نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

رحلتي في عوالم رواية "خ ي ط ا ل ر و ح" لإسماعيل البويحياوي.




قراءة في عتبات رواية "خيط الروح" للمبدع المغربي إسماعيل البويحياوي.
القراءة الثالثة، وتليها فيما بعد، وبحول الله وقوته، الرابعة وربما الخامسة.
**
العتبات الروائية: بوابات التأويل وجماليات الولوج إلى العالم التخييلي
في فضاء الأدب حيثُ تتشابك الحروفُ وتتناغم الرموزُ، تبرزُ العتباتُ الروائية كحُرّاسٍ صامتين يَحرسون عتباتِ النصِّ، يَفتحون أبوابَ التأويلِ، ويُرسون جسورَ الحوارِ بين مبدعٍ يتنفّسُ أسرارَ النصِّ وقارئٍ يَبحثُ عن شظايا المعنى. فالعتباتُ، بحسب جينيت، ليست هامشاً زخرفياً، بل هي عوالمُ موازيةٌ تُهندسُ رحلةَ القارئِ من اللحظةِ الأولى التي يلتقطُ فيها الكتابَ بيديه، مُشكِّلةً ميثاقاً قرائياً يَجمعُ بين الوعدِ الجماليِّ والإغواءِ الفكريِّ.
عتبة العنوان أو البصمة الأولى للروح السردية
لا يكتفي العنوانُ بأن يكونَ اسماً يُعرِّفُ العملَ، بل هو شِفرةٌ وجوديةٌ تُختزلُ فيها أسرارُ النصِّ. فهو البوابةُ التي تُحدِّدُ مسارَ التلقي، تُلاعبُ توقعاتِ القارئِ بين الوضوحِ والغموضِ، بين الإيحاءِ والإيغالِ. في رواية "خيط الروح" لإسماعيل البويحياوي، يتحوّلُ العنوانُ إلى استعارةٍ كونيةٍ: الخيطُ الرفيعُ الذي يربطُ بين المادي والميتافيزيقي، بين الفردِ والجماعةِ، بين الذاكرةِ والنسيانِ. حتى تشتيتُ حروفِ العنوانِ ليس بريئاً؛ إنه انعكاسٌ بصريٌّ لتمزُّقِ الروحِ في عالمٍ يُنازعُها بين ثقلِ الواقعِ وشفافيةِ الحلمِ، داعياً القارئَ إلى أن يَنسجَ من الفوضى نظاماً، ومن الشتاتِ اكتمالاً.
في مسألة تشتيت حروف العنوان:
يأتي تشتت الحروف في عنوان "خيط الروح" كاختيار مدروس يعكس عدة دلالات فنية وفكرية تتوافق مع مضمون الرواية. أولًا، هذا التشويش البصري يخلق نوعًا من التشويش الأولي لدى القارئ، مما يثير فضوله ويجعله يتساءل عن السبب وراء هذا الشكل غير التقليدي. قد يكون هذا التشويش تعبيرًا عن حالة الروح المبعثرة أو الممزقة داخل الرواية، حيث تصبح الروح كخيط مشتت يحتاج إلى جهد لإعادة تماسكه وفهمه. ثانيًا، يمكن أن يكون تفكيك الحروف رمزيًا لحالة الضعف أو الانقطاع التي تعيشها الروح داخل العمل، سواء بسبب صراعات داخلية أو أزمات نفسية، مما يعكس هشاشة الذات وتقلباتها. ثالثًا، هذا التفكيك قد يكون بمثابة دعوة للقارئ للانتباه إلى التفاصيل الدقيقة والمعقدة في الرواية، حيث تعكس الكتابة فكرة أن النص مليء بعناصر مبعثرة تحتاج إلى ترتيب وفهم عميق، تمامًا كخيط الروح الذي قد يبدو مشتتًا لكنه مترابط على مستوى المعنى إذا تم فك شفراته بعناية. رابعًا، تشتت الحروف يسمح للعنوان بحمل معانٍ متعددة، مما يخلق حالة من الارتباك أو الاكتشاف لدى القارئ، حيث يصبح العنوان غير ثابت ويتشكل مع تقدم القراءة. خامسًا، هذا الشكل يتناسب مع المضمون الداخلي للرواية التي قد تعالج قضايا التمزق الداخلي أو البحث عن الذات، حيث تعكس الروح المشتتة في العنوان حالة الشخصيات التي تسعى لاستعادة توازنها أو استكشاف هويتها. أخيرًا، هذا الأسلوب غير التقليدي في كتابة العنوان قد يكون محاولة لتوجيه القارئ نحو أسلوب سردي غير مباشر، يتخلله تداخل بين الوعي واللاوعي أو بين الماضي والحاضر، مما يتطلب تفاعلًا أعمق مع النص. بذلك، يصبح العنوان المشتت جسرًا بين الشكل والمضمون، معبرًا عن لحظات التمزق والضياع التي تعيشها الروح، وحاثًا القارئ على التفكير بشكل أعمق في العلاقات بين الشخصيات والأفكار داخل العمل.
عتبة الغلاف أو اللوحة التي تُناجي العينَ قبل العقلِ
الغلافُ ليس مجردَ غلافٍ، بل هو لوحةٌ سيميائيةٌ تَحمِلُ في طياتِها فلسفةَ النصِّ. ففي "خيط الروح"، تتحاورُ الألوانُ الناريةُ مع الخطوطِ التجريديةِ لترسمَ خريطةً عاطفيةً لعالمِ الروايةِ: الاحمرارُ يَصيحُ بالثورةِ، والبياضُ يَهمسُ بالسلامِ، بينما التشتتُ البصريُّ يُحاكي صراعَ الشخصياتِ مع هوياتِهم المبعثرةِ. حتى الغلافُ الخلفيُّ يتحولُ إلى مرآةٍ تعكسُ ثنائيةَ الداخلِ والخارجِ؛ فالمُلخَّصُ المُوجزُ والتلميحاتُ الغامضةُ تُشبهُ إشاراتٍ ضوئيةٍ تُنيرُ دروبَ التأويلِ دون أن تَكشفَ الستارَ تماماً.
تفصيل لتحليل الغلاف الأمامي والخلفي:
لتحليل الغلاف الامامي والخلفي للرواية وفق منهجية جونيت لدراسة العتبات النصية، سيتم التركيز على عدة عناصر.
العنوان الامامي "خط الروح" يظهر بعدا رمزيا يوحي بتشابك الروح مع الوجود الانساني، وربما يشير الى استكشاف فلسفي او روحاني للعلاقة بين الذات والعالم. هذا العنوان يثير فضول القارئ ويوجهه نحو توقعات تتعلق بثيمات روحية وفكرية.
كما أن تفكك حروفه يخلق لدى القارئ الفعلي تساؤلات تحثه على قراءة العمل؛ فبفضل إثارة فضوله بكتابة العنوان بهذه الكيفية، ينجح المبدع في جر القراء الخارجيين ليصيروا داخليين فاعلين وباحثين. إنها خطة تجارية محكمة تعمل على تنشيط القراءة بتحفيز القراء عبر فتح شهيتهم للمعرفة. القارئ الفعلي حين ينظر إلى العنوان وقد ارتسم بتلك الشاكلة سيجد نفسه أسير العمل، ويجد نفسه مضطرا إلى البح عن أجوبة محتملة لذلك التشكيل، وليس العنوان وحده من يلعب هذه اللعبة ويرسم مثل هذه الفخاخ، بل تساعده في ذلك جملة العناصر المكونة للغلاف.
اسم المؤلف "اسماعيل البويحياوي" يظهر في اعلى الغلاف الامامي، مما يعكس مكانته الادبية واهميته ككاتب. هذا الترتيب يبرز هوية الكاتب ويشير الى شهرته في العالم الادبي، مما يعزز مصداقية العمل ويجذب القراء الذين يعرفون اعماله السابقة.
الغلاف البصري يعرض لوحة تجريدية ذات الوان نارية وزاهية، مثل الاحمر والبرتقالي والابيض. هذه الالوان القوية تعكس حالة نفسية متأججة، وقد ترمز الى الصراع الداخلي او التحول الروحي الذي تعيشه الشخصيات. التصميم التجريدي يفتح الباب لتأويلات متعددة، مما يعكس تعقيد الثيمات التي تتناولها الرواية.
كلمة "رواية" تظهر في اسفل الغلاف الامامي، مما يحدد النوع الادبي للعمل. هذا التصنيف يوجه القارئ نحو توقعات معينة حول اسلوب السرد وطبيعة القصة، ويشير الى ان العمل ينتمي الى عالم الروايات الادبية العميقة والمليئة بالتفاصيل.
الغلاف الخلفي يحتوي على ملخص يعرض فكرة الرواية او يقدم تأملات في ثيماتها الرئيسية، مثل الصراع الوجودي والتفكير الفلسفي حول الروح والانسانية. هذا النص يوجه القارئ نحو فهم اعمق للمواضيع التي ستتناولها الرواية. تظهر ايضا صورة المؤلف على الغلاف الخلفي، مما يضيف بعدا شخصيا ويعزز الاتصال بين الكاتب والقارئ، ويخلق شعورا بالالفة والثقة.
شعار الناشر "المركز الثقافي العربي" يظهر في اسفل الغلاف الامامي والخلفي، مما يضفي طابعا رسميا على الاصدار ويشير الى جودة المنتج الادبي. وجود الناشر المعروف يعزز مصداقية العمل ويجذب القراء الذين يثقون في اختيارات الناشر.
يظهر انسجام واضح بين العناصر النصية والبصرية في الغلاف. الجمع بين الرسم التجريدي والنصوص المختارة يوحي بموضوعات روحية وفلسفية عميقة، مما يعكس طبيعة العمل الادبي كرحلة داخلية واستكشاف للذات. اللغة المستخدمة في النص الخلفي توحي باسلوب سردي تأملي ومفتوح على معاني متعددة، مما يعكس تعقيد الرواية وثراءها الفكري. هذا الاسلوب يوجه القارئ نحو توقع عمل ادبي غني بالتفاصيل والدلالات.
هذا التحليل يكشف عن تصميم مدروس للغلاف يوائم بين الشكل والمضمون، حيث تعكس العناصر النصية والبصرية هوية فنية واضحة للرواية. الغلاف ينجح في جذب القارئ واثارة فضوله، مع تقديم تلميحات حول الثيمات العميقة التي ستتناولها الرواية، مما يعزز تجربة القراءة ويجعل العمل اكثر جاذبية.
عتبة التجنيس:
تجنيس الرواية تُنشئ عقدًا قرائيًا يُخبر القارئَ بما سيُواجهه من أجناسٍ وأساليب، مما يُؤثِّر في طريقة تفسيره للأحداث. قد يلجأ بعضُ الكتّاب إلى خلط الأجناس أو التلاعب بتوقعاتها (كأن يقدم العمل على أنه رواية لكن متلقيه قد يصلون إلى غير ذلك، بأن يجدوه سيرة ذاتية أو سيرة تخييلية)، مُستخدمين عتبةَ التجنيس كأداةٍ للتحدي أو المفاجأة.
يتطلب تصنيف رواية "خيط الروح" بين التخييل الذاتي ورواية الأطروحة تحليلً دقيقا بغية القبض على أجوبة محتملة.
فالتخييل الذاتي هو نوع أدبي يجمع بين السيرة الذاتية والتخييل، حيث يكون السارد هو الشخصية الرئيسية ويتداخل الواقع مع الخيال، بينما رواية الأطروحة فتركز على مناقشة أفكار فلسفية أو اجتماعية محددة من خلال السرد، مستخدمةً الشخصيات والمواقف لدعم فكرة معينة.
في رواية "خيط الروح"، تظهر شخصية السارد قريبة جدا من المؤلف، خاصة في المقاطع التي يعبر فيها عن تجاربه الشخصية، مثل الحنين إلى البادية وتأثيرها على هويته، مما يشير إلى وجود عناصر سيرة ذاتية. بالإضافة إلى ذلك، تناقش الرواية قضايا فلسفية واجتماعية عميقة، مثل الهوية والصراع بين التقليد والحداثة، والتي تطرح بشكل جدلي وأحيانا مباشر، مما يعزز طابعها كرواية أطروحة. البنية السردية للرواية تميل إلى السرد الشخصي والتأمل الذاتي، مع استدعاء التفاصيل اليومية والذكريات، مما يعكس توجها ذاتيا واضحا. ومع ذلك، فإن الشخصيات ليست مجرد أدوات لنقل الأفكار، بل تظهر بواقعية تعزز طابع التخييل الذاتي، رغم استخدامها أحيانا لدعم أفكار معينة. بناءً على هذه المؤشرات، يمكن القول بأن الرواية تميل أكثر إلى التخييل الذاتي، حيث يظهر السارد تشابها مع المؤلف في تجربته ووعيه، مع توظيف العناصر السردية لتقديم منظور شخصي. ومع ذلك، لا تخلو الرواية من عناصر الأطروحة، حيث تناقش أفكار فلسفية واجتماعية بوضوح. والأدلة الداعمة التي تشمل النبرة الشخصية والتأملية التي تظهر في استدعاء التفاصيل اليومية والتعبير عن المشاعر الخاصة، مثل الحنين والقلق، بالإضافة إلى استخدام الضمير "أنا" بشكل مكثف تعكس انغماس السارد في ذاته. كما أن القضايا المطروحة تناقش بشكل يشير إلى اهتمام فلسفي واجتماعي، لكن دون تحويل الرواية بالكامل إلى منصة فكرية.
عتبة الإهداء أو الهمسةُ الروحية التي تسبقُ السردَ
في بضعةِ أسطرٍ، يَختزلُ الإهداءُ عالماً من المشاعرِ والمرجعياتِ. إنه النافذةُ التي يَطلُّ منها المؤلفُ على القارئِ بكلِّ صدقٍ، مُحمَّلاً بشحناتٍ أيديولوجيةٍ أو وجدانيةٍ. إهداءُ "خيط الروح" يَنسجُ حواراً حميمياً مع القارئِ عبر صورٍ شعريةٍ تُجسِّدُ الحنينَ إلى الجذورِ.
عتبة الإهداء في الرواية، تعد نقطة انطلاق تجذب القارئ وتثير فضوله، وهي في هذين المقطعين الشعريين تحمل شحنة عاطفية عميقة تتجسد في صور شعرية بديعة. عند تحليل هذه العتبة، نجد أنفسنا أمام عدة محاور رئيسية تبرز عمق العلاقة بين الشاعر وأسرته، ورؤيته الفلسفية للحياة. ففي المحور الأول، تتجلى علاقة الشاعر بالأم من خلال صورتها كعش يعود إليه العصفور الصغير، رمزًا للأمان والحنان الذي يبحث عنه الإنسان في كل مراحل حياته. تعبير "هرمت فردي نجوم الطفولة" يعكس مرور الزمن ورغبة الشاعر في مشاركة أمه لحظات الهدوء بعد رحلة الحياة. أما الأب، فيظهر في صورة أكثر تعقيدًا، كشخصية حكيمة وقوية تتحمل مسؤولية الأسرة وتواجه مصاعب الحياة، حيث يشير تعبير "غض طرفا عن القمر وانحنى يحضن التراب" إلى تواضع الأب وقربه من الواقع، وكأنه يوجه رسالة للشاعر بألا يطمح إلى المستحيل.
في المحور الثاني، يبرز البعد الوجودي والفلسفي من خلال فكرة العودة إلى الأصل، سواء كان هذا الأصل هو الأم أو الوطن، كرغبة إنسانية في البحث عن الهوية والجذور. كما يتجلى التساؤل عن معنى الحياة في تعبير "وصلى ... لسماء بلا مطر"، الذي يعكس حيرة الشاعر تجاه وجود الله ومعنى الحياة في عالم مليء بالتحديات. أما المحور الثالث، فيسلط الضوء على البعد الجمالي والصوري، حيث تتميز الأبيات بكثافة الصور الشعرية مثل "نجوم الطفولة" و"عش انتظارك"، مما يجعل القارئ يعيش التجربة الشعرية بشكل حسي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الإيقاع المتناغم والكلمات المترادفة تعطي للأبيات طابعًا موسيقيًا يزيد من تأثيرها.
أخيرًا، في المحور الرابع، نجد أن الدلالة الكلية لعتبة الإهداء تتجسد في الامتنان والتقدير الذي يعبر عنه الشاعر تجاه أبويه، وفي سعيه لفهم ذاته والعالم من خلال العودة إلى الجذور والتأمل في معنى الحياة. كما يظهر الحنين إلى الماضي والشوق إلى أيام الطفولة، ورغبة في الحفاظ على الروابط العائلية. إن عتبة الإهداء في هذين المقطعين ليست مجرد كلمات، بل هي نافذة تنفتح على عالم من المشاعر والأحاسيس المعقدة، تمكننا من فهم عمق العلاقة بين الشاعر وأسرته، ورؤيته الخاصة للحياة والوجود.
العناوين الداخلية: أو الإبرة التي ترسم الجغرافيا السرديةُ
لا تقلُّ العناوينُ الداخليةُ أهميّةً عن العنوانِ الرئيسيِّ؛ فهي علاماتٌ تُقسِّمُ الزمنَ الروائيَّ إلى فصولٍ دالةٍ. في "خيط الروح"، تتحولُ العناوينُ إلى شبكةٍ من "الخيوطِ" التي تُعيدُ تشكيلَ البنيةِ السرديةِ: "خيطُ الفزعِ"، "خيطُ الشكِّ"، وصولاً إلى "خيطِ الروحِ" الذي يُغلِّفُ النهايةَ بهالةٍ من الوئامِ. كلُّ عنوانٍ يُشبهُ مفتاحاً يُقادُ به إلى غرفةٍ جديدةٍ في القصرِ الروائيِّ، حيثُ تَتخفّى المفاجآتُ خلفَ الأبوابِ المُوصدةِ.
المقاربة النقدية: بين عمقِ التحليلِ وابتذالِ التطبيقِ
مقاربة العتبات، كمنهج نقدي، لا تزال تمتلك راهنيتها وأهميتها في تحليل النصوص الأدبية، رغم الانتقادات التي تُوجّه إليها من قبل بعض المحللين الذين يرون أنها أصبحت مبتذلة بسبب كثرة استخدامها بشكل سطحي أو غير مدروس. ومع ذلك، فإن الابتذال لا يعود إلى المنهج نفسه، بل إلى طريقة تطبيقه من قبل بعض النقاد الذين قد يفتقرون إلى العمق أو الإبداع في تحليلهم. فالاقلام الضحلة يمكن أن تفسد أي منهج نقدي، وليس فقط مقاربة العتبات.
من المهم الإشارة إلى أن الاهتمام بالعتبات، مثل العناوين واللوحات الفنية على أغلفة الكتب، لا يزال يحظى بأهمية كبيرة لدى المبدعين والنقاد على حد سواء. فالمبدعون يقضون وقتًا طويلًا في اختيار عناوين أعمالهم، بل ويحرصون على تصميم أغلفة تناسب محتوى النص وتضيف إليه أبعادًا جمالية ودلالية. هذا الاهتمام يدل على أن العتبات ليست مجرد زينة خارجية، بل هي جزء لا يتجزأ من العمل الأدبي، وتلعب دورًا في جذب القارئ وإعداد ذهنيته لاستقبال النص.
ثم هناك مسألة مرتبطة بترتيب هذه المكونات على الغلاف، سواء الأمامي أو الخلفي، مثل اسم المؤلف، وعنوان العمل، واللوحة الفنية، وغيرها. كل مبدع يتعامل مع هذه العناصر بشكل مختلف، وقد يختار أن يصمم لوحته بنفسه أو يترك الأمر لدار النشر. ولكن السؤال الجوهري يبقى: إلى أي مدى تستطيع هذه العتبات أن تجذب القارئ؟ وهل ترتبط بشكل وثيق بمحتوى العمل ودلالاته؟ هذا هو جوهر التحليل العتباتي.
على سبيل المثال، عند تحليل عتبات رواية "خيط الروح"، فإن الهدف هو البحث عن العلاقة بين هذه العتبات ومحتوى العمل، وما تحمله من دلالات. هل العنوان يعكس جوهر الرواية؟ هل اللوحة الفنية على الغلاف تتناغم مع موضوع النص؟ هذه الأسئلة تساعد على فهم أعمق للعمل الأدبي. وفي بعض الحالات، قد نجد عناوين لا ترتبط بشكل مباشر بمحتوى العمل، كما في مسرحية "المغنية الصلعاء"، التي لا علاقة بين عنوانها وأحداث المسرحية. هذا النوع من العتبات يفتح الباب لتأويلات مختلفة حول سبب اختيار العنوان ودلالاته الرمزية.
في النهاية، تحليل العتبات يهدف إلى التقاط الخيط الذي يربط بين العناصر الخارجية (مثل العنوان والغلاف) والعناصر الداخلية للنص (مثل الأحداث والشخصيات والدلالات). هذا التحليل يساعد على فهم أعمق لدور هذه العتبات في تشكيل تجربة القارئ وفي إثراء النص بأبعاد جمالية ودلالية. لذلك، يمكن القول إن مقاربة العتبات ليست من الماضي، بل تظل أداة نقدية مهمة وفعالة إذا ما تم تطبيقها بعمق وإبداع.
وكخلاصة:
إن العتباتُ هي فنٍّ للاستدعاءِ. فإذا كانت الروايةُ جسداً، فإنّ العتباتَ هي الوشْمُ الذي يَحملُ هويتَها الجماليةَ والثقافيةَ. إنها تُشبهُ طقوسَ الاستدعاءِ في الأساطيرِ القديمةِ؛ تُهيئُ القارئَ لخوضِ غمارِ النصِّ عبرَ إثارةِ الأسئلةِ قبلَ الإجاباتِ. وفي "خيط الروح"، تتحولُ العتباتُ إلى استعارةٍ كبرى للروحِ الإنسانيةِ ذاتِها: مُشتتةٌ في الظاهرِ، مُتماسكةٌ في الجوهرِ، تَحمِلُ في تشظّيها بذورَ اكتمالِها. وهكذا، تَثبُتُ العتباتُ كفنٍّ قائمٍ بذاتِه، حيثُ كلُّ تفصيلٍ –من حرفٍ مُشتتٍ إلى لونٍ مُتحرِّقٍ– يَحمِلُ في طياتِه فلسفةً تقولُ: القراءةُ ليست فكَّ شفراتٍ، بل هي رقصٌ على حبالِ المعنى.

**
التناص.. أصداء النصوص في فضاء الإبداع:
التناص ليس مجرد استحضار لنصوص أخرى، بل هو حوار بين النصوص، وتفاعل بين الأفكار والرؤى. إنه بمثابة صدى يتردد في فضاء الإبداع، يحمل في طياته أصواتًا متعددة، ورؤى متداخلة. في هذه الرواية، يتجلى التناص كقوة دافعة، تحرك الأحداث، وتعمق المعاني، وتضفي على النص أبعادًا جديدة.
تنطلق الرواية بمشهد صاخب يعج بالعنف والظلم، لتهتز أركان المجتمع وتكشف عن قسوته. ولكن، في الفصل الأخير، يتحول المشهد إلى احتفالية فنتازية، حيث تقام محاكمة رمزية، تنتقل من الفرد إلى المجتمع، ومن الخاص إلى العام. هنا، يخضع الجميع لعملية اعتراف جماعي، أشبه بطقس تطهيري، يهدف إلى الخلاص من الخطايا والشرور.
يستحضر السارد قصة قابيل وهابيل، النموذج الأزلي للعنف، الذي يمتد عبر العصور، ويتجلى في واقعنا المعاصر بأشكال أكثر تعقيدًا ووحشية. كما يحضر النص المقدس من خلال ثنائية الفجور والتقوى، التي تحكم سلوك الإنسان، وتجسد الصراع الداخلي الأزلي بين الخير والشر.
عبر لسان "ناطق نور الروح"، يوضح السارد أن الظلم والعدوان ليسا إلا تجليات للشر القديم، الذي يتسلط على النفس البشرية، وينخرها من الداخل. ويقدم السارد خطبة تحمل رسالة عميقة، تدعو إلى قراءة التاريخ بعين القلب، وإدراك أن الأشرار هم مجرد أدوات في يد قوى شريرة أكبر.
هذه الرؤية الإبداعية، التي تتجلى في النهاية الاحتفالية، تسعى إلى تصحيح المسار الإنساني، وإصلاح ما أفسده الشر والظلم. ولكن، هل يتحقق هذا الأمل؟ التاريخ يشهد على استمرار العداء بين الإنسان وأخيه، رغم كل الكوارث والنكبات.
ومع ذلك، تظل الرواية تحمل بصيص أمل، من خلال التمسك بـ "خيط الروح"، والسعي نحو الخير والعدل. فالنهاية الاحتفالية، وإن كانت فنتازية، إلا أنها دعوة للتأمل في إمكانية تجاوز العنف والظلم، وخلق عالم أكثر إنسانية وتسامحًا.
تتحول الرواية من سرد فردي إلى رؤية شاملة، تعكس صراع الإنسان الأزلي بين الخير والشر، وتطرح تساؤلات عميقة حول إمكانية تحقيق السلام. إنها رواية أطروحة، تحمل رسالة واضحة: التمسك بحبل الروح، والتطهر من الهوى، والعودة إلى الأصل، هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام والمحبة.
اللافت للنظر أن الرواية تعتمد على خيوط عدة، تنسج نسيجًا متماسكًا، يربط بين فصولها القصيرة. خيط الشوق، وخيط السرة، وخيط الفزع، وخيط الروح، كلها خيوط تتضافر لتشكل عملًا إبداعيًا متكاملًا.
ولا يمكن إغفال التناص، الذي يتجلى في استدعاء العمل الروائي لأعمال سابقة للمبدع نفسه "قطف الأحلام" و"ندف الروح"، وكذلك في استحضار نصوص دينية، مثل قصة قابيل وهابيل. هذه القصة، التي تتكرر بأشكال مختلفة، تجسد صراع الضعفاء مع قوى الشر، التي تستغلهم لتحقيق أهدافها.
وهنا يبرز سؤال في غاية الاهمية، هل استطاعت الرواية ان تجعل من التناص اداة تخدم رؤية المبدع؟ الإجابة هي نعم، فالتناص في هذه الرواية ليس مجرد زينة أو استعراض للمعرفة، بل هو جزء أساسي من بنية النص، يساهم في تعميق المعاني، وتوضيح الرؤى، وتجسيد الصراع الأزلي بين الخير والشر.


قراءة في تشكيل العلاقات الإنسانية المتحولة في رواية "خ ي ط ا ل ر و ح" لإسماعيل البويحياوي.
(الألوان، والروائح، والأطعمة والأشربة، والحجاج، والرحلة)
إن تحليل الألوان، الأطعمة والأشربة، والعلاقات الإنسانية والحجاج، والرحلة، يقودنا إلى فهم التباين بين حياة البادية والمدينة، وكيفية تشكيل هذه العناصر لوعي السارد ورؤيته للعالم. هذه العناصر لا تُظهر فقط الفروقات الثقافية بين البيئتين، بل تعكس أيضاً الصراع الداخلي للسارد بين انتمائه إلى جذوره البدوية ومحاولته التكيف مع تعقيدات الحياة المدنية.
1. الألوان:
تستخدم الألوان في رواية " خ ي ط ا ل ر و ح" كتقنية أو كوسيلة سردية تعبيرية لها وظائف متعددة.
أولا: وظيفة متعلقة بصنعة الكتابة الروائية. تعكس، أولا وقبل كل شيء، حرفية الكاتب ووعيه بآليات كتابة الرواية، وبأساليب السرد، ولغته الحكائيّة، علاوة على لغة شخصياته وبيئتها.
ثانيا: وظيفة رمزية تسلط الضوء على الأجواء، والحالات النفسية، والاجتماعية. وهي مستمدة من ثقافة المجتمع المغربي بصفة عامة، والمجتمع المحلي الدكالي بصفة خاصة. حيث يشير اللون الأسود (والليل) لأساليب الاستعمار، وحيله، ولفترته السوداء، وما وراءها من خطط استعمارية وصراع، وقهر، وظلم. ويرمز الأبيض للنضال ولفجر الاستقلال." وعما قريب ينسل الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر الذي تتشوف إليه الأمَّة"، ص 60. ويعكس المعتقدات الدينية والثقافة للشخصيات. كما نجد اللون الأبيض يشير للصفاء والمنامات " كان يمتطي جوادا أبيض بياض الثلج الطاهر النقيّ". ص 27. كمعتقدات طاربة أطنابها في هذا الوسط البدوي. وهنا نسجل احترام الكاتب لثقافة الشخوص، ونظرتهم للعالم دون إقحام وعيه الشخصي هو.
ثالثا: وظيفة تعكس استعمال الألوان في انسجام تام مع خصائص الحكي البدوي في وجهه المرتبط بما هو حسي يظل عالقا في العين، والروح، والوجدان. والألوان هنا شملت المحيط البدوي ككل: الحيوان، والإنسان، واللباس وغيرها. الحمارة شهباء " ركبت هي حمارتي الشَّهْباء" ص 30. ولون الخيط الصوفي الذي تربط فيه الأم المفتاح ". خيط الصّوف الأبيضُ الذي تربط فيه المفتاح الخاص بصندوق تحتفظ به في دولابها الشّخصي، ص82. ولون الجلباب " كنا سيد الفقير، بجلبابه الأسود المائل إلى الحمرة، وأنا بجلبابي المخطط بالأبيض والأسود نَعُبُّ الشاي عبّا" ص 30. والشريط اللاصق على واجهة شاحنة ولد بنيني" عبارة كتبت باللون الأبيض على شريط أسود لاصق" ص 65. وهذه الوظيفة إذن ترتبط بالثقافة المحلية المهووسة بالتفاصيل، والجزئيات، والألوان، والأشكال، والأحجام. وجاءت على حد قول السارد" لإشباع العين والفؤاد" الصفحة نفسها.
2. الأطعمة والأشربة ودلالاتها الثقافية:
أما الأطعمة والأشربة، في الرواية، فهي ليست مجرد تفاصيل يومية، بل هي رموز تعكس الفروقات بين بساطة الحياة في البادية وتعقيدات المدينة. ففي البادية، يعد الشاي رمزاً للكرم والضيافة، حيث يكون الشاي مصحوبا بالخبز والفواكه الجافة وحلوى الفنيد " التسويقة" ص 30 و24 جزءاً لا يتجزأ من طقوس استقبال الضيوف في انتظار الوجبة الأكبر والأهم. لن نطيل في هذا الجانب ولكننا نؤكد على أنها من قيم التضامن والتكافل التي تشكل أساس العلاقات الإنسانية في البادية وفي الحياة بصفة عامة. هذه التفاصيل تعيدنا إلى فكرة البادية كرحم ثقافي امتح منها الكاتب، وقدم لنا مجموعة من القيم الأصيلة التي تشكل وعي السارد وهويته.
3. الأصوات والروائح:
هي من العناصر التي ترتبط بالبادية. ويشغلها السارد بفنية كبيرة للتعبير عن انغراسه في تربتها. ومن الأمثلة المعبرة عن هذه العناصر ما نجده في الصفحة 32،" في اليوم الموالي استيقظت على جلبة في زريبة البهام. ثغاء نعجة حاد جدا، وصراخ ابن خالي، ونباح الكلب. وبعدها اختلطت الأصوات وضجت: صياح الدجاج، صهيل الخيل، وخوار البقر..." وهذا المشهد الروائي الثري غني عن التحليل والتفسير لأنه يغمسنا في المكان واللحظة وحركيتها وأجوائها العامة، ويجعلنا جزءا لا يتجزأ منها.
حين تسلط الرواية الضوء على العلاقات الإنسانية في البادية والمدينة، فهي تبرز تباينا واضحا في طبيعة التفاعل الاجتماعي وقيمه. ففي البادية، تبنى العلاقات على التضامن والانتماء القبلي، حيث تظل قيم الكرم والشجاعة والترابط مكونا أساسيا من الحياة اليومية. هذه العلاقات تعكس انسجام الفرد مع مجتمعه، كما يتجلى في مشاهد التقاء السارد مع شخصيات تعكس هذه القيم التقليدية. أما في المدينة، فتظهر العلاقات أكثر تعقيدا. وغالبا ما يطغى عليها الحذر، ورفض الآخر المختلف، وانغلاق الفرد على ذاته، مما يعمق انفصال الفرد عن جذوره الثقافية. وهو ما يفسر تعبير السارد عن حنينه إلى دفء العلاقات البدوية التي تشكل جزءًا من هويته، في مقابل إدانته لبرودة المدينة وتعقيداتها.
وتلعب الروائح والأشربة والأطعمة دورا محوريا في توطيد العلاقات بين أبناء البادية، حيث تعكس هذه العناصر الثقافة المحلية والتقاليد الاجتماعية التي تعزز الروابط بين الأفراد. رائحة البادية، مثل رائحة الحقول والأعشاب والتراب، تعيد للأفراد ذكريات الطفولة والأرض الأم، مما يعزز الشعور بالانتماء والارتباط بالمكان. أما رائحة الأطعمة التقليدية، مثل الشواء والخبز الطازج، فتجمع الناس حول المائدة، وتخلق جوا من الألفة والترابط. ولا يقتصر الأمر على الروائح، فالأشربة، مثل الشاي والحليب واللبن، تعتبر علامات ثقافية على الترحيب والضيافة، التي تقدم في المناسبات الاجتماعية لتوطيد العلاقات وتجديد الروابط.
إن الأطعمة التقليدية، كالكسكس والخبز البلدي واللحوم المشوية، ليست مجرد وجبات، بل هي وسائل لتعزيز التضامن الاجتماعي. فالوجبات الجماعية في البادية تكون فرصة للتواصل وتبادل الأخبار والمشاعر، مما يقوي العلاقات ويخلق جوًا من التآلف. وفي المناسبات الاجتماعية، مثل الأعراس والزيارات العائلية، يتم تقديم الأطعمة والأشربة بوفرة، مما يعكس قيم الكرم والاحترام التي تربط الأفراد ببعضهم البعض.
هذه العناصر-الروائح، الأطعمة، والأشربة- لا تعكس فقط الثقافة المحلية، بل تحمل أيضًا ذكريات عاطفية قوية، خاصة تلك المرتبطة بالطفولة والأسرة. عندما يتشارك الأفراد هذه الذكريات، فإن ذلك يعزز الروابط العاطفية بينهم ويجعل العلاقات أكثر متانة. وبالتالي، فإن هذه العناصر ليست مجرد تفاصيل مادية، بل هي وسائل قوية لتوطيد العلاقات الاجتماعية وتعزيز الروابط بين أبناء البادية.
وبناء عليه، فإن الرواية توظف هذه العناصر- الألوان، الأطعمة، الأشربة، والعلاقات الإنسانية- ليس فقط لإبراز التباين بين البادية والمدينة، بل أيضًا لتكشف عن كيفية تشكيل هذه البيئات لوعي السارد. فالبادية تظل هي الأصل الذي يستقي منه السارد قيمه وأفكاره، بينما تمثل المدينة الفضاء الجاحد الذي يهدد بفقدان الهوية. هذه الرحلة بين الماضي والحاضر، بين الثابت والمتحول، هي ما يعطي الرواية عمقها الإنساني والثقافي، حيث تُظهر الصراع الداخلي للسارد بين الحفاظ على هويته البدوية والتكيف مع واقع الحياة الحديثة.
4. المكون الحجاجي في الرواية:
من العناصر المهمة في العمل الروائي حضور الحوار الذي تتخلله اللهجة المحلية فضلا عن المحاكمة وما تستدعيه من مرافعات. وهو ما يقودنا إلى المكون الحجاجي.
يبرز هذا المكون من خلال الحوارات الجدلية التي تعكس الصراع بين القديم والجديد، وبين القيم التقليدية والبنية الحديثة للمجتمع. يستخدم السارد هذه الحوارات لتقديم حجج تدعم وجهات نظر مختلفة حول الحياة في البادية والمدينة، مما يعكس قدرته على التفكير النقدي تجاه الموروث الثقافي والاجتماعي. في الصفحة 34، يناقش السارد مفهوم الكرم البدوي الذي يُعتبر حجر الأساس للعلاقات الاجتماعية، مما يعكس النقاش الدائر حول رمزية القيم البدوية والتحديات التي تواجهها عند نقلها إلى السياق الحضري.
كما يظهر الجانب الحجاجي في الصراع حول الهوية الثقافية، حيث يعبر الفقيه وصاحب "لحجابات عن ذلك بقوله: ندمت على الهجرة. أعيش القهر، والكذب في المدينة. ص 69 ، هذا القول/الشهادة يبرز التناقض بين الانفتاح الذي توفره المدينة والحنين إلى البساطة والتماسك الاجتماعي في البادية، مما يعكس الصراع بين الهويتين البدوية والمدنية.
ويمكن اعتبار الحوار الذي دار بين الأم والأب حوارًا حجاجيًا، حيث تمكنت الأم من إقناع الأب بضرورة تسجيل ابنهما في المدرسة بدلًا من الاكتفاء بالكُتَّاب، حتى لا يكون في مستقبله مجرد فقيه يتلو القرآن في المقابر. كانت الأم ترى أن التعليم النظامي هو الطريق الصحيح ليكون للابن شأنٌ في الحياة. وقد تحقق ذلك بالفعل، حيث صار الابن مبدعًا يعيد بناء عالمه بطريقة إبداعية روائية تعيد الاعتبار للبادية بشكل عام، وللأم بشكل خاص. تلك الأم التي كان لها الفضل في إخراج ابنها من ظلمات التبعية والتكرار إلى فضاء الحرية المتجسدة في الكتابة الإبداعية، التي تمتلك سلطة الهدم وإعادة البناء.
وقد جرى هذا الحوار في الصفحة 19، حيث تقول الأم:
"بفضلي التحقت بالمدرسة. وقفت على رأسه، وقلت سجله في المدرسة هذا اليوم. قال يكفيه أن يحفظ القرآن الكريم."
وردت الأم على الأب بسؤال حاسم:
"قالت هل تريده أن يكون فقيها مثل الفقهاء الذين يرتُلون القرآن في المقبرة يوم الجمعة؟"
لقد أدركت الأم بحدسها الثاقب دور التعليم كوسيلة لتحرير العقول، وليس كأداة لتكريس القوالب النمطية، كما يحدث في الكتاتيب التي تركز على حفظ القرآن دون فهم أو وعي. وهذا ما جعلها تصر على تعليم ابنها في المدارس، حيث يمكن أن يكتسب معرفة أوسع وأكثر تحررًا.
وقد وظف الحوار هنا أسلوب الحجاج لإظهار التعقيد في العلاقة بين التعليم والتحرر، مشيرًا إلى أن امتلاك المعرفة ليس كافيًا إن لم يُستخدم بشكل واعٍ. وهذا الجانب يتجلى بوضوح في الصفحة 77، حيث يقول النص:
"عملوا معنا. اكتشفوا أن المحاسب يسجل في بطاقة العمل ثمان ساعات، بينما العمال يشتغلون أكثر من ذلك. اتهموه بالتزوير. احتجوا."
فبفضل تعلم الشباب وفطنتهم، تمكنوا من كشف الخداع وتوعية العمال، الذين قاموا بإضراب هدد مصالح الباطرون. ومع ذلك، تمكن هذا الأخير من فض الإضراب بمساعدة الشرطة والمندسين، مما أدى إلى انهزام العمال وفوز صاحب العمل. وهكذا، يظهر أن التعليم يمكن أن يكون أداة للوعي والتحرر إذا حمله الفضلاء، أما إذا حمله المستغلون، فإنه يتحول إلى أداة لتزيين الوعي وتضليل الناس.
من خلال الحوارات الجدلية طي الرواية، تبرز التناقضات الداخلية والخارجية التي تعيشها الشخصيات، مما يعكس تعقيد الهوية الثقافية والصراع بين الماضي والحاضر. وقد استغل السارد هذا السياق الحجاجي لتمرير لغة نقدية مباشرة وغير مباشرة لنقد المواقف والقيم الاجتماعية، مما يدعو القارئ إلى الانخراط في التفكير حول هذه القضايا الجدلية، مما يجعل النص أكثر تفاعلية وثراء وإعادة للنظر في العديد من القضايا. وهو ما يطرح علينا قضية الانتقالات والتحولات داخل هذه الرواية.
5. تيمة التحول:
تعتبر تيمة التحول في رواية "خيط الروح" لإسماعيل البويحياوي محورًا رئيسيًا يعكس التغيرات العميقة التي تطرأ على الشخصيات والمجتمع نتيجة الانتقال من البادية إلى المدينة. هذه التيمة لا تقتصر على الجانب الجغرافي فحسب، بل تمتد لتشمل التحولات النفسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية التي تعيشها الشخصيات، مما يجعلها عنصرًا أساسيًا في بناء الحبكة الروائية وفهم تطور الشخصيات.
في صفحة 10، يتحدث النص عن جيل ما بعد الاستقلال الذي عاش تجربة الانتقال من البادية إلى المدينة. هذا الانتقال ليس مجرد تغيير مكاني، بل هو بداية لسلسلة من التغيرات التي تؤثر على حياة الأفراد، حيث يواجهون واقعًا جديدًا مليئًا بالتحديات. وفي صفحة 30، نرى كيف أن سيد الفقير وزوجته قررا الهجرة إلى المدينة بعد سنوات من العيش في البادية. هذا القرار يعكس الرغبة في البحث عن حياة أفضل، لكنه يأتي مرفقا بتحديات جديدة تتطلب التكيف مع واقع مختلف، يتطلب التأقلم مع الحياة الحضرية بسلبياتها وإيجابياتها.
يظهر التحول النفسي جليا في صراع الشخصيات: الحنين إلى الماضي/ والتكيف مع الواقع الجديد. في صفحة 68، يعبر الفقيه عن ندمه على الهجرة إلى المدينة، حيث يشعر بالاغتراب والحنين إلى الحياة البسيطة في البادية. وفي صفحة 66، يعيش المسافرون في الشاحنة في ظلام دامس أثناء الرحلة، مما يعكس الشعور بالخوف والقلق الذي يرافق عملية الانتقال. هذا الظلام يرمز إلى المجهول الذي يواجهونه في المدينة، مما يعزز شعورهم بالاغتراب وعدم الأمان.
الانتقال إلى المدينة يؤدي أيضًا إلى تغيرات في العلاقات الاجتماعية والقيم التي كانت تحكم الحياة في البادية. في صفحة 11، يتحدث النص عن كيف أن الانتقال من القرية إلى المدينة يؤدي إلى تغيرات في العلاقات الاجتماعية. في البادية، كانت العلاقات تحكمها القرابة والدم، بينما في المدينة تصبح العلاقات مبنية على المصالح الشخصية. وفي صفحة 67، يوزع الفقيه التمائم على المسافرين في الشاحنة، مما يعكس الاعتقادات الشعبية التي كانت سائدة في البادية. هذه التمائم ترمز إلى محاولة الشخصيات الحفاظ على قيمهم التقليدية في مواجهة التحديات الجديدة، مما يبرز الصراع بين القديم والجديد.
التحول الثقافي يظهر في صراع الشخصيات بين القيم التقليدية للبادية والقيم الحديثة للمدينة. في صفحة 65، ترمز شاحنة ولد بنيني، التي تنقل المهاجرين من البادية إلى المدينة، إلى هذا التحول الثقافي. الشاحنة تحمل المسافرين في طابق سري أسفل البضائع، مما يعكس محاولة الشخصيات الحفاظ على هويتهم الثقافية في مواجهة التحديات الجديدة. وفي صفحة 68، يعبر الفقيه عن حنينه إلى الحياة البسيطة في البادية، حيث كان يعيش حياة مليئة بالإيمان والقيم التقليدية. في المدينة، يجد نفسه يعاني من الفقر والكذب ولاستغلال، مما يعكس الصراع بين القيم القديمة والجديدة.
أما التحول الاقتصادي، فيرتبط بالبحث عن الرزق وتحسين الظروف الاقتصادية. في صفحة 30، نرى كيف أن سيد الفقير وزوجته يقرران الهجرة إلى المدينة بحثًا عن حياة أفضل. هذا القرار يعكس الرغبة في تحسين الظروف الاقتصادية، لكنه يأتي مع تحديات جديدة تتطلب التكيف مع واقع مختلف. وفي صفحة 82، يعمل سيد الفقير في بيع الملابس في المدينة، كمحاولة منه للتكيف مع الواقع الاقتصادي الجديد. ومع ذلك، فإنه يصطدم بالعنف ولاستغلال البشعين.
من خلال هذه التيمة، يقدم إسماعيل البويحياوي صورة عميقة لتجربة الهجرة من الريف إلى المدينة، والتحديات التي تواجهها الشخصيات في البحث عن هوية جديدة. التحول في الرواية ليس مجرد تغيير مكاني، بل هو رحلة وجودية تعكس التغيرات التي تطرأ على الشخصيات والمجتمع، مما يجعل "خيط الروح" عملًا أدبيًا غنيًا يعكس واقع المجتمع المغربي في مرحلة التحول.
6.المكون الرحلي:
تعتبر رواية "خيط الروح" لإسماعيل البويحياوي نموذجًا أدبيًا يعكس التحولات الاجتماعية والنفسية التي يعيشها المغاربة في مرحلة الانتقال من الريف إلى المدينة. المكون الرحلي في الرواية ليس مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل هو رحلة وجودية تعكس صراع الشخصيات بين الحنين إلى الماضي والتكيف مع واقع جديد مليء بالتحديات. يظهر هذا المكون بشكل واضح في انتقال الشخصيات من البادية إلى المدينة، وهو انتقال يرتبط بتغيرات عميقة في السلوك والوعي. على سبيل المثال، في صفحة 10، يتحدث النص عن الجيل الذي جاء بعد الاستقلال وعاش تجربة الانتقال من القرية إلى المدينة. هذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير مكاني، بل كان تحولًا في الهوية والانتماء، حيث يحاول الأفراد زرع جذور جديدة في المدينة بينما يظلون مرتبطين بأصولهم الريفية.
تظهر صعوبة الرحلة من الريف إلى المدينة في وصف شاحنة ولد بنيني، التي كانت وسيلة نقل للمهاجرين. في صفحة 65، يُذكر أن الشاحنة كانت تحمل المسافرين في طابق سري تحت البضائع، مما يعكس الظروف القاسية التي كان يعيشها المهاجرون. هذا الوصف لا يعكس فقط الصعوبات المادية للرحلة، بل أيضًا الشعور بالخوف والقلق الذي يرافق عملية الانتقال، كما يُظهر في صفحة 66، حيث يعيش المسافرون في ظلام دامس أثناء الرحلة، مما يعزز شعورهم بالاغتراب وعدم الأمان. هذا الظلام يرمز إلى المجهول الذي يواجهونه في المدينة، وهو ما يعكس التحديات النفسية التي ترافق هذه الرحلة.
يظهر الحنين إلى الماضي والندم على الرحيل في تجربة الفقيه، الذي يروي في صفحة 68 كيف ندم على ترك البادية والهجرة إلى المدينة. يقول: "ندمت على الهجرة. أعيش الفقر والكذب في المدينة... كنت أفعل ذلك في البادية بسلام." هذا النص يعكس الصراع الداخلي للشخصيات بين التمسك بأصولهم الريفية والتكيف مع الحياة الحضرية. الفقيه، الذي كان يعيش حياة بسيطة في البادية، وجد نفسه في المدينة يعاني من الفقر والكذب على نفسه وعلى الآخرين، مما يعكس التحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهها المهاجرون. هذا الندم يعبر عن الحنين إلى الماضي والرغبة في العودة إلى حياة كانت أكثر بساطة ووضوحًا.
يرتبط المكون الرحلي أيضًا بالاعتقادات الشعبية والخوف من المجهول، كما يظهر في صفحة 67، حيث يوزع الفقيه التمائم على المسافرين في الشاحنة. هذه التمائم تعكس الاعتقاد بأن الرحلة محفوفة بالمخاطر، وأن المهاجرين يحتاجون إلى حماية روحية من المجهول. هذا العنصر يضيف بعدًا ثقافيًا ودينيًا إلى الرحلة، ويعكس كيفية تعامل الشخصيات مع التحديات التي تواجهها. التمائم ترمز إلى محاولة الشخصيات الحفاظ على قيمهم التقليدية في مواجهة التغيرات التي تفرضها الحياة الحضرية.
في صفحة 30، نرى كيف أن سيد الفقير وزوجته قررا الهجرة إلى المدينة بعد سنوات من العيش في البادية. هذا القرار لم يكن سهلاً، حيث كان سيد الفقير يعمل في الحقل ويربي الدجاج، لكنه قرر الانتقال إلى المدينة بحثًا عن حياة أفضل. ومع ذلك، فإن هذه الرحلة جاءت مع تحديات جديدة، حيث واجه سيد الفقير وزوجته صعوبات في التكيف مع الحياة الحضرية، مما يعكس الصراع بين الحنين إلى الماضي والواقع الجديد. لقد عبر الرجل عن ألم مغادرته للبادية بقوله: "كان أول خروج لي من خميس الزمامرة. كانت هجرة الحقل، والأهل أثقل علي من 'قطع البزولة' فطام الرضيع." (صفحة 26). هذا التعبير يعكس مدى صعوبة الانفصال عن البيئة الريفية التي كانت مصدرًا للأمان والاستقرار.
وكخلاصة، يمكن القول إن رواية "خ ي ط ا ل ر و ح" تسلط الضوء على رحلة وجودية، هي في عمقها رحلة مسارات ومصائر وتحولات الشخصيات على المستويات النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية. وينكشف هذا بجلاء في وصف الحياة في البادية، وصعوبات الرحلة، والحنين العميق إلى الماضي، والاعتقادات الشعبية، والصراع مع الواقع الجديد، بحثا عن ملاذ يفرض تكوين هوية جديدة، بينما ظلت جل الشخصيات مرتبطة بأصولها، مما يجعل الرواية عملًا أدبيًا غنيًا يعكس واقع المجتمع المغربي في مرحلة التحول المفتوح أبدا.

الكتابة بوصفها ولادة ودور القارئ واللغة المحكية في ذلك. قراءة أخرى في رواية "خ ي ط ا ل ر و ح" لإسماعيل البويحياوي.
**
هذا التحليل يسعى إلى أن يبرز العلاقة التكافلية بين الكاتب والقارئ، ويؤكد على أن النص الأدبي لا يكتمل إلا بوجود القارئ الذي يعيد إنتاجه ويضفي عليه معاني جديدة. كما أنه يلفت الانتباه إلى أن القراءة هي عملية إبداعية بحد ذاتها وولادة جديدة للنص، وأن النص الأدبي يظل حيًا ومتجددًا طالما وجد قراء يتفاعلون معه.
الكتابة والإبداع يشبهان عملية الولادة، حيث ينبعان من رحم المعاناة الفردية أو الجماعية. تلك المعاناة التي تتنوع بين صراع داخلي لدى الكاتب أو معاناة أمة تسعى لاكتشاف هويتها. وتظهر هذه العلاقة بوضوح في الأدب الروائي، الذي لا يعكس الواقع فقط بل يعيد تشكيله ليولد عوالم جديدة. وهذا ما يظهر في العناوين الرمزية مثل "خيط السرة"، الذي يرمز إلى الارتباط البيولوجي بين الكاتب ونصه، تمامًا كما يربط الحبل السري الأم بطفلها. أما "خيط الفجر"، فيرمز إلى ميلاد وطن جديد من رحم الاستعمار، حيث تتجاوز المعاناة الفرد إلى معاناة جماعية وتصبح جزءاً من تاريخ الشعوب.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات هامة: هل المعاناة هي رحم الإبداع الحقيقي؟ الإجابة تكمن في أن الإبداع هو وليد معاناة متعددة الأوجه، تبدأ من معاناة الفرد وصولاً إلى معاناة الأمة. لذلك، الرواية لا تعكس الواقع كما هو، بل تخلق واقعًا موازٍيا يتجاوز الزمان والمكان، كما يحدث في روايات المغرب عن القرى، حيث تتجسد معاناة الناس في شكل نصوص أدبية تعيد تشكيل التاريخ والمجتمع.
الكتابة ليست فقط عملية فردية تنبثق من الكاتب، بل تشمل أيضًا الحكي الذي يعد فعلاً متجددًا، حيث يعاد إحياء الشخصيات عبر سرد الآخرين لها.
وحين الحديث عن الولادة، نجد أن الحكي نفسه يمكن اعتباره فعل إنجاب، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصية مثل "سيد الفقير"، التي يتم إعادة تشكيلها من خلال حكي صديقه وزوجته عنها. هنا، يصبح الحكي وسيلة لإعادة خلق الشخصية، حيث يلعب السارد، ومن خلفه الكاتب، دور القابلة التي تساعد في ولادة هذه الشخصية من جديد. وهذا يطرح تساؤلًا آخر: ماذا لو تم حذف تدخل الكاتب في بعض المحطات؟ هل كان البناء الروائي سيختل؟ وما هي الإضافة التي قدمها الكاتب، خاصة وأن هذه التقنية ليست جديدة وقد سبقه إليها الكثيرون؟
الإجابة تكمن في أن تدخل الكاتب ليس مجرد إضافة تقنية، بل هو محاولة لتشييد صرح الأرحام وتكثير أفعال الولادة. فمن خلال تدخله، يعيد الكاتب خلق الواقع ويعيد تشكيله بطريقة تثري النص وتجعله أكثر تعقيدًا وغنى. الكاتب هنا لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يعيد بناءها ويفتح أبوابًا جديدة لتأويلها، مما يجعل النص الروائي أكثر حيوية وقدرة على التعبير عن الواقع بكل أبعاده.
وهكذا، نجد أن الرواية، كفن إبداعي، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرة الولادة، سواء على مستوى الخلق الفردي أو الجماعي. فهي تخرج من رحم المعاناة، وتصبح هي نفسها رحمًا يلد واقعًا جديدًا، يعكس تجارب إنسانية متعددة، ويقدمها للقارئ في قالب فني متميز.
الإبداع والولادة، رغم اختلافهما الظاهري، يحملان في طياتهما جوهراً مشتركاً. كما يخلق الفنان عملاً فنياً جديداً من قلب الروح والعاطفة، تنبثق الحياة من رحم الأم. كل ولادة تحمل في طياتها وعداً بمستقبل غير معلوم، مثلما تفعل فكرة إبداعية. كما تنمو البذرة في رحم الأرض، تنمو الأفكار في عقل المبدع، تتغذى من تجاربه ومشاعره حتى تنضج وتخرج للعالم، لتنير العقول وتثير المشاعر. في كل ولادة، نجد إبداعاً، وفي كل إبداع، نجد ولادة جديدة.
ولا يمكننا تجاهل دور اللغة المحكية في تعميق هذه الفكرة. فاللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي بصمة ثقافية واجتماعية تحمل تاريخاً حياً. عندما يستخدم المؤلف اللغة المحكية، مثل الدارجة في الأدب المغربي، فإنه لا ينقل الواقع فقط بل يضيف إلى النص هوية ثقافية مميزة، تُكسب الحوارات صبغة حيوية ونابضة بالحياة. اللغة المحكية هنا ليست مجرد زخرف، بل هي جزء من "رحم" الهوية التي يولد منها نص فني قادر على تجاوز الحدود الثقافية ليصبح تراثًا إنسانيًا مشتركًا.
هكذا، تتداخل عملية الولادة والإبداع في حلقة متواصلة: يبدأ النص في رحم معاناة الكاتب، ثم يُبعث من جديد في قراءة القارئ، وتضفي اللغة المحكية بعدًا ثقافيًا عميقًا على النص. فكل إبداع هو ولادة، وكل ولادة هي إبداع جديد يعيد تشكيل الذات والواقع في كل مرة.
ويجسد هذا التداخل العميق بين الولادة والإبداع في الرواية المغربية، حيث يشكل الكاتب والمعاناة عنصراً أساسيًا في عملية الإبداع. في روايةٍ مثل "خيط السرة"، يتجلى ارتباط الكاتب بأرضه وشعبه من خلال معاناته وتضحياته، ويستدعي تاريخًا ثقافيًا غنيًا ومعقدًا، مثلما يحدث عندما يتحدث السارد عن أهل البادية. فالبادية هي الرحم الذي شكل الكاتب ثقافيًا وعاطفيًا، بينما تمثل المدينة الفرع الجاحد الذي يحاول تدمير نقاء هذا الأصل.
يظهر هذا التداخل بوضوح في سرد السارد، الذي يعبر عن علاقة متشابكة مع البادية: "البادية هي أنا، وأنا هي البادية. أنا الأرض التي تنبت فيها أشجارها وترعى فيها حيواناتها وطيورها..." (ص 18 و 19). رغم المعاناة التي يشعر بها أهل البادية في المدينة، إلا أنهم يبقون محافظين على نقائهم الأخلاقي، وتظل البادية تمثل لهم الحلم والعودة إلى الجذور التي تمثل نقاء روحهم.
هكذا، يبقى الإبداع الأدبي معتمدًا على هذا التداخل بين الواقع والمخيال، بين الكاتب والقارئ، وبين اللغة المحكية التي تشكل هوية النص الأدبي، وتظل عملية الكتابة والقراءة مستمرة في خلق الولادات المتجددة التي تغني الأدب وتزيده عمقًا.
لم يكن توظيف اللغة المحكية (الدارجة) في الأدب أو الكتابة مجرد خيار ترفيهي أو تعبير عن انتماء ضيق إلى منطقة جغرافية معينة، بل كان لهذا التوظيف بعد أعمق وأكثر دلالة. فاللغة المحكية تحمل في طياتها بصمة وراثية تعكس الهوية الثقافية والاجتماعية للكاتب، وتشكل جزءًا لا يتجزأ من عملية الولادة الأدبية. فهي ليست مجرد أداة تواصل عابرة، بل هي وعاء يحمل في داخله تاريخًا طويلًا من التجارب الإنسانية، والتراكمات الثقافية، والخصوصيات المحلية التي تمنح النص الأدبي طابعه الفريد.
عندما يستخدم الكاتب اللغة المحكية، فإنه لا يعبر فقط عن واقع مجتمعه، بل يمنح النص بعدًا وجوديًا يتجاوز حدود اللغة الفصحى أو اللغة المعيارية. فالدارجة، بكل ما تحمله من تعابير يومية وألفاظ عفوية، تعكس روح الشعب وثقافته، وتجعل النص أكثر قربًا من القارئ، وأكثر قدرة على التعبير عن التفاصيل الدقيقة التي قد تفقدها اللغة الفصحى.
في الرواية، على سبيل المثال، تصبح اللغة المحكية أداة لتشهير خصوصية العمل الأدبي وتميزه. فهي تمنح الشخصيات عمقًا واقعيًا، وتجعل الحوارات أكثر حيوية ومصداقية. كما أنها تعكس البيئة الاجتماعية والثقافية التي تدور فيها الأحداث، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه يعيش داخل العالم الذي تصوره الرواية.
لذلك، ينبغي التوقف عند هذا العنصر المميز والاعتراف بأهميته في تشكيل الهوية الأدبية. فاستخدام اللغة المحكية ليس مجرد خيار أسلوبي، بل هو تعبير عن هوية وثقافة، ووسيلة لإثراء النص الأدبي وجعله أكثر ارتباطًا بواقع الناس وحياتهم اليومية. ومن خلال هذا التوظيف، تكتسب الرواية أو النص الأدبي قوة تعبيرية تجعله قادرًا على تجاوز الحدود الجغرافية والزمنية، ليصبح جزءًا من التراث الإنساني المشترك.
وارتباطًا بعلاقة الكتابة بالولادة، تجب الإشارة إلى قضية بالغة الأهمية تتعلق بجدلية القراءة والكتابة. فالكتابة، في جوهرها، عملية إبداعية تشبه الولادة؛ حيث يخرج النص إلى الوجود من خلال جهد الكاتب وفكره وخياله. ولكن، بمجرد الانتهاء من كتابة النص، تظل الكلمات حبيسة الصفحات، كأنها في حالة سبات أو موت مؤقت، حتى يأتي القارئ ليعيد إحياءها.
إن ولادة النص لا تكتمل دون القارئ، فالكلمات تبقى جامدة على الصفحات كجسد بلا روح حتى يحييها القارئ بقراءته. وهنا يصبح الفعل القرائي إبداعيًا بحد ذاته، كما يظهر في فصل "خيط الروح" الذي يخاطب القارئ مباشرة، مؤكداً أن النص يتجدد مع كل قراءة. إذ تصبح الحكاية ولادة متكررة، تفتح المجال لتفسيرات جديدة قد تختلف عن تلك التي قصدها الكاتب. وبالتالي، يصبح النص كائنًا حيًا يتطور مع كل قارئ، ويخضع للتأويلات المختلفة في ديناميكية تشترك فيها القوى الإبداعية للكاتب والقارئ.
القراءة هنا ليست مجرد عملية تلقٍ سلبية، بل هي فعل إبداعي موازٍ لفعل الكتابة. فالقارئ، من خلال تفاعله مع النص، يعيد تشكيله ويضفي عليه معاني جديدة قد تختلف عن تلك التي قصدها الكاتب. وهكذا، تتحول القراءة إلى عملية ولادة جديدة للنص، حيث يبعث القارئ الروح في الحروف والكلمات، ويجعلها تتحدث من جديد.
بدون القراءة، تظل الكتابة صامتة، كجسد بلا روح، وكأنها حروف ميتة لا حياة فيها. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن دور القارئ في العمل الروائي؛ فالقارئ ليس مجرد متلقٍ، بل هو شريك في خلق المعنى وإعادة إنتاج النص. كل قراءة جديدة للنص هي بمثابة ولادة جديدة له، حيث يكتسب النص أبعادًا مختلفة باختلاف القراء وخبراتهم وثقافاتهم.
هذا التفاعل بين الكتابة والقراءة يخلق ديناميكية مستمرة تمنح النص حياة متجددة، وتجعله قادرًا على الاستمرار عبر الزمن، متحديًا صمت الحروف وموت المعاني.

المعلن والمضمر في رواية خيط الروح لإسماعيل البويحياوي"
ورد في الصفحة 104 قول لمخازني:
مازلت على قيد الحياة أيها الفقراء الاوباش أولاد...، وحتى لو صارت لكم سيارات، أو تحسنت أحوالكم، فأنتم، دائما وأبدا، تحت طائلة هراوتي، وأسفل حذائي، وضرب الأرض برجليه المرتجفتين، تظنون أنفسكم قد صرتم من الناس الذين لهم شان.
مقطع يعبر عن استمرارية القمع، وتواصله بواسطة لمخازني الذي لا يحمل اسما خاصا يدل عليه لكونه اسما عاما يلبسه كل مرة شخص ليقوم بالوظيفة نفسها.
يشكل القمع والفساد مهيمنة الرواية، هذا العمل الذي يقدم صورة عنيفة عن القمع الذي يمارسه لمخازنية في حق الطبقة السفلى تلك التي تشتغل في المعامل أو تلك التي تمارس أنشطة ثانوية كبيع الملابس والأجهزة البسيطة مختلفة الأشكال والأنواع، وتغير من نوع بضاعتها بحسب المناسبات.
يظهر ذلك في العنوان الذي أتى مشتت الحروف، وفي الصفحة الأولى للعمل الروائي بسقوط الأم أرضا وإلى جانبها ابنها بفعل ضربة عصا لمخازني الذي تكلم أعلاه.
لنقل، قبل تفصيل الحديث عن الفساد والقمع: إن العمل الروائي يلتزم بثنائية عميقة ترتبط بالظاهر والباطن، إذ تسلط الرواية الضوء على الحنين إلى البادية وتقدير قيمها، حيث يتم إعلاء شأنها بسبب ما توفره من عناصر كالأصالة والنقاء والتضامن والجمال. ومع ذلك، يبدو أن الباطن أو المضمر في العمل يكشف عن بنية عميقة تؤكد على سيادة سلطان القمع والتسلط، ما يبين أن هذه القيم لا تخلو من تحديات مستمرة في الزمن. الرواية لا تشير إلى الخضوع لهذا التسلط، بل على العكس تبرز قضية النضال كقيمة أساسية يجب أن تستمر عبر الأجيال، حيث يصبح الأبناء، الذين تلقوا تعليماً جيداً، قادرين على فهم هذه البنية القمعية والعمل على تحطيمها تماماً كما فعل الآباء والأجداد حينما حاربوا المستعمر ونالوا الاستقلال.
إن تشبع البادية بقيم الفضيلة والجمال يجعل أهلها يعودون إليها باستمرار من المدينة، التي تتسم بالقيم المزيفة، ليجدوا فيها تجديداً لذواتهم من خلال تلك القيم الخالدة. الأجداد والآباء، رغم أنهم لم يتلقوا تعليماً عميقاً، إلا أنهم تمكّنوا من مجابهة المستعمر وتركوا للأبناء من بعدهم سلاح التعليم الجيد ليكملوا مشوار النضال في مقاومة الفساد والتسلط. يظهر أن هذه الثنائية، وما ينتج عنها من صراع داخلي، تشكل البنية العميقة للرواية، وهي البنية التي تم تلوينها من خلال مجموعة من الأحداث المتنوعة التي تم التلاعب في ترتيبها، بالإضافة إلى التلاعب الزمني والمكاني، ما يعزز العمق الروائي.
كما أن السرد اعتمد على مزج اللغة العربية الفصحى مع الدارجة، مما أضاف بعداً لغوياً مميزاً للعمل. وتم توظيف التخييل واستدعاء الذاكرة كأدوات خصبة تدعم المتن الروائي، بحيث تلاعب الكاتب بترتيب الأحداث والأمكنة والأزمنة، وهو ما أحدث تنوعاً في الإحساس بالجوانب الحسية من خلال تحريك الحواس الخمس. كما تم استخدام الألوان بصورة رمزية تعكس الصراع القائم وتساهم في تعزيز الرسائل التي تنقلها الرواية. من خلال هذه التقنيات، تجسد السيرة الذاتية بطريقة جديدة تستند إلى قواعد الفن الروائي، مما يخرج الكتابة من حيز التمحور حول الذات إلى فضاء أوسع يخص الوطن والإنسان في سياق أكبر، مؤكداً على قضية الحرية ومدافعاً عن مقاومة الفساد والتسلط.
لا تقتصر رواية؛ خيط الروح؛ على مجرد سرد للأحداث، بل تتجاوز ذلك لتكون تجسيدًا لعدد من القضايا الإنسانية العميقة، التي تتداخل فيها ثنائية الظاهر والباطن، وحكايات الأجيال المختلفة، والتلاعب بالزمان والمكان، واستخدام التخييل والذاكرة كأدوات لفهم الواقع ومواجهته. هذه الرواية تسلط الضوء على الصراع المستمر من أجل الحرية والعدالة، وتطرح أسئلة وجودية عن الهوية، والمجتمع، وحقوق الإنسان. نبدأ معًا بتفكيك هذه العناصر التي تشكل بنيتها الأساسية.
ثنائية الظاهر والباطن:
تتجسد في الرواية فكرة الحنين إلى البادية ليس فقط كحنين إلى مكان، بل كبحث عميق عن الهوية والجذور. فالبادية تمثل عالمًا مفعمًا بالقيم الأصيلة التي غالبًا ما نفتقدها في الحياة الحضرية المليئة بالزيف والمادية. هذه العودة إلى البادية هي محاولة لاستعادة التوازن الروحي وتجديد الذات في مواجهة قسوة الحياة في المدن. ومع ذلك، يكمن وراء هذا الحنين صراع أكبر يتجسد في مقاومة التسلط والقمع. الصراع هنا لا يقتصر على مواجهة استعماريين خارجيين كما في الماضي، بل هو صراع ضد أشكال جديدة من القمع التي قد تكون أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا، حيث تكمن فيه آليات قمع متجددة تتطلب وعياً عميقًا ومقاومة مستمرة.
النضال عبر الأجيال: من الاستعمار إلى الفساد:
تعكس الرواية تغير شكل النضال عبر الأجيال. ففي جيل الأجداد والآباء، كان الصراع الأبرز هو مواجهة الاستعمار ومحاولة تحقيق الاستقلال. هؤلاء الأجداد كانوا يواجهون معركة من أجل الحرية، وبالرغم من ضعف إمكانياتهم التعليمية، فإن عزيمتهم وشجاعتهم كانت محركًا أساسيًا لاستقلال وطنهم. أما جيل الأبناء، فقد نشأ في ظل تعليم جيد أكثر تطورًا، وأصبحوا أكثر وعيًا بقوى التسلط التي تجسدها أشكال مثل الفساد والاستبداد الداخلي. النضال في هذه المرحلة أصبح أداة دفاعية أكثر من كونه مجرد معركة لتحصيل الحقوق، إذ يواصل الأبناء مسيرة الآباء، ولكنهم يواجهون خصمًا داخليًا معقدًا ومتعدد الأوجه. التعليم بالنسبة لهم ليس مجرد أداة للنجاح الشخصي، بل سلاح ضروري في معركة التغيير الاجتماعي.
تركز الرواية بشكل كبير على الظلم الاجتماعي:
ذكر في ص 68 وما يليها تفاصيل حول معاناة الأفراد من الظلم الواقع عليهم، حيث يتم التضييق عليهم والضغط في حياتهم اليومية مما يعكس مدى التأثير المدمر للظلم على النفس البشرية.
نجد أن الرواية تتناول فساد المسؤولين في الحكومة وكيف أن ذلك يؤثر على حياة الناس العاديين. هناك مشاهد تظهر كيفية استغلال السلطة من قبل بعض الشخصيات المسؤولة، مما يعكس عدم المساواة والتمييز.
ومن خلال ذلك، تشير الرواية إلى التأثيرات السلبية للفساد على المجتمع بشكل عام، وذلك من خلال تقديم شخصيات تعاني من العواقب الناتجة عن قرارات فاسدة وغياب العدالة.
ولا يمكن الحديث عن الظلم والفساد من دون الحديث عن آثاره، وقد تضمنت بعض المواقف في الرواية للتعبير عما يولده من ألم.
مظاهر الفساد:
الفساد في السلطة غالبًا ما يُدار من خلال مجموعة من الممارسات التي تستغل النفوذ والسلطة لتحقيق مكاسب شخصية أو جماعية على حساب مصلحة المجتمع. في رواية "خيط الروح" لإسماعيل البويحياوي، يقدم الكاتب تحليلًا دقيقًا للفساد في السلطة وكيفية استفادة رجال الأعمال (الباطرونا) من هذه الممارسات عبر عدة محاور:
يتمثل الفساد في السلطة في استغلال المناصب لتحقيق مصالح شخصية تضر بمصلحة العامة. في الرواية، نجد شخصيات تتولى مناصب قيادية أو مسؤوليات تنفيذية تتخذ قرارات تصب في مصلحتها الخاصة، بينما تؤثر هذه القرارات بشكل سلبي على المجتمع. من خلال هذه الأفعال، يتمكن رجال الأعمال من تعزيز نفوذهم في السوق واستغلال الامتيازات التي يحصلون عليها نتيجة لهذه الممارسات الفاسدة.
تشهد الرواية تواطؤًا بين رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين للحصول على عقود ومشاريع دون منافسة قانونية. يتمكن الباطرونا من نهب المال العام والتلاعب بالمناقصات الحكومية، مما يتيح لهم فرصة تحقيق أرباح ضخمة. في الوقت ذاته، يعاني المواطنون العاديون من هذه السياسات الفاسدة، التي تمنحهم فرصًا أقل وتزيد من تهميشهم.
يتناول الفساد المالي والإداري في الرواية أيضًا قضايا الرشوة والمحسوبية، حيث يستطيع رجال الأعمال فرض سيطرتهم على المشاريع الكبرى من خلال دفع رشاوى للمسؤولين. هذه الممارسات تؤدي إلى هدر المال العام وتعزز التفاوت الاجتماعي وتعمق الفقر في المجتمع.
نتيجة للفساد المستشري، يعاني المواطنون من تدني مستوى الخدمات العامة، حيث تذهب موارد الدولة إلى جيوب الفاسدين. كما أن تقويض الثقة في النظام الإداري يؤدي إلى ضعف المشاركة السياسية وزيادة الشكوك في المؤسسات الحكومية. هذه البيئة تخلق حالة من الإحباط الشعبي وتقوض الفاعلية الاجتماعية.
تستمر دورة الفساد في التفاقم، حيث يظهر أن النظام الفاسد يعيد إنتاج نفسه. يرتبط بقاء رجال الأعمال في السلطة باستمرار هذا الفساد، مما يجعل مقاومة التغيير والإصلاح أكثر صعوبة كلما ازداد عدد المستفيدين من هذا النظام.
لكن الرواية لا تقتصر فقط على عرض مظاهر الفساد، بل تسلط الضوء أيضًا على الشخصيات التي تسعى لمكافحته، ما يعكس رغبة المجتمع في التغيير وإعادة بناء نظام أكثر عدالة ومساواة. تتصاعد الصراعات الداخلية والمجتمعية حول كيفية مواجهة هذا الفساد والعمل على إحداث تغيير إيجابي.
تُظهر الرواية، إذا، كيف يمكن أن يؤدي الفساد إلى تآكل قيم المجتمع وأخلاقياته، وكيف يستغل رجال الأعمال هذه الفوضى لتحقيق مكاسب خاصة. ومن خلال التوترات الداخلية، يقدم الكاتب نظرة شاملة على العواقب الاجتماعية والاقتصادية للفساد، ويُبرز التحديات التي يواجهها المجتمع في سعيه نحو الإصلاح والتغيير.
البنية الروائية: التلاعب بالزمان والمكان واللغة:
إن أسلوب الرواية في التلاعب بالزمان والمكان يعطيها طابعًا غير تقليدي، حيث لا تسير الأحداث وفق تسلسل زمني ثابت. بل هناك تداخل بين الماضي والحاضر، ما يعكس طبيعة الذاكرة البشرية التي لا تلتزم بالخطوط الزمنية. هذا الأسلوب السردي يعمق التجربة الإنسانية ويعكس معاناة الشخصيات في مواجهة صراعات غير محكومة بالزمان أو المكان. اللغة أيضًا تلعب دورًا مهمًا في هذه البنية الروائية، حيث يمزج الكاتب بين العربية الفصحى والدارجة، مما يعكس التوتر بين عالمين متباينين: عالم البادية التقليدي وعالم المدينة الحديث. هذا المزيج اللغوي ليس مجرد أسلوب سردي، بل هو انعكاس للهوية المزدوجة للشخصيات، التي تجد نفسها بين الماضي والحاضر، بين الأصالة والحداثة.
التخييل والذاكرة: إخصاب النص الروائي:
استخدام التخييل في الرواية لا يقتصر على كونه وسيلة لتقدم السرد، بل هو طريقة لاكتشاف أبعاد أعمق من الحقائق التي يصعب التعبير عنها مباشرة. من خلال التخييل، يطرح الكاتب تساؤلات وجودية تتعلق بالهوية، الحرية، والعدالة، دون أن يغرق في خطاب مباشر قد يفقد النص عمقه. أما الذاكرة، فتلعب دورًا محوريًا في فهم الشخصيات لطبيعة صراعاتها الحالية، حيث إنها ليست مجرد استرجاع للأحداث الماضية، بل هي عملية مقاومة فعلية. من خلال استحضار الماضي، تتمكن الشخصيات من فهم جذور الأزمات التي تواجهها، وتكتسب القدرة على إيجاد حلول جديدة لهذه الصراعات.
الحرية والنضال: من الذات إلى الوطن:
في بداية الرواية، قد يظهر النضال كقضية شخصية، محورية في حياة الفرد، لكن مع تقدم الأحداث، يصبح هذا الصراع أكثر شمولًا، حيث يتحول من قتال من أجل التحرر الشخصي إلى نضال جماعي من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية. الرواية تعرض الحرية ليس فقط كغياب للقيود، بل كقدرة على العيش بكرامة وإنسانية، ما يجعل النضال أكثر ارتباطًا بالجماعة وبناء مجتمع قائم على مبادئ العدالة والحرية. الحرية في هذا السياق هي عملية مستمرة من التحرر والنضال لتحقيق مجتمع لا يعاني فيه الأفراد من القمع.
السيرة الذاتية والفن الروائي:
الرواية تستدعي بعض عناصر السيرة الذاتية، لكنها تتجاوزها لتصبح رواية عن الإنسان بشكل عام. التحول من سرد التجربة الذاتية إلى حكاية تعكس قضايا أوسع تعكس التحديات التي يواجهها المجتمع ككل. هذا الانزياح يعكس رؤية الكاتب التي تشير إلى أن القضايا الفردية هي جزء لا يتجزأ من القضايا الاجتماعية الأعم. كما أن الأسلوب الروائي نفسه يعتمد على التجديد في قواعد السرد، مما يجعل الرواية ليست مجرد قصة تُحكى، بل تجربة فنية تتجاوز الشكل التقليدي وتفتح أبوابًا متعددة للتفسير والتحليل.
في النهاية، نرى أن الرواية ليست مجرد عمل أدبي تقليدي، بل هي نص عميق ومعقد يقدم صورة شاملة للصراع الإنساني المستمر من أجل الحرية والعدالة. بتكامل هذه العناصر، تظهر الرواية كعمل فني إنساني يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويطرح أسئلة تهم كل من يسعى للبحث عن الحرية والكرامة في عالمه الخاص.
واكخلاصة يمكن القول إن العمل ككل ينضبط لثنائية أعمق ترتبط بالظاهر والباطن أو المضمر. فإذا كانت الرواية تتحدث عن الحنين إلى البادية وتعلي من شأنها لتوافر اسباب عدة منها الأصل والنقاء والتضامن وكل ما هو جميل؛ فإن المضمر أو الباطن هو سيادة بنية عميقة تتحكم في الرواية وتؤكد أنها مستمرة في الزمان؛ يرتبط الأمر بالبنية العميقة المتمثلة في التسلط وتسيد سلطان القمع. لكن ذلك لا يعني الخضوع له كون العمل يعلي من قضية النضال وضرورة استمراريته عن طريق الأبناء الذين حظوا بتعليم جيد كفيل بان يجعلهم يفهمون هذا القانون ويعملون على تحطيمه كما حطم الآباء والأجداد سطوة المستعمر وحققوا الاستقلال. إن سيادة قيم الفضيلة والجمال في البادية تجعل اهلها يعودون إليها كل مرة من المدينة حيث قيم الزيف ليجددوا انفسهم بشرب تلك القيم من معينها الخالد. قام الأجداد ومن بعدهم الآباء بمجابهة المستعمر وهم ذوو حظ علم متوسط وتركوا لابنائهم بعد أن منحوهم تعليما جيدا قضية الفساد والتسلط لمقاومته ودحره. لعل هذه الثنائية وما تولده من صراع هي ما يشكل بنية الرواية العميقة وقد غلفها باحداث متنوعة تلاعب بترتيبها وعمل على تركيب بنيته اللغوية من العربية والدارجة؛ واعتمد التخييل واستدعى الذاكرة لتكون فعلا مخصبا للمتن الروائي حيث تم التلاعب بترتيب الاحداث والامكنة والازمنة وحرك الحواس الخمس ووظف الالوان ودور السيرة الذاتية من جديد وفق قواعد الفن الروائي ليخرج الكتابة من شرنقة التمحور حول الذات إلى فضاء ارحب يتعلق بالوطن بشكل خاص وبالإنسان بشكل أخص مدام انها تعلي من قضية الحرية وتشيد بمقاومة الفساد والتسلط.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى