نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

قراءة في ديوان زهرة احمد بولحية

اختارت الشاعرة زهرة أحمد بولحية أن تخوض تجربة قصيدة النثر، لكنها لم تكتف بالنمط التقليدي لهذا الشكل الشعري، بل عمدت إلى إدخال تلوينات جديدة ومبتكرة، منها ما يحاكي شكل القصيدة العمودية، غير أنها تحررت من سلطة البحور العروضية التي ترسخت في ذهنية المتلقي، مع احتفاظها بالقافية، مما منح نصوصها تميزًا شكليًا وجماليًا.
لقد وجدت الشاعرة في قصيدة النثر مساحة حرة للتعبير عن قضايا فلسفية ووجودية ونفسية، ترتبط في جانب كبير منها بالمرأة، لكنها لا تنفصل أيضًا عن الهمّ الإنساني العام. ومن أبرز هذه القضايا جدلية اليأس والأمل، التي تشكّل أحد المحاور الأساسية في الديوان، ويتجلى ذلك منذ العنوان، مرورًا بالغلاف الفني، الذي يُبرز وجوهًا نسائية تنبض بالمشاعر، وتتجه بعضها نحو الشرق، حيث شروق الشمس بما يحمله من رمزية للأمل والنور والحياة، في حين تتجه وجوه أخرى نحو الغرب، المعبّر عن الغروب، والظلمة، والانطفاء.
وهكذا، تتبلور في الديوان ثنائية مانوية قائمة على صراع الأضداد: الأمل واليأس، النور والظلمة، الحياة والموت، وهي ثنائية تعكس في جوهرها حالة الشاعرة النفسية ورؤيتها للواقع، ذلك الواقع الذي يبدو معقّدًا ومحمّلًا بالدلالات والرموز.
إن الشاعرة ترصد من خلال قصائدها أبعاد النفس البشرية، بما تنطوي عليه من طموحات وعوائق وصراعات داخلية، وكل ذلك يصب في مجرى الحكمة والبحث عن الوهج والمعنى. كما غذّت تجربتها الشعرية بمرجعيات متعددة، أبرزها النص القرآني الذي وظفته بأساليب متنوعة، إلى جانب حضور واضح لـالميتاشعر، من خلال تأملات في ماهية الشعر ووظيفته، وما يمكن أن يحمله من قضايا فكرية ونفسية ووجودية، لا سيما تلك التي ترتبط بالمرأة ومكانتها في العالم.
وكل هذه العناصر تمثّل مدخلًا غنيًا لقراءة هذا الديوان الخصيب، الذي يستحق تأملًا نقديًا معمقًا.
عتبات المجموعة:
فما الذي تكتنزه عتبتا الغلاف والعنوان؟
لننطلق من الغلاف وبعده العنوان قصد القبض علي اجوبة ممكنة.
عتبة الغلاف:
إن أول ما يلفت انتبه القارئ هو ذلك اللون الوردي الناعم الذي يغلف الخلفية بأكملها، لون يحمل في طياته شيئا من الحزن أو الشفقة كما يحمل طابع الرقة والعذوبة والانوثة، وينطوي بالمقابل على أضدادها، ولأنه مششتق من الورد فانه يحمل في طياته ما يعبر عن الأمل والتفاؤل. يتضمن وجه الغلاف لوحة فنية والعنوان واسم الشاعرة، في حين يتضمن ظهره نصا شعريا، اختير بعناية ويحمل مقصدية معينة. تبدو اللوحة عملا فنيا مميزا، رسمها فنان يعتمد على خطوط سوداء جريئة فوق خلفية وردية. يعتمد التصميم على تدرّج لوني من الوردي البنفسجي إلى الأبيض، وكأنّ الغلاف نفسه يعيش تحوّله من الاحتجاب إلى الكشف، من الغسق إلى الضوء. يششي اللون الوردي البنفسجي بمزاج وجدانيٍّ حالم، حتى انه يقترب من الحزن لكنه لا يغرق فيه، بل يترك مساحةً للأمل والدفء.
، في فلب الغلاف الأمامي، تبرز لوحة تشكيلية عمودية تضم وجوهًا نسائية مائلة، بعضها شاحب بنظرات حزينة تشي بها الهالة السوداء المحيطة بالعين، وبعضها بارز مغمض العينين، تتجه بنظراتها يسارا، وأخرى بالأسود لا يرى منها سوى ملامح الفم وتتجه بنظرها جهة اليمين، وهو تقابل يؤكد التقابل الذي حمله العنوان، بين الحلكة والوهج وفي اللوحة بين الليل والنهار. وكان هذه الوجوه ذات بعد رمزي للذات الشعرية في تعددها وتحوّلاتها، اوكأنها مرايا متقابلة لوجهٍ واحدٍ يتشظّى داخل التجربة
ينبسط على الغلاف الخلفي النص الشعري المختار باعتباره عتبة دلالية تمهّد للقارئ الدخول إلى عالم الديوان. تقول الشاعرة في مطلعه:
"لا تعتزلها
واسكن هدأتها
اسكن عيونها المغرورقة بالضحكات
على طاولة المساء..."
تخاطب القصيدة كيانا أنثويا داخليا، تدعوه إلى التامل بعد صخب التجربة. وتتضمن القصيدة مفارقة كونها تجمع بين الألم والفرح، وهي التيمة الابرزفي الديوان كله. فضلا عن التكرار الذي عمق المعنى وزاد من توهج الدلالة بجمل انشائية آمرة وحاثة على فعل السكن
يمثل النص الخلفي خلاصة وجدانية وفكرية للديوان، إذ يعلن منذ العتبة أنّ الشعر هو الرحلة والمأوى في آن واحد. وحديثها عن الشعر سيكون بمثابة فرصة للحديث عن الميتاشعر في الديوان.
ينسجم النص مع بقية عناصر الغلاف في مناخ التأمل والحنين، ومع الصورة التي تهيمن عليها وجوه أنثوية متأملة حاملة للضوء. إنّ حضور المرأة في الصورة وفي النص وفي اللوحة وفي الاهداء يجسد أنوثة الشعر ذاته.
يحمل الديوان، من خلال مجموع مكونات الغلاف ما يوحي بتجربة الشاعرة في عالم يتأرجح بين الوهج والحلكة، أي بين الضوء الداخلي والظلال الخارجية، لتاتي الكتابة بمثابة فعل تلميعٍ دائمٍ لزجاج النافذة، بحثًا عن صورةٍ أوضح، ورؤيةٍ أصفى.
عتبة العنوان:
وأنا اقرأ الديوان؛ لفت انتباهي عنوانه المكتنز دلالات؛ فأغراني بالتوقف عنده كعتبة مهمة؛ والغرض من تفكيكه لا يهدف استنزاف كنوزه بقدر ما يهدف إلى البحث عن بعض الدلالات المحتملة التي قد تكون بابا للقراءة والتحليل.
بداية نلحظ ان الشاعرة اختارت الجملة الاسمية منقوصة المبتدا؛ ولعل في هذا البتر ما يدل علي النقص؛ وككل نقص نجد بحثا عن اكتمال؛ وهذا البحث المضني له ارتباط بالقناديل التي اتت جمعا مما يوحي بالقوة والضعف معا في مناخ ينهض علي تضاد بين بين كلمتي حلكة الدالة علي اشتداد الظلام؛ ووهج الحاملة لمعني قوة الضوء.
والقناديل تستدعي العنصرين معا ولا يمكن ان تتخذ معناها وبلاغة حضورها إلا منهما وبهما معا.
فوظيفة القناديل الإضاءة لإبعاد العتمة.
ولان اختيار الجملة الاسمية هو من اجل الثبات والسكون فان الحلكة والوهج جاءتا تنهضان بالفعل؛ فهناك حركة مرغوب فيها لتكسير السكون.
وما يؤكد حضور الفعل مضمرا كونه غائب في التركيب حاضر في المعنى.
فهل العمل ككل يقوم علي الثنائيات التالية: النور والظلام؛ الثبات والحركة؛ وما هي أهم الموضوعات التي طرقها، وهل للمراة حضور فيه وما إيقاعه، وما هي أبعاده التناصية والميتاشعرية؟
تلك جملة من الأسئلة التي سنسعى إلى البحث عن بعض أجوبتها، وسنقوم بتقليب صفحات الديوان لمعرفة الجواب/ الاجوبة المحتملة.

عن تجربة الشاعرة
تنهض تجربة زهرة بولحية الشعرية على وعي مزدوج: وعي بالشعر بوصفه فعلًا جماليًا، ووعي به كفعل مقاومة رمزية في وجه الموت. الكتابة عندها ممارسة وجودية تترجم التحدي الأنثوي للحلكة عبر إشعال القنديل اللغوي في مساحة بياض تهدد بالابتلاع. من هنا تتولد جمالية التوتر بين السواد والبياض، بين الكلام والصمت، بين حضور الذات وانمحائها.
البعد البصري وأبعاده في الديوان:
الكتابة لدي زهرة بولحية هي بمثابة فعل مقاومة؛ فالشعر عندها فعل حياة وإقبال عليها وفرح بها ووقوف في وجه الموت والدخول في صراع معه.
لا نجد في الديوان ولا قصيدة واحدة اعتمدت جملا طويلة تمتد مساحة من اقصي يمين الصفحة إلي اقصي يسارها ولا فقرات متتابعة ذات الطول نفسه للتعبير عن الدفع بالبياض الذي يرمز للموت بعيدا بل بسطت الشاعرة قصائدها جميعا وسط الصفحة وجعلتها محاطة بالبياض من الجهات جميعها وكأنها بهذا الفعل لا تبغي سوى التاكيد علي حضورها في هذا العالم القاسي؛ فمجرد البقاء فيه حيا يعد انتصارا؛ وقد يكون الفعل دالا على انتظار الفرصة للتمدد بغاية تقليص البياض ومن ثم دحر الموت.
القصائد بشكل حضورها البصري دليل مقاومة لثقل الموت وقدراته الهائلة علي التدمير. إنها قصائئد تعانده رغم جبروته، وتعلن عدم الخضوع له أو الاستسلام له؛ إنها تحمل طاقة إيجابية على البقاء وأملا في الانتصار الرمزي عليه؛ وكأنها تستمد هذه الطاقة بمن إيمانها الداعي إلى زرع فشلة ولو في المحطة الأخيرة من الحياة.
والجميل في هذا المجال هو قلب لعبة العنوان من حيث معاني ألفاظه؛ فإذا كان البياض في العنوان رمز النور ومن ثم الحياة والحلكة رمز الموت؛ فإن القصاذد باعتمادها في كتابتها علي الاسود ودخوله في صراع مع الابيض قد قلبت الادوار وجعلت الابيض مهددا والاسود حياة.
لكن ذلك لا يخرج العنوان من دلالاته الأولى كون عنصريه يعبران كل القصائد اما بلفظيهما واما بما يرتبط بهما دلاليا.
الميتاشعر في الديوان:
تتجلى في الديوان نزعة ميتاشعرية واضحة، أي أنه لا يكتفي بقول الشعر، بل يتأمل فعل الكتابة ذاته، ويجعل من القصيدة موضوعًا للقصيدة.
فما الميتاسرد؟
الميتاشعر هو شعرٌ يُفكِّر في ذاته، أي أنه لا يكتفي بالتعبير عن المشاعر والأفكار التقليدية، بل يجعل من عملية الكتابة الشعرية نفسها موضوعًا له. إنه شعرٌ يسلط الضوء على أدواته ولغته وأساليبه، متأملًا علاقة الشاعر باللغة والقصيدة والوجود. من خلال هذا الوعي الذاتي، يصبح النص مرآة تعكس عملية الخلق الأدبي وأسئلتها. هكذا، يتحول الشعر من كونه وسيطًا لنقل التجارب إلى أن يصبح تجربةً بحد ذاتها تُطرح فيها إشكاليات الشعر وجوهره.
لقد اتخذت الشاعرة القصيدة ميدانا للتفكير في الشعر وتامله، نجدها تتحدث عن كيف تُكتب الأشياء، وعن ما الذي يعنيه أن تكون القصيدة ممكنة وسط الحلكة. وكمثال على ذلك قولها:
"سأسكن الصمت... سأترك للقلم مساحة بين البياض فسحة... مزحة واشتياق..." ص 33.
هنا تنكشف الشاعرة داخل نصها، متأملة علاقتها بالكتابة. فالصمت الوارد في المقتطف يعد شرطٌا مهما لولادة القصيدة، وهو ما يشي بوعي بالكتابة داخل الكتابة، في مشهد فني وجمالي ترى الشاعرة فيه نفسها وهي تتأمل، وهي تفكر، وهي تكتب وتعيد الكتابة، وكأنها بهذا الفعل تدخلنا إلى مطبخ كتابتها، ولعمري فإن هذه هي الميتاشعرية في أنقى صورها.
البعد البصري، وجدلية الصمت والكلام:
تقوم تجربة زهرة أحمد بولحية في ديوان قناديل من حلكة ووهج على جدلية دقيقة بين الصمت والكلام، بين البياض والسواد، كأن الكتابة عندها فعل انبثاق من الفراغ، أو نداء يخرج من فم الغياب. فالشاعرة تدرك أن الكلام لا يكتمل إلا بما يسنده من صمت، وأن المعنى لا يُقال إلا ليظل ما لم يُقَل هو الأعمق. لذلك جاءت معظم نصوص الديوان قصيرة، مكثفة، لا تتجاوز الصفحة الواحدة، ثم تليها نصوص أطول قليلًا تتوزع على صفحتين، فقصائد أوسع تمتد إلى ثلاث، في حين تمتد قصيدة "ألمع زجاج النافذة" على مدار أربع صفحات، فهي وحيدة في امتدادها، كأنها "يتيمة الديوان" التي أوكلت إليها الشاعرة مهمة الختام الكونيّ للنص. هذا التدرج في المساحة يعد تنويعا شكليا وبيانا جماليا عن تطور الصوت الشعري من الهمس إلى الصراخ، من التجربة الداخلية إلى الانفجار الكوني.
تضع الشاعرة نصوصها في منتصف الصفحة، محاطة ببياضين: بياض الأعلى وبياض الأسفل، فكأنها أرادت أن تجعل سواد الكلام بين صمتين. ولا يمكن اعتبار البياض هنا دالا على الفراغ، لانه في الأساس كيان صامت يطلّ على القارئ ببرود ميتافيزيقي، فالقصيدة/القصائد تشبه خفقة في صدر الوجود، أو هي لحظة ضوء قصيرة داخل ظلامٍ ممتد. تقول "سأسكن الصمت... سأترك للقلم مساحة بين البياض فسحة... مزحة واشتياق..."، هنا، يصير الصمت كائنا يتموقع بين القول والسكوت، إذ تحاول الشاعرة أن تكتب ما لا يمكن قوله. هي لا تحاور اللغة بل تحاور المسكوت عنه، وكأنها تكتب ضد اللغة بقدر ما تكتب بها.
إن هذا التناوب بين الصمت والكلام لا ينفصل عن التناوب بين الحلكة والوهج الذي يحكم عنوان الديوان، فالسواد والبياض في توزيع القصائد يحاكيان ثنائية النور والظلام في رؤيتها للوجود. تقول "شمس المغيب... حمرة في عيونها... النجوم شهدت نزولها إلى الأرض لتستريح.."
يتحول الضوء هنا إلى كائن متعب، يسقط في الظلام كما يسقط المعنى في العدم. فالكلام، بقدر ما هو فعل حياة، هو أيضا احتضار مستمر في مواجهة الصمت الذي يترصده.
وحين نصل إلى القصيدة الطويلة التي تمتد على مدى أربع صفحات، نلمح تحول الصمت إلى فيض، وانفجار البياض في وجه اللغة. إن امتداد النص إلى أربع صفحات لا يعتبر توسعا في القول، أو محاولة ملء البياض بسواد العبر، بل يعتبر محاولة للخروج من السجن الأول، من المساحة الضيقة التي كان فيها الكلام خائفا. هنا تتكلم الشاعرة بكامل جسدها، تقول: "رياح الشمال... أمضي بحبري... أمضي بالصمت برماد أغسله..."، كأن الكتابة نفسها تطهر من حبرها لتولد من رمادها، فيتحول الصمت إلى طاقة فعلية للوجود، ويغدو الحبر جسدا للروح.
إن ترتيب القصائد على الصفحات، بهذا التفاوت المقصود بين الطول والقصر، وبذلك التموضع الدقيق في منتصف الفراغ، يترجم رؤية الشاعرة الوجودية التي ترى العالم في صراع دائم بين النور والظلمة، بين الحياة والموت، بين الصمت والكلام، بين الكلمة وما قبلها. فهي تستعير تضادّ العنوان نفسه — الحلكة والوهج — لتجعل القصيدة فعل مقاومة بين قطبين متنازعين، كما يصوره القرآن الكريم في قوله تعالى: "ُخْرِجُكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ"، وكأن الكتابة عندها سعي صوفي للخلاص من حلكة الوجود إلى وهج المعنى.
هكذا تصبح القصيدة عند زهرة أحمد بولحية قنديلا صغيرا في بحرٍ من العتمة، والسواد الذي تخطه على الصفحة ليكون أثرا لمواجهة بين روحٍ تنبض بالحياة وبياضٍ يلوح بالفناء. فلا نجد في ديوانها ما يشي بغلبة أحد القطبين على الآخر، فالصمت لا يبتلع الكلام، ولا يقدر الكلام على طرده؛ إنما يتعايشان في توتر خلاق هو نفسه الذي يولد الشعر.
ولا تكتفي الشاعرة بالقول السابق بل تضيف إليه ما يقويه ويؤكد نزعة التعري في الديوان بقولها:
"شعري سوالف... دهْر دوالي... ذاكرة .."
فالشعر لدى الشاعرة يعد سجلا للوجود. وهذا الأمر يؤكد ثانية أن الشاعرة تفكّر في اللغة أثناء كتابتها القصائد، وتعيد النظر في علاقتها بالزمن والنسيان والذاكرة.
ويتقوى البعد الميتاشعري في قولها:
"كتابا مفتوحا
تقرأه.. الأجيال تقرأه...
لتكن كوثرا يعزف على صوت الفجر..." ص 60.
يتبدى مشروعا مفتوحا على الآتي، مرهونا بالمستقبل حيث ستتم قراءته من قِبل الأجيالٍ القادمة. تكمن قوة النص من حيث بعده الميتاسردي في كونه وهو يصف العالم يقوم بوصف نفسه وهي تتكوّن كأثر مفتوح على الغد المعبر عنه بالفجر.
أما قصيدة "ألمع زجاج النافذة"، فنراها هي الأخرى، تحمل بعدا ميتاشعريا واضحا، فهي تتحدث ضمنا عن فعل الكتابة نفسه؛ فـ"تلميع الزجاج" ليس سوى استعارة لعملية الكتابة الشعرية، حيث نحاول الشاعرة إزالة الغموض عن المعنى، وصقل اللغة حتى تتجلى الصورة، لكنها تدرك في النهاية أن الشعر لا يقدم الحقيقة المطلقة، بل ظلالها وخيالاتها.
هكذا نجد الشاعرة، ومن خلال ما سبق، تكتب عن الشعر وهي تكتب بالشعر. لكن ما ينبغي الإشارة إليه ضرورة أنها لا ترمي من الميتاشعر إلى إنجاز تنظير عن الششعر وحوله، بقدر ما تسعى إلى بسط تجربتها الحية في الصور كما في توتر اللغة. تتضمن كل قصيدة، من خلال وعي القصيدة بذاتها، سؤالا عن مفهوم الشعر، وعن طريقة تشكله وبنائه. إنها كتابة ترى الشعر ككائن يفكّر بنفسه، قبل أن يكون أداة للتعبير.

حضور المرأة في الديوان:
تتجسد المرأة بوصفها نواة الرؤية ومرآة الوجود، فهي الحاضرة بداخل المعنى وخارجه. إنها الأنثى التي تصوغ القول لتعبر عن العالم بلغته الخاصة وتعيد صياغته بنورها الداخليّ المتوهج.
فهي الذات هامشية من جهة، وهي الذاكرة والجسد والقصيدة من جهة ثانية. فحين تتكلم الشاعرة من عمق أنوثتها، فإنها لا تتغيى البكاء على نفسها وعرض آلامها واجترار جراحها، وإنا تقدم شهادتها عن وضعها ككل. فحين تقول: أنا امرأة من يقطين
تعرك باليمنى فطيرة الخبز
وباليسرى تحرث.. الطين.. ص 31
فهي تبغي من وراء ذلك التعبير عن تجذرها في الأرض وعن دورها في الحياة، إنها تصنع النور؛ تصوغه بخيوطٍ من ضعفها الجميل ومن لآلاء وهج حرفها الساطع. وحين تقول:
تغسلني الأمطار... أعود طفلة في المرايا..
فإنما لتستعيد طفولتها كقيمة وخلاص.
في حين، يأتي وقلها:
بلقيس نفسًا من وجعها... سيزيف يرتديني
جامعابين الأنثوي والأسطوري للإشارة إلى أن الكتابة ولادة وانعتاق وتحد في آن واحد.
الإيقاع في الديوان:
يلعب الإيقاع في ديوان قناديل من حلكة ووهج لزهرة أحمد بولحية، صحبة عناصر أخرى، دورا مهما في بناء المعنى وتشييد الدلالة، والملاحظ أنه أتى في العمل منسابا رغم أنه لم يلتزم بالوزن بتاتا وإن نحت بعض قصائده منحى القصيدة العمودية لكنها لم تعتمد بحرا بعينه؛ فهذه القصائد ذات النفس العمودي نجدها قد اعتمدت على ايقاع نفسي مبتكر من جيث انفلاتها من قبضة البحور؛ وهي ظاهرة تحضر بكثرة في الديوان .. مما يجعلها اقرب الى الخليليات في الشعر العمودي.. حيث نجدها تلتزم وحدة القافية والروي والبيت المصرع احيانا ..، لكنها تتحرر من البحور الخليلية. وتتشكل انسيابية الإيقاع من بناء الجملة وتقطّعها وتكرارها. وهو ما نلاحظه في القصيدة الأولى حين تقول: لما الآمال ترحل / وتظل المرايا شاخصة / والريح تمر مهيضة.. فبفضل التوازي الصوتي بين جملتي: ترحل / تمر / تتحقق حركة موسيقية ذات نبرة حزينة، تستضمر معنى العبور والانقضاء.
والبين أن الإيقاع ينبع من توتر الكلمات ومن قصر الجمل وتكثيفها، ومن تطعيم الشعر بالسرد، ومن تعمد الشاعرة تفتيت الجملة بغاية جعل كل مقطع ذا إيقاع قائم بذاته، كما أن الفراغ بين السطور ونقط الجذف يشكل جزءًا من الموسيقى الكلية. وهوما يمنح النص على مستوىى الإيقاع بعدا دراميا واضحا ناجما أيضا من التوتر القائم بين الاضداد. ويتقوىى هذا الإيقاع ويزداد بروزا عبر تكرار الأصوات المهموسة أو الفمية كما في قصية "يا أمي"، فالمهموسة تمنح النص نَفَسا حزينا وممتدا، كما في قولها:
أفتن من قناديل الصبح شعلة / في حضنها مدايَ ينتخي / يسرح كطائر يركب للمرة الأولى ظهر الجناح (ص.3).
فتكرار حرفي "ح / خ" من جهة، وتعدد الأفعال (ينتخي / يسرح / يركب)، من جهة ثانية، يمنح النص جمالية الحركة وحلاوة الإيقاع الطروب؛ إيقاع يولد من الشفاهة المضمَرة. وتعدد الأفعال ظاهرة في العمل، إذ نصادفها في الكثير من الفصاد، من مثل "أصابع مني.." وبخاصة في آخرها، و"أصابع من وهن" التي تتضمن إيقاعا سريعا ترفده وتقويه شبه الجملة المكونة من حرف الجر "على" متبوعا بمجرور يختلف من سطر لآخر، صوت، وغناء ووجع.. وفي قصيدة "أرمم صورتك" التي تحتوي على تكرار الأفعال والأساليب من مثل أسلوب الاستفهام وهو ما يرفد القصيدة بعنصر الحركة ويطعمه بدينامية واضحة ويسمح له بالاندففاع نحو الأمام رافضا كل ثبات ممكن قد تحمله الجمل الاسمية كما جملة العنوان ذات التوتر العالي بين لحظتين زمنيتين ونفسيتين فارقتين.
ومن بين العناصر المهمة المساهمة في بناء الإيقاع وتوهجه نجد التكرار.
فهو يعد من أبرز الظواهر الأسلوبية التي تثري الخطاب الشعري وتمنحه عمقً دلالياً ونغميا، ويتبدى في استخدام إعادة كلمة أو عبارة أو شكل فني بشكل متكرر لإضافة تأثيرات جمالية وتعبيرية ونفسية على النص أو العمل الفني. ويهدف التكرار إلى التأكيد، وإبراز المعنى، وخلق إيقاع موسيقي، وتعزيز تماسك النص، واستثارة المتلقي وإثارة انتباهه. وفي ديوان "قناديل من حلكة ووهج" للشاعرة زهرة أحمد بولحية، يحضر التكرار بوصفه وسيلة بلاغية مكثفة تعبر عن الهواجس الداخلية للشاعرة، وعن قلقها الوجودي، وتبرز توتر الذات بين الحلكة والوهج، وبين الأمل والانكسار؛ توتر حاد تبغي الشاعرة تجاوزه لمعانقة النور وبالتالي الحياة.
ففي قصيدة "شمس المغيب" (ص 19)، تتكرر كلمة "ششمس" في قولها:
"شمس المغيب... شمس المغيب"
لتأكيد الانفعال الداخلي وتثبيت الإحساس في وجدان المتلقي.
ولخلق موسيقى حزينة تعبر عن توغل الغروب في روح الشاعرة، دون أن تفقد الامل ببزوغ النور.
اما في قصيدة "صقيع" (ص 95) التي تقول فيها:
"صقيع... صقيع... القلب في صقيع"
فقد تكررت كلمة "صقيع" ثلاث مرات لتعبر الشاعرة من خلالها عن تبلد المشاعر والاحاسيس وتجمدها، ولتجعلنا نشعر باتساع دائرة الصقيع الممتد من القلب الى كل الجوارح وهو ما يهدد جوهر الانسان القائم على الحب.
في قصيدة "خبئيني" (ص 88–89)، تكرّر الشاعرة نداءها:
"خبئيني في عينيك..."
"خبئيني من المطر..."
"خبئيني من العواصف..."
وقد تعمدت تكرار فعل "خبئيني" في بداية كل سطر وكأنها تستنجد بهذه الكلمة السحرية من أجل الحماية، الامر الذي يحول التكرار تميمة رمزية ضد الحلكة وسطوة الوحدة وبرودتها الثقيلة، ويعبر في الوقت نفسه عن توق المتكلمة إلى مأوى روحي. فالفعل يأتي متبوعا مرة بحرف الجر "في" المعبر عن الحميمية، ومرة بحرف الجر "من" المعبر عن الخوف، مما يشي بان الشاعرة تنشد من المخاطبة الحماية والأمان.
في قصيدة "أعتذر" (ص 90)، يتكرر الفعل "أعتذر" في آخر الأسطر:
"أمي... منك أعتذر"
"صديقي... منك أعتذر"
فهذا التكرار جاء ليلعب دور التطهير النفسي، وليعبر عن انكسار الذات المثقلة بالذنب والميل الى طلب الصغح ممن تحب مقدمة الام وبعدها الصديقة.
كما ياتي التكرار ليكون ركيزة تركيبية مهمة في بناء بعض القصائد، كما في قصيدة "كل شتاء بعد شتاء" التي تقول فيها:
"كل شتاء... بعد شتاء..."
"وتنبتين... وتقاتلين..." ص 53.
يمنح التكرار هنا بعداً زمنياً دورياً من خلال كلمة "بعد" التي تعبر عن التوالي والاستمرارية، مما يعكس فكرة الحياة المستمرة رغم الانكسارات، فيتحوّل الشتاء من رمز للبرد والجمود إلى مقدمة لتجدد الحياة من خلال كلمتي "تنبتين" و"تقاتلين" اللتان تنطويان على فعل المقاومة والصمود.
وهنا نلمس عنصرا مهما قدمته كلمة "ششتاء" المكررة وهي ذات ارتباط بمففهوم التكرار فهو في الكون ماثل في بوضوح في تكرار "دوران الافلاك وظهور النجوم والكواكب وأختفائها."(1) بل يمكن القول ان الكون كله قائم على ما يسمى فكرة (العود الابدي)، اذ ينظمه مسار متكرر من البداية الى النهاية وفقا لنظام ثابت، يعود فيتردد مرات لانهائة لها، كل منها تمثل دورة كونية او سنة كبرى، وتشابه الدورات الكبرى في كل شيء.(2)
واما في الطبيعة والوجود، فالتكرار متمثل بشكل ثنائي في تناوب الليل والنهار بشروق الشمس وغروبها، وفي تكرار اوجه القمر، وفي تعاقب اوجه القمر مدا وجزرا، وبشكل رباعي في تعاقب فصول السنة الاربعة. فالتكرار اذن في كل مكان وعلى جميع المستويات حيث تسلك الطبيعة مسلكا متموجا تعود من حيث بدات في حلقات او دورات تتشابه بدرجات متفاوتة (المصدر: النقد الجمالي واثره في النقد الغربي: 1971، ص. 28) ولهذا يمكن القول ان التكرار واحد من اهم القوانين التي تنظم الفعاليات الحيوية المختلفة لجسم الانسان. *
وبانتقالنا إلى واسطة العقد؛ أقصد قصيدة "ألمع زجاج النافذة"، نجد ان تحقق موسيقاها الداخلية نابع من التكرار والتوازي الذي يتولد من مفردات مثل: "ألمّع"، "زجاج"، "خيال"، "انعكاس"، "زغرودة"، وهي كلمات تتردّد بأصوات رخوة ولماعة تحاكي الفعل نفسه: التلميع واللمعان.
يجسد هذا الإيقاع التوتر الحاصل بين الرؤية والضباب، و بين الأمل والخذلان، وبين الامل والياس.
كما تمنح جمل النص القصيرة القصيدة أنفاسا متقطعة، تشبه المحاولات المتكررة والسريعة والمتواصلة بعناد للمسح والرؤية، تتصاعد ثم تتراجع، فيحضر الإيقاع بوصفه تمثيلا صوتيا للبحث المتعب عن المعنى.
من خلال هذا التنوع في التكرار تحول الشاعرة زهرة أحمد بولحية هذا العنصر بنية فنية ودلالية تغني النص وتعمق معناه، وليصير صوت الذات المعبر عن إرادة المقاومة من اجل الحياة. وبهذا، يصبح الايقاع في "قناديل من حلكة ووهج" إيقاعاً داخليا مهما يعبر عن توقٍ للنور كي يكون قادرا على طرد الحلكة؛ ولتكون القصائد في مجموعها درعا يقي الذات المتكلمة من الانجرار الى هوة الياس القاتلة.



التناص والنص الغائب
يرى لوران جيني أن التناص هو عمل تحويل وتشرب لعدة نصوص؛ يقوم بها نص مركزي يحتفظ بزيادة المعنى.
هذا التحويل الذي يُمارَس على النص هدمًا وقلبًا يأخذ – حسب الناقد نفسه – أشكالًا محددة، فقد يكون تذكّرًا أو تلميحًا أو اقتباسًا لوحدة نصية مجردة ومنتزعة من سياقها الأصلي، أو استلهامًا بتحويل اتجاه معنى ما.
فالنص، أي نص، هو عبارة عن تفاعل مع نصوص أخرى، إذ الأدب ينمو في عالم مليء بكلمات الآخرين؛ والنص تشكيل لنصوص سابقة أُعيدت صياغتها بشكل جديد.
وليست هناك حدود بين نص وآخر، وإنما يأخذ النص من نصوص أخرى ويعطيها في آنٍ واحد.
هكذا، فإن النص الأدبي لا يخلو من نصوص غائبة.
وهذا التفاعل ما بين النص الغائب والنص الجديد يخلق تناصًّا، والذي هو – في مفهومه – يعني التفاعل النصي والمتعاليات النصية.
إنه علاقة تفاعل بين نصوص سابقة ونص حاضر؛ أو هو تَعَالُق نصوص مع نص حدث بكيفيات مختلفة.
فالنص سلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى.

المرجع:
تجليات الشعر من خلال تجربة محمد علي الرباوي الشعرية
تأليف: محمد داني
منشور في: الموجة الأدبية، الطبعة الأولى، سنة 2020، الصفحتان 112 و113.
وبتقليب صفحات ديوان "قناديل من حلكة ووهج" سنجد حضورا لافتا للنص القرآني يكاد يخترق كل القصائد، من أول قصيدة إلى آخرها، وهو تضمين بناء يشهد على عمق التفاعل بين النص الشعري والنص المقدّس، ويؤكد أنّ الشاعرة تنسج قصيدتها في ضوء التراث العربي الإسلامي، مستثمرة القرآن الكريم بوصفه نصا غائبا/حاضرا يمنحها سلطة رمزية وجمالية ويغني المعنى بتجليات روحية وفكرية، ويعد أرضية مششتركة مع القارئ، منها يتحقق تواصلهما، ومن خلاله ينجذب المتلقي ويسعى إلى الاشتباك مع العمل..

ووفقًا لتعريف لوران جيني أعلاه، نجد أن النص الجديد يمارس على النص السابق نوعا من "التحويل"، إذ يأخذ منه ويعيد تأويله ضمن سياق مغاير. وهذا ما نلمسه بوضوح في عدة مواضع من الديوان، حيث يتخذ التناص القرآني أشكالًا مختلفة: تلميحا، واقتباسا، واستلهاما للمعاني، وكلها تضفي على الخطاب الشعري كثافة دلالية وروحية.
ولعل من أبرز النماذج التي تتجلى فيها هذه الظاهرة:
تضمين صورة الخلق والنفخ في الروح كما في قصيدة "امرأة من يقطين" التي تقول:
"أنا من نفخة الطين... من سلالة الضوء... فيّ أنين الأرض وحنين السماء" ص 31.
فهذا الشاهد يستدعي الآية القرآنية الكريمة:
﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾
ولا يمكن اعتبار هذا التناص تكرارا، لانه تحويل دلالي يجعل الذات الأنثوية امتدادا للخلق الأول؛ أنثوية تجمع بين المادي المتمثل في الطين والروحي المتمثل في النفخة، هكذا تؤسس هويتها على الازدواج الخلاق ذاته الذي تنبني عليه التجربة الإنسانية. وتأتي الصورة لتحيل القارئ إلى أصل النششأة، وهو ما يفتح النص على بعد تأملي وجودي.
أما في قصيدة "صقيع" (ص 95) فنلمس تضمين صورة الصقيع والموت والبعث، حيث تقول:
"صقيع في القلب... شمس تولد شاحبة... وقنديل لا يضيء..."
ففي هذا الشاهد نلمس تلميحا إلى الآية:
﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (الروم: 19)
لكنّ الشاعرة تمارس على المعنى قلبا وتحويلا، بجعل الإحياء ناقص القوة حين جعلت الشاعرة الولادة ششاحبة، وبهذا القلب الجزئي عبرت عن قلقها الوجودي بفعل غياب اليقين، هكذا تحول الآية إلى مرآة للاغتراب لا للاطمئنان، وهوما يخلق توترا جماليا بين النص القرآني الذي يعد بالحياة، والنص الشعري الذي يشعر بالفقد، لكن استثمار النص المقدس لم يكن من أجل تغليب الحلكة على الوهج، بل لتأكيد انبثاق الأمل من ركام السواد؛ إنها تعيد بناء معناه الأول ففي سياق النص الجديد.
وفي قصيدة "يا أمي" (ص 51)، نلمس تضمين صورة الأصل حين تخاطب الشاعرة أمّها قائلة:
"اختصري إليّ طريق الشمس... أعيدي إليّ فردوسي الأول ".. ص 51.

ففهنا، نلمس تششغليها قصة آدم في الجنة، وتلمح إلى قوله تعالى:

﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (طه: 117)
تصبح الام واسطة الخلاص والعودة إلى النقاء الأصلي. بهذا التضمين، يتحوّل الخطاب الشعري إلى بحث عن الفردوس المفقود، يربط التجربة الشخصية بالتجربة الإنسانية الكبرى.
كما نلمح في قصيدة "ألمع.." تناصا خفيا مع الموروث الصوفي والفلسفي الذي يرى العالم انعكاسا للذات، لا كينونة مستقلة عنها. وتتصادى النافذة في هذا السياق ومرآة ابن عربي، و الفلسفة المثالية التي ترى ان كل ما يرى هو انعكاس للداخل لا صورة من الخارج.
وتتصادى والقصيدة الحديثة التي جعلت من النافذة رمزا للرؤية المترددة، مثل حضورها في شعر أدونيس وبدر شاكر السياب؛ فتلك النافذة هي عتبة ملتبسة،لا تتيح رؤية كاملة ولا عزلة تامة. كما يمكن، في هذا السياق، استحضار مجموعة "نافذة على الداخل" للمبدع الكبير سي أحمد بوزفور التي جعلت النافذة تطل علىى الداخل لا الخارج لكنها تظل مستحضرة هذا الخارج الذي يششكل صخرة تئن من وطأتها الذات.
أما حين تقول:
"يا نفسي، ارجعي... واغفري لي زلاتي..."
فنجد هذا النداء محملا برغبات الذات في التخلص من أوجاعها بالاستغفار، وهو ما يحاكي التوجيه القرآني ويتضمن معنى الرضا:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (الفجر: 27–28)
بيد أن الشاعرة تعيد توجيه الخطاب من الله إلى الذات بما يخدم غرضها، فـ"ارجعي" هنا تتضمن بعدين متعالقين لا انفصام بينهما، دعوة للعودة إلى الخالق وإلى الذات الأصيلة معا، وبذا، يتحوّل التناص إلى حوار داخلي بين النفس ونفسها، في بعدٍ ميتاشعري روحي.

من خلال هذه النماذج يتضح أن الشاعرة لا تكتفي باستحضار النص القرآني، بل تمارس عليه عملية تحويل وتخصيص، تعيد بها إنتاجه في سياق شعري ذاتي. وفق تعريف لوران جيني، كون هذا التحويل ينتج زيادة في المعنى:
فالآيات التي تحمل في أصلها وعد الخلق أو البعث أو العودة، تتحول في الديوان إلى إشارات رمزية على توق الذات للصفاء، وبحثها عن المعنى، وحنينها إلى الأصل.
فهذا التفاعل البناء يشكل تناصا حيا بين المقدس والشعري، ويمنح القارئ العربي مدخلا تأويليا مألوفا، إذ يعيد النص بناء تجربته ضمن أفق ثقافي وروحي مشترك.

ولعل الشاعرة رمت من وراء هذا التضمين تحقيق وظائف بلاغية ودلالية منها:
تقوية الدلالة بإسنادها إلى مرجعية عليا.
إغناء الصورة الشعرية بما تحمله من إيحاءات تراثية وروحية.
خلق تفاعل تأويلي بين القارئ والنص، حيث يستدعي القارئ النص الغائب ويُعيد قراءته في ضوء الشعر.
وهكذا، فإن التناص القرآني في ديوان "قناديل من حلكة ووهج" يعد بنية مركزية تضيء المعاني وتؤكد أن تجربة الشاعرة، وهي تحاور العتمة والنور، تنسج وعيها من نصوص الذاكرة الكبرى، وتعيد خلقها بوهجٍ جديد.

البعد الأسطوري والرمزي
يستدعي الديوان أساطير متنوعة، ومنها: "هيستيا" إلهة الموقد الإغريقية تفتتح المجموعة. واختيارها لهذا الرمز الأسطوري فلكي تعبر من خلاله علىى تمسكها بقيم الاسرة بما تحمله تلك القيم من معاني المحبة والوئام وتقوية الاواصر. وياتي حضور الام في الاهداء وفي بعض القصائد ليؤكد هذا التوجه في ظل عالم تنهشه قيم الفردانية والانانية وتفتك به المصالح الشخصية.
"سيزيف" يظهر في "مرآتي" و"لا شيء مدهش". ذلك الرجل الخرافي المحكوم عليه بدحرجة الصخرة طوال حياته. واستدعاؤه كان من اجل تماهي الشاعرة معه. "وجها من سيزيف / نفسا من بلقيس". بلقيس ملكة سبأ رمز الحكمة والقوة الأنثوية.
"الفينيق" الطائر الذي يحترق ويولد من رماده. في "شهقة الجراح" و"صحوة كالضياع" يرمز للانبعاث رغم الموت. الشاعرة تستعير هذا الرمز لتجربتها الذاتية.
ولم تكتف الشاعرة بتوظيف هذه الرموز الأسطورية بل امتدت أناملها إلى الرموز الدينية موظفة إياها في سياقات جديدة من مثل سيدنا يوسف، هذا الرمز الذي أغنى الكثير من المتون بحضوره المتوهج وحيث كل مبدع منحه بعدا جديدا فضلا عن أبعاده الأصلية.
الأساطير لا تأتي زخرفة. إنها بنية عميقة للقصائد. وتقوم الشاعرة باعادة كتابة الأسطورة من منظور أنثوي معاصر ووفق تصورها الخاص الذي يخدم توجهها الفني والجمالي..
...

التكرار.. أهميته وأنواعه ووظائفه ومستوياته في اللغة
علي أسماعيل الجاف
 
التعديل الأخير:

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى