيقي يقوده مايسترو، ترصده الساردة رصدًا دقيقًا أقرب إلى المعاينة البصرية، دون أن يسقط في الفوتوغرافية الجامدة. إذ تُركِّز في البداية على شخصية المايسترو بوصفه فاعلًا سرديًا محوريًا، من خلال توصيف لباسه، وحركات جسده، وإيماءاته، وما توحي به من سلطة فنية وكاريزما قيادية، قبل أن توسّع مجال الرؤية لتشمل الجمهور، باعتباره عنصرًا مكمّلًا للمشهد الموسيقي.
وترصد الساردة تفاعل هذا الجمهور مع الموسيقى، كاشفة عن تأثيرها النفسي والحسي، ومُسجِّلة حركات المتلقين وانفعالاتهم وأنشطتهم أثناء العرض وبعد انتهائه. ويُنتج هذا الاشتغال السردي إيحاءً قويًا بالواقعية، قائمًا على تتبع جزئيات المشهد من زوايا متعددة، قريبة وبعيدة، بما يعزز وهم التمثيل الواقعي والدقة التقريرية.
غير أن قوة النص لا تكمن في هذا البناء الوصفي وحده، بل في الضربة السردية التي تنقله من أفق الواقعية إلى فضاء الفانتاستيك، حين يتحول المايسترو فجأة إلى غراب يحلّق في السماء. هذا التحول لا يأتي بوصفه عنصرًا غرائبيًا معزولًا، بل محمّلًا بدلالات رمزية عميقة، إذ يستحضر الغراب معاني الذكاء والسمو والتحرر والانفلات من القيود الأرضية، بما يجعل الموسيقى نفسها فعل تجاوز للواقع، وانعتاقًا من ثقل اليومي والمألوف.
وهكذا ينجح النص في تحقيق توازن دقيق بين الرصد الواقعي والتخييل الرمزي، موظفًا لغة مكثفة ودقيقة، تُراكم الدلالة دون إسهاب، وتؤسس لاقتصاد سردي واعٍ بخصوصيات القصة القصيرة. لذلك يمكن القول إن «الموسيقار» قصة ممتعة وجماليًا مُحكَمة، تشتغل على تقاطع الفنون (السرد والموسيقى)، وتُجسِّد قدرة القصة القصيرة المغربية على مساءلة الواقع عبر الخيال، دون التفريط في عمق الرؤية أو جمال التعبير.
 
التعديل الأخير:

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى