نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

براعة السرد في "سيرك الحيوانات المتوهمة" لأنيس الرافعي، وأهمية المونولوغ والتناص فيه.

التشظّي وهم الكتابة في "سيرك الحيوانات المتوهّمة":


حظيت أعمال المبدع أنيس الرافعي باهتمام نقدي لافت، تجلى واضحا في دراسات وقراءات عميقة أنجزها مبدعون ونقاد وباحثون*، وهو ما تؤكده المتابعة الدقيقة لمساره الإبداعي، ولا سيما في عمله المتوَّج بجائزة الملتقى: سيرك الحيوانات المتوهَّمة. وقد استعنتُ ببعض هذه القراءات لا من باب الاتكاء أو الاستعاضة، وإنما لتذليل صعوبات القراءة، ذلك أن كتابة الرافعي تتطلّب قدراً كبيراً من الجهد والمثابرة، وإعادة القراءة بوصفها شرطاً أساسياً للإمساك بدلالاتها الثاوية والمضمرة، لما تنطوي عليه من خصوبة دلالية وتعقيد بنيوي لا تخطئه العين.
وهذا الكتابُ كما قال عنه صاحب التقديم، شيق، وثري، وفريد؛ كتاب سبِك بقوة ورصانة وطرافة، وكتب بلغة رفيعة وخيال خصب. تقوم اللعبة السردية فيه على الإبهار؛ حيث يصاغ عالم من الخيال المدهش الذي ينتزع القارئ من رتابة واقعه ليقذفه في أتون هذا العالم العجيب، ليس لمجرد التسلية، بل لخلق دهشةٍ واعية لا تفصله عن واقعه ولا تتركه سلبياً.
إن القوة الكامنة في هذه الشذرات القصصية تدعو للتفكير والتأمل والاعتبار، بعيدا عن الاسترخاء أو الاستسلام أو الخدر؛ فالمحرك الأساسي هنا هو خلق عالمٍ مواز للواقع المادي، أو بالأحرى إعادة خلق هذا الواقع بطريقة مغايرة تماماً، تظل متصلةً بجذوره الأساسية.
تتحدى هذه القصص وعي القارئ وتزعزع لديه أعراف التلقي التقليدية، إذ يظل الواقع متواريا يتحين فرصة خروج القارئ من لحظة الانبهار، ليسائله بعد استعادته ذهنيا وفنيا وجماليا. حينها فقط، يبدأ القارئ رحلة البحث عن أجوبة محتملة لأسئلة النص القلقة، وبخاصة السؤال المركزي الذي يصفع الوعي: من المسؤول عن الظلم؟" وخلفه سؤال خفي يتعلق بالسرد نفسه.
وقبل ذلك يطرح السؤال الافتتاحي التالي:
ما الذي يجمع بين الإهداء والعنوان؟
لا يطرح هذا السؤال بوصفه مدخلا شكليا، فهو أبعد من أن يكون كذلك، بل باعتباره عتبة كاشفة. فالإهداء، على بساطته الظاهرة، لا يؤدي وظيفة مجاملة أو تحية عابرة، بل ينفتح على منطق داخلي يجاور العنوان ويتواشج معه. حين يهدى العمل إلى هناء علي البواب، فإن الإشارة لا تتوقف عند كونها شخصا ماديا وواقعيا أو فاعلة في حقل النشر، بل تتقدم بوصفها شاعرة، أي كينونة تقوم في منطقة التخييل قبل أي توصيف آخر. من هنا يبدأ الخيط الذي يشد الإهداء إلى العنوان دون تصريح. وهذا الخيط هو الخيال؛ فالشعر لا يحيا من دونه كما الكتابة السردية وكما متضمن العنوان وما يحمله من دلالات ترتبط بالخيال، كيف ذلك؟
يحمل عنوان «سيرك الحيوانات المتوهّمة» توترا دلاليا مركزيا: واقع يستدعى بوضوح عبر السيرك والحيوانات، ثم يخلخل من الداخل بكلمة «المتوهّمة». لا يقصد بالتوهّم هنا نقيض الحقيقة، ولا يستعمل بوصفه خللا إدراكيا أو توصيفا مرضيا، بل كحالة وجودية كاملة. 1 فالتوهّم في هذا العمل ليس طارئا على العالم، بل شرطا من شروط ظهوره.
يتأكد ذلك حين يفصح النص عن طبيعة هذه الحيوانات التي لا تستقر على صورة ولا تعرض للفرجة بوصفها موضوعا مكتملا، بل بوصفها حضورا زئبقيا منفلتا باستمرار: «من خصائص حيوانات هذا السيرك أنها لا فرجوية… بل من أجل اكتساب هوية شبحيّة». هكذا، يتجاوز التوهم بعد النقص في الوجود، ليصير شكلا آخر من أشكاله، يصيرحضورا بلا مركز وبلا يقين بصري.

ومن هذا الأفق يمكن رد الإهداء إلى منطقه العميق. فالشعر، شأنه شأن السيرك في هذا العمل، لا يقوم على إعادة إنتاج الواقع، بل على زحزحته، وعلى كشف ما يتوارى خلف صورته المستقرة. هكذا يلتقي الإهداء والعنوان في منطقة واحدة: منطقة ينفتح فيها الواقع على خياله، ويتخلى عن صلابته المطمئنة.
من هنا، لا يمكن التعامل مع «سيرك الحيوانات المتوهّمة» بوصفه نصا سرديا تقليديا وعملا معتادا ورتيبا؛ فالحكاية لا تتقدم فيه، ولا تبنى بالشكل التقليدي ووفق عموديته؛ فهي مجموع شذرات وحقيبة رسومات، كما أنها لاتتراكم سيرا باتجاه خاتمة ما، بل تتشظّى، ويزيد من واقع التشظي تعدد الأصوات والشخصيات. 3
نتبين، إذا، وفق هذا التصور، أن الشذرات لا تؤدي وظيفة التمهيد ولا الخلاصة، بل تقوم مقام العالم نفسه، عالم بلا خطّمستقيم ولا سردية جامعة. لا شيء يقود إلى شيء، ومع ذلك لا شيء يقع خارج شبكة العلاقات الرمزية التي تنسجها الكتابة.
أما عن القراءة في هذا المضمار فلا يمكن عدها مجرد عملية تلق سلبي بقدر ما هي انخراط مضني في التركيب. كما أن القارئ فيها ليس سلبيا ومنفعلا وإنما يلقى داخل السيرك، ويترك ليختبر ارتباكه الخاص. وفي قلب هذا الارتباك، ينتصب السيرك بوصفه صورة مكثفة لعالم فقد مركزه، واستبدل النظام بالفوضى والتشظي، كما استبدل الثبات بالدوران.
وعليه،فإن قارئ هذا النص حيث الحيوانات المؤنسنة لا تعيش الزمن، ولا تصنعه بقدر ما تعيش صراعا على هامشه، مدعو إلى إدراك أن هذا الصراع يحيل على إشكالية أكبر تتمثل في السلطة الزمنية وما تكرسه من استبداد واستعباد على اعتبار أن الزمن هو مظهر نفسي لا مادي، ومجرد لا محسوس، ويتجسد بمدى الوعي به، من خلال ما يتسلط عليه بتأثير الخفي غير الظاهر، لا من خلال مظهره في حد ذاته. 5
في هذا العالم، تنقلب المواقع دون إعلان. الحيوان يكتسب صوتا ووعيا، بينما يتراجع الإنسان إلى موقع ملتبس، تتآكل فيه مزاعمه القديمة. لا يجري هذا الانقلاب بوصفه مفارقة طريفة، بل ككشف قاسٍ. يبلغ هذا القلب والتحول ذروته حين يعاد توزيع مفهومي الفردوس والجحيم نفسيهما: «الفردوس: سيرك متوهّم، يتقمّص فيه البشر أدوار الحيوانات» (ص 60)، و«الجحيم: تعيش فيه الحيوانات بين حشود البشر المتوهّمة، في ظل قانون طوارئ يلغي نهائيًا فكرة السيرك» (ص 61). في الحالتين، لا خلاص خارج الفرجة، بل إعادة إنتاجها بأقنعة مختلفة.
لا يظهر الحيوان خارجا عن منطق الإنسان، وإنما يظهر بوصفه ما أُقصي داخل ذاته وتم إبعاده وتهميشه. هو عودة المكبوت، ومرآة الانقسام الداخلي. وحين يتحول السارد نفسه إلى حيوان، فهو يظهر لا بوصفه مسخا فانتازيا وإنما بكونه تحققا باهتا لهذا الانكشاف: «لمستُ أرنبًا فاستحلتُ من فوري أرنبًا… أرنبًا داخل سيرك، تحديدًا» (ص 252). لا تمنح هذه الاستحالة هوية جديدة، بل تسحب الامتياز القديم، وتضع الذات في موضع القابل للتداول، للعرض، وللاستبدال.
من هذا التصور، لا يعود اختيار الشذرة مسألة تقنية، بل ضرورة رؤيوية، تقرأ المستقبل متخذة سمت الكهان دون أن يعني ذلك تشغيل آلياتهم الخرافية. فلم يعد التشظي خيارا جماليا، بل صار استجابة لعالم لا يقبل الاكتمال. ومع ذلك، لا يسير النص باتجاه الفوضى، بل يشيد انتظامه الهش الخاص، انتظاما يعترف بطبيعته المؤجلة: «كل كتابة لا ترغب في أن تنتهي… النص الخرائطي الذي لا يبتغي أن يعثر على خريطته على الإطلاق». لا خريطة تمنح، ولا مسار يقترح، بل تيه مقصود وسكن في منطقة المتاهة والانضباط لقوانينها بحثا عن مخرج ممكن.
لهذا تعاند الكتابة فكرة الخاتمة. فالنهاية، كما تفهم تقليديا، تعد باستعادة النظام قبل أن يختل، وتبشر بالانسجام، وهذا ما ما لايقبله النص بل يسعى إلى فضحه وتبيان زيفه وشكلانيته الهشة. وحتى حين يلوح بإمكانية الإغلاق، فإنه يفعل ذلك عبر صورة مراوغة لا تطمئن: «لنأمل أن يكون ختام هذا السيرك على شكل حريق كبير… ثم هطول غزير للأمطار فوق رماد الحريق» (ص 111). ليست هذه نهاية، بل تعليق أخير على وهم النهاية نفسها.
هكذا نجد أن النص لا يترك قارئه سلبيا يتلقى من دون أن يكون له أي دور بل يورثه شكه، ويدفع إليه أسئلته دون وساطة، فكما أن للقارئ أسئلته، فإن للعمل أسئلته هو الآخر من قبيل: سؤال المسؤولية، سؤال التواطؤ، سؤال الفرجة: من يشاهد؟ من يصمت؟ من يشارك؟ أسئلة لا تطرح ومن بعد تقدم الأجوبة المسكنة، بل لتستقر في الوعي، وتواصل عملها بعد انطفاء آخر صفحة.
وخلف هذه البنية المتشابكة لهذا العمل العجيب يطلّ وعي مثقل بثقافة قرائية طويلة، لا يتباهى بمخزونه، بل يتحرك من داخله. وعي يعيش توتره مع العالم واللغة في آن، فلا يتعامل مع المرجعيات بوصفها زينة نصية، بل كطبقات خبرة تتسرب إلى الكتابة وتعيد تشكيل نظرتها إلى الواقع. فالنصوص في هذا المجال لا تستدعى الأخرى للعرض، بل لتأكيد الإقامة داخلها، كأن الواقع نفسه لا يرى إلا عبر وسائط متراكمة. ومن هذا الموقع، لا ينتج النص يقينا، ولا يسعى إلى قول أخير، بل يفضل الارتياب مقاما، والسؤال شكلا، والاحتمال أفقا مفتوحا، حيث تغيب الأجوبة المستقرة لصالح قلق لا يتوقف عن التفكير.
يشتغل أنيس الرافعي في أفق الجماليات النصية المفتوحة على قراءات متعددة ومركبة، والتي تحتاج إلى قارئ أريب له مرجعية معرفية بحقول فنية ودلالية متعددة. هذه الحقول التي يعمل الكاتب على إذابتها، فيبدو بذلك كما لو أنه صائغ حلي بارع يريد منها على الدوام أن تبهر من تقع في يده. فهو غالباً ما ينطلق في كتبه السردية من تيمة واحدة تتفرع وتتشعب وفق بناء نسقي متماسك ومعمار سردي شديد الدقة. إن كتابة الرافعي بقدر ما هي نقل لواقع متعدد الطبقات والثنايا، هي أيضاً دعوة إلى التأمل في ما آل إليه الإنسان الراهن في حياته الجديدة، بكامل غموضه وتفككه وعقده وهواجسه وأوهامه، الإنسان اللامطمئن والقادر في الآن ذاته على مواجهة أهوال الحياة الجديدة بسخرية. 4
يمكن النظر إلى «سيرك الحيوانات المتوهّمة» بناء على ما سبق بوصفه تجربة كتابة تنقل القارئ من منطق القراءة السلبية والباردة إلى منطق المشاركة الفعلية المشمولة بحرارة التفاعل، حيث يصبح التأويل جزءا من بنية النص نفسها. إنه عمل لا يمنح الطمأنينة، ولا يعد بالمعنى النهائي، بل يضع القارئ أمام مرايا متقابلة، يرى فيها تشظي العالم وتشظي الذات في آن واحد. ومن هنا تنبع فرادته، بوصفه نصا لا يكتفي بتفكيك الواقع، بل يجعل من الكتابة نفسها فعلا وجوديا.
**
• من أمثال: محمد علوط، وإبراهيم أبويه، ومحمد سليم عبد السلام، وعبد الرحيم الخصار، ومصطفى الحسناوي، ومحمد العسري، وعتيقة الهاشمي...
1_ معجم المعاني.
2_ من أشعار هناء علي البواب هذه القصيدة التي تحمل دلالة تجعلها تتقاطع وعمل أنيس الرافعي في كونهما ينهضان على التمرد، فعمل انيس يتأبى على التصنيف الأجناسي؛ فهو سرد، وكفى، ولك حرية وضعه في الخانة التي تلائم قراءتك له، تقول هناء في قصيدتها المتمردة،وهذا لإلقاء المزيد من الضوء:

وأحاط بالكف السّوارْ
وتشردتْ دررُ المحارْ
واصفرّ وجهُ الشمسِ من خجلٍ
ومات البدرُ
وانطفأت شموعُ السرمد المجهولْ ....
وانتحرتْ تعابيرُ الطفولة في أسى خلف الضباب
ودعيتُ للحفل الأخيرْ....
أنا شاعرٌ وعليّ نظمُ قصائدي
وعلى الحضور الاستماعْ
لا بأسَ في شيءٍ من التصفيق.... والتهليلِ
والإكبارْ
لم لا...؟؟؟
هذي القصيدةُ رائعةْ
متخضبةْ
كعروس ِ حفلكم الموقرْ
..
4و3_ يؤكد الشاعر عبد الرحيم الخصار أهمية التجريب لدى الشامان أنيس قائلا: جهده الدؤوب واعتكافه طوال ثلاثة عقود في ورشة #التجريب_السردي، فقد اختار منذ انطلاقته أن يكتب نصاً أدبياً يمتح من #مرجعيات_ثقافية كبرى، وينحاز إلى أحدث #تقنيات_الكتابة، قاطعاً علاقته مع الصيغ الكلاسيكية للقصة العربية. وقد راكم داخل ورشته التجريبية أكثر من 17 عملاً سردياً تدل عناوينها على منحاه التجديدي في الكتابة: "ثقل الفراشة فوق سطح الجرس"، "هذا الذي سيحدث في ما مضى"، "مستودع الأرواح البديلة"، "اعتقال الغابة في زجاجة"، "متحف العاهات"، "خياط الهيئات"، "مصحة الدمى"، "أشياء تمر من دون أن تحدث"، وغيرها من الأعمال التي يحس قارئها أن الرافعي يحمل القصة القصيرة أكثر مما يتوقع القارئ. إنها بالنسبة إليه ليست حكاية موجزة مفتوحة بين يدي القارئ ومتاحة له على النحو الذي ينتظر، بل هي مادة غامضة ومتمنعة، صنعت بذكاء وبمكر أيضاً، وهي تحتاج إلى أن يتعب قارئها قليلاً مثلما تعب كاتبها. إن التجربة الحياتية للإنسان الراهن بالغة التعقيد والعمق، وعلى النص الأدبي الجديد أن ينقل هذه التجربة بالتشعب ذاته.
5_ عتيقة الهاشمي، بلاغة السخرية في النص السردي: «سيرك الحيوانات المتوهمة» لأنيس الرافعي، جريدة الاتحاد الاشتراكي،
بتاريخ : 12/01/2024
يقول عمر العسري، في مقال له منشور بمجلة نزوى،https://www.nizwa.om/سيرك-الحيوانات-المتوهمة-لأنيس-الرافع/ عن التكامل بين الحكاية والرسوم:
فالهيئة الحكائية تكتمل بالرسوم المجاورة، وتتوثق عبر أجسام الحيوانات وأشكال الحشرات. وهذه الثنائية هي من تشرك المتلقي في وقائع السيرك وأحداثه، وتجذبه إلى واقع من اللعب والفرجة والمصير.
ويضيف: الفرق الأهم الآخر هو تمييز هذه الحكايات أو القصص عن سابقاتها في خلوها من أي أمثولة أو مثل، وهذا يحيل إلى اعتبار «سيرك الحيوانات المتوهمة» مجموعة أنشطة، بمعنى أن الحيوانات لا تتحول إلى نماذج قياسية، وإنما تحاور نفسها وتسرد واقعها، وتتخذ موقفا من وجودها المتبدل باستمرار.

**
تقوم استراتيجية المونولوج في سيرك الحيوانات المتوهَّمة على تحويل الحيوان من كائن معروض إلى ذات ناطقة من الداخل من بطنها، لا يروم حيوان العمل التوجه إلى الآخر بل الاكتفاء بذاته، وبهذا الشكل يصير صوتا داخليا معزولا، وكثيفا، ومشحونا بالتوتر. غاية هذا الصوت لا تكمن في تحقيق التواصل بل في التعبير عن الشهادة: شهادة الكائن على ذاته، وعلى وضعه داخل السيرك/العالم. ومن هنا فان المونولوج يصير ضرورة جمالية بعيدا عن أن يكون حيلة/حلية شكلية؛ لأن الحيوان، بوصفه شخصية بكماء في العالم الخارجي، لا يمكن أن يمنح الكلام إلا إذا جرد من شروط المخاطبة. ومن ثمّ، يغدو الصوت الداخلي هو المجال الوحيد الممكن لظهور الذات، حيث تُقال الحقيقة دون وساطة، ودون رقابة الفرجة. هكذا تتأسس شعرية الشخصية البكماء: شخصية لا تتكلم لأنها عاجزة، بل لأنها مقصاة، ومهمشة، ومصادرة الصوت، فلا تجد إلا الداخل فضاءً للقول لذا تتخذ ذاتها متكلما ومحاورا. إن المونولوج، بهذا المعنى، ليس تعبيرا عن فردية معزولة، بل عن كائن محاصر داخل قفص الوجود، فلا يسمعه أحد، حتى حين يتكلم. وما أصعب أن لا تجد منصتا، والأمر ألا تتمكن من التعبير بكل حرية، أن تسمع صوتك مكسرا دائرة المنع ومتجاوزا الخطوط الحمراء الوهمية. وتزداد الأمور مرارة حين تصاب الذات المتكلمة بلوثة الرقيب الداخلي.
تنهض العلاقة بين الصوت الداخلي والسيرك على مفارقة حادة وجارحة: فاذا كان السيرك فضاء للضجيج، وللحركات المبالغ فيها، وللفرجة الصاخبة، فان المونولوج ليس سوى صوت خافت، وفردي، وغير قابل للتداول. نت هنا يكشف التعارض الوظيفة الاستعارية للحيوان، الذي لا يقدم بوصفه حيوانا طبيعيا، وانما بوصفه إنسانا ساكتا؛ لأنه حين جرد من لغته العمومية، انسحب الى داخله وإلى الكلام الداخلي. لذا يعد الحيوان هنا لا رمزا مباشرا، وانما قناعا سرديا يسمح بقول ما لا يقال؛ يقول الخضوع، ويعبر عنالإذلال، ويشير الى الخوف، ويبسط الرغبات المكبوتة. هكذايصبح السيرك استعارة كبرى للمجتمع، حيث تعرض الأجساد وتقمع الأصوات، بينما يظل الداخل وحده محتفظا بحق الكلام. وبناء عليه، نلمس تكامل المونولوج مع فكرة السيرك: كلاهما يقوم على الانفصال بين الجسد المعروض والصوت المخفي، ليغدو الحيوان مرآة للإنسان الذي يعيش صامتا، لا لأنه بلا صوت، بل لأن صوته لم يعد مسموعا ومنذ بعيد.

وفي هذا المقام نستحضر فلسفة الحكم لدي بني امية؛ إذ قال كبيرهم وهو يتحدث عن المعارضين؛ من تكلم قطعنا لسانه؛ ومن سكت مات بسمه؛ والسم هو الكلام الذي ظل حبيس النفوس ولم يجد له منفذا للتعبير؛ مما يؤدي تراكمه بصاحبه ألي الخلل النفسي او الموت؛ والترياق المناسب لمثل هذه الالة/الآفة هو الحرية؛ والحرية هي الشرط المفقود في منطقة عربستان. ونستحضر أيضا في هذا السياق، والأمثلة كثيرة، سخرية بعض الفكاهيين الذين ينتقدون السلطة ورعبها من المواطنين، والطريف أن هذا الفكاهي هو من ضمن المحاصرين؛ اذ يشير الى انه حين يتثاءب احدهم تعتقد السلطة انه يريد ان يتكلم فتسارع الي إغلاق فمه؛ فلا صوت يعلو علي صوتها بل ان صوتها هو الصوت المسموع والوحيد ومن اعترض عليه فله السوط لا الصوت
.
**


جمالية السيرك: أبعاد التجريب، والتناص، وقلق الوجود في سيرك الحيوانات المتوهَّمة:

لعل نقطة الارتكاز في سيرك الحيوانات المتوهَّمة تتمثّل في السؤال الجوهري الذي ينهض عليه المتن: من المسؤول عن الظلم؟ أهي السلطة وحدها، أم الجماهير المشاهِدة، أم هما معاً؟ غير أنّ العمل لا يسعى إلى تقديم إجابة جاهزة أو صيغة أخلاقية نهائية، بقدر ما يشتغل على صناعة واقع رمزي موازٍ، يقول الواقع دون أن يسمّيه، ويترك القارئ حرّاً في بناء فرضياته، بما ينسجم مع أفق انتظاره، دون أن يتدخّل النص بسلطة وصائية تفترض القارئ كائناً قاصراً. إنّه نص يعامل قارئه بوصفه شريكاً في إنتاج المعنى، لا متلقياً سلبياً.

ويتجلّى البعد التجريبي في هذا العمل لا باعتباره مغامرة شكلية، بل خياراً بنيوياً واعياً يمسّ مفهوم الكتاب نفسه. فالنص لا ينتظم في حبكة تقليدية، تعتمد التسلسل السببي، والخطية المكررة التي تففضي إلى نهاية سعيدة، بل يتشكّل من شذرات ومونولوجات ومقاطع تتجاور داخل فضاء سيركي، بما يحوّل الكتاب إلى ما يشبه «حقيبة رسومات ومنولوجات»، مفتوحة على المصادفة والاحتمال. في القطعة «تشاكل وتخارج» يعلن النص منذ البدء انفصاله عن منطق الحكاية الخطية، وانحيازه إلى بناء فسيفسائي يراكم الدلالات بدل أن يصرّح بها، ويتعزّز هذا المنحى في «مهرجان طقوسي»، حيث تتحوّل الكتابة ذاتها إلى عرض، ويغدو السيرك استعارة للكتابة وللعالم معاً.

كما يتعزّز هذا الاختيار التجريبي عبر تزاوج الكتابة بالرسم، حيث لا تؤدّي الرسومات وظيفة تزيينية أو توضيحية، بل تنخرط في إنتاج المعنى بوصفها امتداداً دلالياً للنص، تكتب بالصورة ما يعجز عنه السرد. نلمح، هنا، تداخل الخطوط واللغة في كيان واحد يؤدي وظيفة العلامة، ويضع القارئ أمام بنية لا مركز لها، ولا سلطة تأويلية متعالية تتحكّم في مسارات الفهم.

ولا ينفصل هذا التجريب عن الرهان الدلالي، إذ يشكّل الحيوان جهازاً رمزياً مركزياً باعتباره منطقة التباس. ففي «شطر غير مخلوق» ص 24 يرد أنّ «الحيوان هو الجزء غير المخلوق من الإنسان»، وهي عبارة تخلخل التقابل الأخلاقي البسيط بين الضحية والجلاد، وتكشف عن تواطؤ خفيّ بين المُروِّض والمتفرّج، بين من يمارس القمع ومن يشارك في استدامته، كما في «تحالف خفي». ص 26.

ويشتغل هذا التصوّر ضمن شبكة تناصّية كثيفة، في مقدّمتها التناص مع «النمور في اليوم العاشر» لزكريا تامر، حيث لا يُعاد إنتاج فعل الترويض في صيغته الخطّية التي مكنت المروض في تغيير طبيعة النمر من لاحم إلى عاشب، بل يُفكَّك بوصفه حالة ذهنية مستبطنة. ففي (6) «أرواح محتجزة» نجد كائنات تواصل الأداء رغم وعيها بزيف العرض، وهو ما يحوّل الترويض إلى بنية داخلية لا تحتاج إلى سياط أو أقفاص وهنا تمكن مغايرة العمل لقصة "النمور في اليوم العاشر" فالمحاورة لا تعد تكرار بل تجديدا من خلال وعي جديد يحضر في عمل المحاور.

كما يحاور كل الاعمال التي تنتقد الدولة الشمولية ، وتكمن براعة السيرك في تحويل المراقبة إلى فرجة. ففي إحدى المحطات اللغوية يخشى السارد لحظة اختفاء الحيوانات من السيرك؛ لأن اختفاءها يهدد العرض بالفراغ. وهكذا يغدو السيرك معادلاً رمزياً لـ«غرفة 101»، حيث لا يُعاد تشكيل الجسد فقط، بل تُشوَّه الغرائز، ويُضلَّل الحيوان عن أوصاره الأولى.

ولا يقلّ حضور التناص مع كتاب الحيوان للجاحظ وكليلة ودمنة أهمية، غير أنّه حضور قائم على المخالفة لا الامتثال. فالحيوان هنا لا يقدّم حكمة ولا عبرة جاهزة، بل يتحوّل إلى «حيوان منولوجي» يتكلّم من داخل عزلة وجودية. ففي (16) «رسّام الأرواح» تُستدعى كليلة ودمنة بوصفها فضاء خرجت منه الأرواح لتدخل سيرك الحياة المعاصرة، حيث تختلط الأدوار، وتفقد الحدود بين الصياد والفريسة معناها.

والحديث عن التناص يستضمره قول الكاتب حين قال: أنا مجموع حيواناتي، ويمكن اعتبار القولة عتبة دالة في هذا المجال، وتحويرها ممكن لتصير: كتابي هو مجموع كتاباتي السابقة واللاحقة ومجموع ما قرأته حتى اللحظة الراهنة، على اعتبار أن أي نص لا يمكن أن ينفك من شبكته التي ينتمي إليها، فهو وليدها ومولدها، إنه لا يقف عند عتبة الاسترجاع، بل يذهب بعيدا بفضل الهضم الذكي إلى إنتاج ما يعبر عنه ويشكل إضافة في هذا المجال. إنه عنترة بعد حيرته يدخل غمار الشعر بصوته الخاص وبصمته المميزة، وهو المتنبي الذي رأى الأعمى أدبه، أي إنه ذلك المبدع الذي يعيد ترتيب الكلمات والأشياء وفق إيقاعه الخاص ونظرته المختلفة، ورؤيته المميزة لمعنى الكتابة. فالرجل يولد الجديد من الأدوات السابقة ويصنع أدواته التي بها يقتحم عالمه السردي العجيب.

بهذا المعنى، لا يقدّم سيرك الحيوانات المتوهَّمة أجوبة عن المسؤول عن الظلم، لأنّ السؤال ذاته جزء من اللعبة السردية. فالتجريب هنا وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، أداة لتحرير المعنى من وحدته القسرية، وبناء فضاء رمزي تتجاور فيه أصوات زكريا تامر وجورج أورويل والجاحظ وابن المقفّع، وبيكيت ونيسته وبورخيس... دون أن تتحوّل إلى مرجعيات سالبة لحرية الإبداع والتجديد، فهي مجموع بهارات لتجويد الكتابة وتجديدها. إ نص "سيرك الحيوانات المتوهمة" نص يضع القارئ في قلب السيرك ويورطه فيه، حتى يواجه حيواناته المتوهَّمة، بوصفها المرآة الأكثر قسوة لواقع مشوَّه نشارك جميعاً، بدرجات متفاوتة، في إعادة إنتاجه
.
 
التعديل الأخير:

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى