عبد الرحيم التدلاوي
كاتب
انطباعات شخصية لا قراءة نقدية:
**
في مرآة الحطام: قراءة في وجوه السرد المتصدعة:
البداية
في تجربة قرائية موازية، وجدتُ نفسي غارقًا في ثلاث روايات في آن واحد. أكملت اثنتين، وبلغت منتصف الثالثة قبل أن أتوقف، مثقلًا بإحساس غامض بالتعب، لا بسبب اللغة أو الأسلوب، بل بفعل الحمولة النفسية السلبية التي بثّتها في داخلي هذه الأعمال. فقد تشابهت في تقديم عوالم مأزومة وشخصيات مهشّمة، بعضها مدمَّر من الداخل، وبعضها سحقته قوى قاهرة خارجية، غالبًا ما تتجسّد في السلطة وأدواتها. ورغم وجود شخصيات إيجابية متوازنة هنا وهناك، إلا أنها تبقى ومضات عابرة في ظلمة عامة. ولعل ما قاله الدكتور معتوق عن أن نصف المغاربة يعانون اضطرابات نفسية يجد صداه في هذه الأعمال، إذ تشكّل هذه الروايات مرايا مشروخة تعكس وجوه الانهيار النفسي الجمعي في مجتمع تختلط فيه السلطة بالقهر، والحلم بالعطب.
عن الروايات بششكل مقتضب:
1. "بعيدًا عن بوقانا"
تقوم هذه الرواية على شخصيتين محوريتين: كاتب قادم من ألمانيا، ينوي كتابة رواية في الريف المغربي، وزليخة، المطلّقة والأم لطفلين، التي تصبح رفيقته خلال فترة إقامته. ما يلفت الانتباه أن الروائي يمضي أغلب صفحات الرواية في حالة سُكر دائم، كأن الخمر صار امتدادًا لذاته، وعدد القناني التي يستهلكها يصل حدًّا مبالغًا فيه، مما يكشف عن خلل داخلي وفشل في التكيّف مع الواقع المحيط.
أما زليخة، فتمثّل مرآة الحرمان الأنثوي؛ امرأة لُعنت صورتها في عين نفسها، وبصقت على انعكاسها. غير أن اللقاء بالروائي يعيد إليها شيئًا من الثقة، ويمنحها انتعاشة عاطفية، ولو مؤقتة، في ظل غياب الالتزامات الاجتماعية. الرواية تطرح أسئلة الحرية، والاغتراب، والانعتاق من العقد، دون أن تغفل عن قسوة الواقع الذي يعاود اقتحام الحياة عند نهاية الإجازة.
رواية الخمر واللذة الجنسية بامتياز.
2. "سرداب النسيان"
تتخذ الرواية منحًى أكثر قتامة وتعقيدًا، إذ تقابل بين شخصيات مهتزة نفسيًا تمثّل السلطة، وأخرى متوازنة تجسد المعارضة أو مقاومة القهر. المحجوب، الشخصية المحورية، يظهر منذ البداية كمريض نفسي عبر فعل الاستبطان. إذ يعاني من هواجس مَرَضية منذ تقاعده، نتيجة لتفكك أسرته واغتصابه سابقًا، وهو ما جعله يعيد إنتاج العنف ذاته، داخل السلطة وخارجها، محميًا من المؤسسة التي ينتمي إليها.
أما سعاد، فتمر بمراحل متناقضة: من التوازن إلى السقوط في الفساد، ثم النهوض والمواجهة. شخصية المحجوب تهدد توازنها وتدفعها إلى الحسم. في المقابل، يمثل ناصر وطارق نماذج للتوازن النفسي بفضل تدينهما، لكن السلطة – المتمثلة في المحجوب – تسحقهما، ما يؤدي إلى مقتلهما.
الروائي يوظف لعبة التخييل بذكاء: الرواية التي نقرؤها هي نفسها رواية "سرداب النسيان" التي تؤلفها سعاد داخل النص، مما يخلق تداخلًا سرديًا بين الكاتب الواقعي والكاتبة المتخيلة. حتى الأسماء، مثل "المحجوب" و"سعاد"، مشحونة بدلالات رمزية: الحجاب والطمس من جهة، والطمأنينة والفرح من جهة أخرى.
3. "صهوة السراب"
أما الرواية الثالثة، والتي لم أتمّ قراءتها بعد، فبطلتها أنثى عالقة في دوامة الاستلاب. منذ طفولتها، لم تكن سوى بضاعة تتنقل من يد إلى أخرى، بدون أن تتمكن من التعبير عن ذاتها. التحاقها بمدرسة عسكرية في الحاجب أدى إلى تعرّضها لاعتداء جنسي، وكان هذا جزءًا من سلسلة انهيارات متواصلة، تعود جذورها إلى الأسرة المفككة، والأم التي تركت زوجها لتلتحق بضابط عسكري، فانهارت الروابط الأولى للبنت.
الرواية تتوقف – لحظة توقفي عنها – عند مشهد البطلة في باخرة عائدة إلى المغرب لحضور جنازة والدها، حيث تبدأ في كشف خيوط شخصية فؤاد المتخفي عبر حوارها مع صديقة الطفولة.
الخلاصة المؤقتة:
ما بين شخصيات مخمورة، وأخرى مختلة، وثالثة مستلبة، تتقاطع هذه الروايات الثلاث في رسم صورة معقدة عن الإنسان المغربي المعاصر، الممزق بين سلطات خارجية وداخلية، بين حلم مستحيل وواقع خانق. إنها ليست فقط مرايا للألم، بل دعوات لقراءة هذا الألم، لفهمه، وربما لمداواته. غير أن فعل القراءة ذاته، في ظل هذا الثقل الوجودي والنفسي، لا يخلو من كلفة. إذ لا يكفي أن نقرأ، بل نحتاج أحيانًا أن نتوقف، لنتأمل ما قرأناه، أو لننجو من أثره.
**
في مرآة الحطام: قراءة في وجوه السرد المتصدعة:
البداية
في تجربة قرائية موازية، وجدتُ نفسي غارقًا في ثلاث روايات في آن واحد. أكملت اثنتين، وبلغت منتصف الثالثة قبل أن أتوقف، مثقلًا بإحساس غامض بالتعب، لا بسبب اللغة أو الأسلوب، بل بفعل الحمولة النفسية السلبية التي بثّتها في داخلي هذه الأعمال. فقد تشابهت في تقديم عوالم مأزومة وشخصيات مهشّمة، بعضها مدمَّر من الداخل، وبعضها سحقته قوى قاهرة خارجية، غالبًا ما تتجسّد في السلطة وأدواتها. ورغم وجود شخصيات إيجابية متوازنة هنا وهناك، إلا أنها تبقى ومضات عابرة في ظلمة عامة. ولعل ما قاله الدكتور معتوق عن أن نصف المغاربة يعانون اضطرابات نفسية يجد صداه في هذه الأعمال، إذ تشكّل هذه الروايات مرايا مشروخة تعكس وجوه الانهيار النفسي الجمعي في مجتمع تختلط فيه السلطة بالقهر، والحلم بالعطب.
عن الروايات بششكل مقتضب:
1. "بعيدًا عن بوقانا"
تقوم هذه الرواية على شخصيتين محوريتين: كاتب قادم من ألمانيا، ينوي كتابة رواية في الريف المغربي، وزليخة، المطلّقة والأم لطفلين، التي تصبح رفيقته خلال فترة إقامته. ما يلفت الانتباه أن الروائي يمضي أغلب صفحات الرواية في حالة سُكر دائم، كأن الخمر صار امتدادًا لذاته، وعدد القناني التي يستهلكها يصل حدًّا مبالغًا فيه، مما يكشف عن خلل داخلي وفشل في التكيّف مع الواقع المحيط.
أما زليخة، فتمثّل مرآة الحرمان الأنثوي؛ امرأة لُعنت صورتها في عين نفسها، وبصقت على انعكاسها. غير أن اللقاء بالروائي يعيد إليها شيئًا من الثقة، ويمنحها انتعاشة عاطفية، ولو مؤقتة، في ظل غياب الالتزامات الاجتماعية. الرواية تطرح أسئلة الحرية، والاغتراب، والانعتاق من العقد، دون أن تغفل عن قسوة الواقع الذي يعاود اقتحام الحياة عند نهاية الإجازة.
رواية الخمر واللذة الجنسية بامتياز.
2. "سرداب النسيان"
تتخذ الرواية منحًى أكثر قتامة وتعقيدًا، إذ تقابل بين شخصيات مهتزة نفسيًا تمثّل السلطة، وأخرى متوازنة تجسد المعارضة أو مقاومة القهر. المحجوب، الشخصية المحورية، يظهر منذ البداية كمريض نفسي عبر فعل الاستبطان. إذ يعاني من هواجس مَرَضية منذ تقاعده، نتيجة لتفكك أسرته واغتصابه سابقًا، وهو ما جعله يعيد إنتاج العنف ذاته، داخل السلطة وخارجها، محميًا من المؤسسة التي ينتمي إليها.
أما سعاد، فتمر بمراحل متناقضة: من التوازن إلى السقوط في الفساد، ثم النهوض والمواجهة. شخصية المحجوب تهدد توازنها وتدفعها إلى الحسم. في المقابل، يمثل ناصر وطارق نماذج للتوازن النفسي بفضل تدينهما، لكن السلطة – المتمثلة في المحجوب – تسحقهما، ما يؤدي إلى مقتلهما.
الروائي يوظف لعبة التخييل بذكاء: الرواية التي نقرؤها هي نفسها رواية "سرداب النسيان" التي تؤلفها سعاد داخل النص، مما يخلق تداخلًا سرديًا بين الكاتب الواقعي والكاتبة المتخيلة. حتى الأسماء، مثل "المحجوب" و"سعاد"، مشحونة بدلالات رمزية: الحجاب والطمس من جهة، والطمأنينة والفرح من جهة أخرى.
3. "صهوة السراب"
أما الرواية الثالثة، والتي لم أتمّ قراءتها بعد، فبطلتها أنثى عالقة في دوامة الاستلاب. منذ طفولتها، لم تكن سوى بضاعة تتنقل من يد إلى أخرى، بدون أن تتمكن من التعبير عن ذاتها. التحاقها بمدرسة عسكرية في الحاجب أدى إلى تعرّضها لاعتداء جنسي، وكان هذا جزءًا من سلسلة انهيارات متواصلة، تعود جذورها إلى الأسرة المفككة، والأم التي تركت زوجها لتلتحق بضابط عسكري، فانهارت الروابط الأولى للبنت.
الرواية تتوقف – لحظة توقفي عنها – عند مشهد البطلة في باخرة عائدة إلى المغرب لحضور جنازة والدها، حيث تبدأ في كشف خيوط شخصية فؤاد المتخفي عبر حوارها مع صديقة الطفولة.
الخلاصة المؤقتة:
ما بين شخصيات مخمورة، وأخرى مختلة، وثالثة مستلبة، تتقاطع هذه الروايات الثلاث في رسم صورة معقدة عن الإنسان المغربي المعاصر، الممزق بين سلطات خارجية وداخلية، بين حلم مستحيل وواقع خانق. إنها ليست فقط مرايا للألم، بل دعوات لقراءة هذا الألم، لفهمه، وربما لمداواته. غير أن فعل القراءة ذاته، في ظل هذا الثقل الوجودي والنفسي، لا يخلو من كلفة. إذ لا يكفي أن نقرأ، بل نحتاج أحيانًا أن نتوقف، لنتأمل ما قرأناه، أو لننجو من أثره.