نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

من وحل الذكرى

من وحل الذكرى
**

مرّ أمامي رجل مسرع، فاهتز ماء قديم في داخلي. كنت أجلس في المقهى أواجه حائطا تتجاور عليه صور كبيرة. ابتسامة مارلين مونرو معلّقة في هواء لا ينتهي، يدها تمسك بتنورة لا تكف عن الارتفاع. إلى جوارها، في إطار أبيض وأسود، يجلس ونستن تشرشل، سيجاره ثابت بين أصابعه، وعيناه غارقتان في حساب بعيد. وعلى طرف الصف يبتسم جورج كلوني ابتسامة واثقة، كأن الضوء يعرفه بالاسم.
كنت أتنقل بين تلك الوجوه وبين شاشة حاسوبي. أخبار تتبدل بسرعة، وصور تحل محل صور...
حين مرّ الرجل، لم أتبعه بنظري أول الأمر. لكن خطوته السريعة، انحناءة كتفيه، شيء غير محدد، دفعني إلى ساحة مدرسةٍ قديمة. كنت صبيّا أقف بين فتى نحيل وصبيّ أقوى منه.
كان القوي يقرّبه من الجدار القصير قرب الملعب، يبتسم ابتسامة ماكرة، ويداه تتحركان بثقة من اعتاد ألا يسأل عما يفعل. لم أطق المشهد، فدفعته بعنف مشوب باشمئزاز بعيدا. تعثّر… نهض… ثم نظر إلي كما لو أنني انتزعت منه امتيازا، أو كأني حرمته من لهاية تعود عليها. منذ ذلك اليوم صار ينتظرني.
عند الباب،
في الممر،
خلف الجدار القصير قرب الملعب…
أغيّر مساري فأجده أمامي، كأنه كان يعرف الطريق إلى خوفي. كنا نشتبك أمام جمهور غير عابئ سوى بالفرجة. دفعات سريعة، قبضة مرتجفة، أنفاس متلاحقة. لم أكن أدافع عنه بقدر ما كنت أدافع عن صورة بدأت أصدّقها عن نفسي.
وفي المساء، كنت أتخيّل وسائل تجعل يدي أسبق من يده: خاتما مسننا، سوارا برؤوس حادّة. أدوات صغيرة تعوّض ضعفا لا أعترف به. كنت أتدرّب في الهواء، أجرّب الضربة قبل أن تأتي.
أما الفتى الذي وقفت إلى جانبه، فقد ابتعد بهدوء. بعد أسابيع رأيته يسير إلى جوار خصمي، يتبادلان حديثا عاديا. ضحكته كانت خفيفة، كأن شيئا لم يقع يوما. لم يلتفت نحوي. عندها فهمت أن المعركة لم تكن له. كانت لي وحدي، فحز ذلك في نفسي إذ جلبت لها عداوة مجانية..
توقّفت الاشتباكات كما تتوقّف أشياء كثيرة: حين يجد أحد الطرفين خصما آخر، أو حين يفقد السبب الذي كان يتذرّع به.
في المقهى، عاد الرجل إلى مجال بصري وهو يعبر نحو الباب. هذه المرة رأيت وجهه. التجاعيد واضحة، الخطوة السريعة لا تخفي ثقل السنين. لم يكن يحمل ملامح الفتى الذي عرفتُه، ولا ملامح العدو الذي خشيتُه. كان شخصًا يمضي فقط.
فكّرتُ أن أناديه باسمه القديم. الاسم الذي كنتُ أستحضره قبل النوم.
لم أفعل.
رفعتُ بصري إلى الحائط. مارلين ما تزال تمسك بثوبها. أما تشرشل فما يزال يفكّر. خي حين ظل كلوني كعادته يبتسم للكاميرا التي لا تخونه.
أنزلت عينيّ إلى يدي.
لم تكن ترتجف.
لكنها لم تنسَ.
تابعتُ الرجل وهو يخرج من المقهى، وبقيت في مكاني، كأنني ما زلت أغير مساري كي لا ألتقيه.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى