عبد الرحيم التدلاوي
كاتب
جماليات العنوانات لدى المبدع أنيس الرافعي
**
تعود علاقتي بشامان القصة القصيرة، المبدع أنيس الرافعي، أو بالأحرى قصصه، إلى وقت بعيد؛ فقد كنت على اطلاع جزئي بقصصه التي نُشرت في كتاب جمعها بقصص شكيب عبد الحميد، ومن تقديم القاص الكبير سي أحمد بوزفور. أذكر أنني كنت، ذات صيف، بمدينة أصيلة الجميلة، أتجول في شوارعها، ومررت بالشارع الذي يفصل بين مقهى مكناس ومقهى إفران. هناك لفتت انتباهي خيمة منصوبة تعرض كتبًا بأثمان معقولة، ومن بينها مجموعة أنيس "اعتقال الغابة.." والطريف أنها كانت تُباع ورقيًا وفي قرص مدمج، وبثمن رمزي. لم أكن أحمل معي نقودًا، فأرجأت الشراء إلى وقت لاحق، ولا أعرف إن كنت نسيت المكان أو أنني عدت إلى مدينتي دون تحقيق الرغبة.
ثم مرّ وقت ليس باليسير لأجد نصوصه تحيط بسيارة مركونة بأحد شوارع مدينة الرباط، وكان صاحبها قد تركها محتجًا على احتجازها. كانت قصص أنيس تغطيها كنوع من التضامن، وفي الوقت نفسه للتعريف بقصصه المدهشة؛ كان عرضًا مضاعف المتعة والفائدة. اتصلت به برسالة على علبة الحوار بـ"فيسبوك"، طالبًا منه أن يزودني بقصصه القصيرة جدًا، فأخبرني أنه لا يكتبها. ولست أدري لِمَ وقر في ذهني أن لديه نصوصًا في هذا الجنس؛ ربما لأنني طالعت كتب الناقد جميل حمداوي وهو يشير إلى ذلك، أو لأن نصوصه كانت تُجنس ضمن المينيمالية.
ثم عثرت، بعد بحث مقصود، على عمله المثير "مصحة الدمى". قرأته بإعجاب ودهشة، ولم أجرؤ على مقاربته رغم أنه حرّك فيَّ إثم القراءة النقدية. أرجأت اقتراف هذا الفعل إلى وقت لاحق، ونسيت الأمر إلا مؤخرًا، حين نشر مجموعة من الأعمال الحديثة. رجعت إلى "المصحة" أعالج مرضاها بقراءة بسيطة نُشرت في جريدة "العلم" الثقافي.
وأسعدني الحظ أن أطالع عملَيه الأخيرين، وأؤجل الثالث إلى وقت لاحق، بعد تواصل كريم من المبدع. وهنا توقفت طويلا أتأمل اجتراحه لعناوين غاية في الطرافة والدهشة، وفكرت أن ألامسها بتحليل يجلي بعض جمالها، فكان التالي:
تتحرك عنوانات أعمال أنيس ضمن استراتيجية جمالية تقوم على "المفارقة الصادمة" و"أنسنة الجماد" وتجذير "اللامعقول" في اليومي. غير أن هذه السمات لا تشتغل بوصفها لعبا لغويا صرفا، بل تكشف تصورا عميقا للعالم؛ إذ توحي بأن الواقع نفسه قابل للاختلال، وأن الدلالة غير مستقرة، وأن اللغة ليست أداة طمأنة، بل أداة مساءلة. العنوان عنده لا يكتفي بالتسمية، بل يتحول فخا دلاليا يربك اليقين ويدفع القارئ إلى إعادة ترتيب علاقته بما يقرأ.
ومن جماليات التناقض والقلب الدلالي نلمس ولعا لدى المبدع بكسر التوقعات، كما في "فضائح فوق كل الشبهات". فجمال هذا العنوان لا ينهض على المفارقة فحسب، بل على منحه "الفضيحة" حصانة أخلاقية، فيخلق فجوة توتر بين القانوني والأخلاقي، وبين ما يدان وما يحمى. كأننا أمام عالم اختلت فيه المعايير، حيث يصبح الانكشاف نفسه مبررا. في حين يجسد عنوان "أشياء تمر دون أن تحدث" فكرة العبور الذي لا يترك أثرا وجوديا، وكأنه يشكك في مفهوم الحدث ذاته: هل يكفي أن يقع الشيء ليكون حاضرا في الوجود؟ أم أن العالم صار ينتج وقائع بلا صدى، وحياة بلا أثر؟
ومن جمالية الغرابة يعمد المبدع إلى بناء صور سريالية مدهشة، كما في "ثقل الفراشة فوق سطح الجرس". الدهشة هنا لا تنبع فقط من إكساب الفراشة ثقلًا، بل من تحويل الهشاشة إلى قوة ضغط؛ كأن ما نظنه خفيفا — ذكرى، أو خوفًا، أو فكرة — قادر على أن يثقل وجودنا بأكمله. ويتجلى هذا المنزع بوضوح أكبر في "اعتقال الغابة في زجاجة"؛ حيث يتجاور الاتساع اللانهائي للغابة مع الحيز الضيق للزجاجة، في صورة توحي بمحاولة ترويض الفوضى البدئية أو سجن الحلم داخل نسق مغلق. الزجاجة هي أكبر من مجرد وعاء، إنها استعارة لكل نظام يسعى إلى تطويق اللامحدود، وكل وعي يحاول اختزال العالم في إطار ضيق.
وتتجلى الجمالية أيضًا في المحاكاة الساخرة، والمثال الأبرز عنوان "أريج البستان في تصاريف العميان". الإحالة التراثية هنا لا تستعاد من باب الزينة، بل لتفكيك وهم الإحاطة. فـ"الأريج" — وهو ما يدرك بالحس — يحال إلى "العميان"، في اختلال حسي مقصود يربك منطق الإدراك. العنوان لا يسخر من التراث بقدر ما يسائل فكرة الدليل نفسها، ويكشف هشاشة أي خطاب يدّعي امتلاك العالم وتفسيره بالكامل، بينما أدواته ناقصة.
أما جمالية المسخ، فتتبدى بوصفها مركزا دلاليا عميقا في هذا المشروع. ففي "مصحة الدمى" يصبح الكائن موضوع إصلاح، كأن العطب هو الأصل لا الطارئ. وحيث تصير المصحة هنا اعترافا ضمنيا بأن الحياة ذاتها حالة مرضية تحتاج تأهيلا دائما. أما في "متحف العاهات" فيتحول الألم البشري فرجة جمالية مؤطرة، في أقصى درجات التشييء؛ حيث تستهلك المعاناة بوصفها عرضا. أما "مارستان الأقنعة"، فينقل المسخ من الجسد إلى الهوية، إذ يبرز الجنون في الأقنعة لا في الوجوه، وكأن الذات تركيب مؤقت، وعرض مسرحي دائم.
تتسم هذه العنوانات بالانزياح والسخرية واللعب بالزمن: "هذا الذي سيحدث فيما مضى". فالعبث هنا لا يشير إلى فوضى مطلقة، بقدر ما يشير إلى هندسة دقيقة للاختلال. وحيث المبدع لا يهدم العالم، بل يكشف هشاشته عبر إعادة تسميته. في هذه المرحلة تتحول اللغة عنده مشرطا يعري التشوه الكامن في البنية.
أما قصص أعماله، فلا نراها تسكن البيوت، وإنما "المارستانات" و"السراديب" و"الأرخبيلات". البيت الذي يرمز للطمأنينة يغيب، لتحل محله أمكنة الهامش والاختلال والتشظي. هذه الفضاءات هي حالات وجود؛ فالسرداب لا يمثل مكانًا تحت الأرض بقدر ما يمثل لاوعيًا جماعيًا، والأرخبيل ليس مجرد جزر متباعدة، بل صورة لكينونة متشظية. هنا يشكل الخوف تضاريس نعيش فوقها، ويغدو المعزل مختبرًا لحكايات لا تنتهي، في عالم يبدو كأنه مصحة كبرى لا ندركها إلا حين نقرأ عنوانًا يفضح هشاشتها.
**
تعود علاقتي بشامان القصة القصيرة، المبدع أنيس الرافعي، أو بالأحرى قصصه، إلى وقت بعيد؛ فقد كنت على اطلاع جزئي بقصصه التي نُشرت في كتاب جمعها بقصص شكيب عبد الحميد، ومن تقديم القاص الكبير سي أحمد بوزفور. أذكر أنني كنت، ذات صيف، بمدينة أصيلة الجميلة، أتجول في شوارعها، ومررت بالشارع الذي يفصل بين مقهى مكناس ومقهى إفران. هناك لفتت انتباهي خيمة منصوبة تعرض كتبًا بأثمان معقولة، ومن بينها مجموعة أنيس "اعتقال الغابة.." والطريف أنها كانت تُباع ورقيًا وفي قرص مدمج، وبثمن رمزي. لم أكن أحمل معي نقودًا، فأرجأت الشراء إلى وقت لاحق، ولا أعرف إن كنت نسيت المكان أو أنني عدت إلى مدينتي دون تحقيق الرغبة.
ثم مرّ وقت ليس باليسير لأجد نصوصه تحيط بسيارة مركونة بأحد شوارع مدينة الرباط، وكان صاحبها قد تركها محتجًا على احتجازها. كانت قصص أنيس تغطيها كنوع من التضامن، وفي الوقت نفسه للتعريف بقصصه المدهشة؛ كان عرضًا مضاعف المتعة والفائدة. اتصلت به برسالة على علبة الحوار بـ"فيسبوك"، طالبًا منه أن يزودني بقصصه القصيرة جدًا، فأخبرني أنه لا يكتبها. ولست أدري لِمَ وقر في ذهني أن لديه نصوصًا في هذا الجنس؛ ربما لأنني طالعت كتب الناقد جميل حمداوي وهو يشير إلى ذلك، أو لأن نصوصه كانت تُجنس ضمن المينيمالية.
ثم عثرت، بعد بحث مقصود، على عمله المثير "مصحة الدمى". قرأته بإعجاب ودهشة، ولم أجرؤ على مقاربته رغم أنه حرّك فيَّ إثم القراءة النقدية. أرجأت اقتراف هذا الفعل إلى وقت لاحق، ونسيت الأمر إلا مؤخرًا، حين نشر مجموعة من الأعمال الحديثة. رجعت إلى "المصحة" أعالج مرضاها بقراءة بسيطة نُشرت في جريدة "العلم" الثقافي.
وأسعدني الحظ أن أطالع عملَيه الأخيرين، وأؤجل الثالث إلى وقت لاحق، بعد تواصل كريم من المبدع. وهنا توقفت طويلا أتأمل اجتراحه لعناوين غاية في الطرافة والدهشة، وفكرت أن ألامسها بتحليل يجلي بعض جمالها، فكان التالي:
تتحرك عنوانات أعمال أنيس ضمن استراتيجية جمالية تقوم على "المفارقة الصادمة" و"أنسنة الجماد" وتجذير "اللامعقول" في اليومي. غير أن هذه السمات لا تشتغل بوصفها لعبا لغويا صرفا، بل تكشف تصورا عميقا للعالم؛ إذ توحي بأن الواقع نفسه قابل للاختلال، وأن الدلالة غير مستقرة، وأن اللغة ليست أداة طمأنة، بل أداة مساءلة. العنوان عنده لا يكتفي بالتسمية، بل يتحول فخا دلاليا يربك اليقين ويدفع القارئ إلى إعادة ترتيب علاقته بما يقرأ.
ومن جماليات التناقض والقلب الدلالي نلمس ولعا لدى المبدع بكسر التوقعات، كما في "فضائح فوق كل الشبهات". فجمال هذا العنوان لا ينهض على المفارقة فحسب، بل على منحه "الفضيحة" حصانة أخلاقية، فيخلق فجوة توتر بين القانوني والأخلاقي، وبين ما يدان وما يحمى. كأننا أمام عالم اختلت فيه المعايير، حيث يصبح الانكشاف نفسه مبررا. في حين يجسد عنوان "أشياء تمر دون أن تحدث" فكرة العبور الذي لا يترك أثرا وجوديا، وكأنه يشكك في مفهوم الحدث ذاته: هل يكفي أن يقع الشيء ليكون حاضرا في الوجود؟ أم أن العالم صار ينتج وقائع بلا صدى، وحياة بلا أثر؟
ومن جمالية الغرابة يعمد المبدع إلى بناء صور سريالية مدهشة، كما في "ثقل الفراشة فوق سطح الجرس". الدهشة هنا لا تنبع فقط من إكساب الفراشة ثقلًا، بل من تحويل الهشاشة إلى قوة ضغط؛ كأن ما نظنه خفيفا — ذكرى، أو خوفًا، أو فكرة — قادر على أن يثقل وجودنا بأكمله. ويتجلى هذا المنزع بوضوح أكبر في "اعتقال الغابة في زجاجة"؛ حيث يتجاور الاتساع اللانهائي للغابة مع الحيز الضيق للزجاجة، في صورة توحي بمحاولة ترويض الفوضى البدئية أو سجن الحلم داخل نسق مغلق. الزجاجة هي أكبر من مجرد وعاء، إنها استعارة لكل نظام يسعى إلى تطويق اللامحدود، وكل وعي يحاول اختزال العالم في إطار ضيق.
وتتجلى الجمالية أيضًا في المحاكاة الساخرة، والمثال الأبرز عنوان "أريج البستان في تصاريف العميان". الإحالة التراثية هنا لا تستعاد من باب الزينة، بل لتفكيك وهم الإحاطة. فـ"الأريج" — وهو ما يدرك بالحس — يحال إلى "العميان"، في اختلال حسي مقصود يربك منطق الإدراك. العنوان لا يسخر من التراث بقدر ما يسائل فكرة الدليل نفسها، ويكشف هشاشة أي خطاب يدّعي امتلاك العالم وتفسيره بالكامل، بينما أدواته ناقصة.
أما جمالية المسخ، فتتبدى بوصفها مركزا دلاليا عميقا في هذا المشروع. ففي "مصحة الدمى" يصبح الكائن موضوع إصلاح، كأن العطب هو الأصل لا الطارئ. وحيث تصير المصحة هنا اعترافا ضمنيا بأن الحياة ذاتها حالة مرضية تحتاج تأهيلا دائما. أما في "متحف العاهات" فيتحول الألم البشري فرجة جمالية مؤطرة، في أقصى درجات التشييء؛ حيث تستهلك المعاناة بوصفها عرضا. أما "مارستان الأقنعة"، فينقل المسخ من الجسد إلى الهوية، إذ يبرز الجنون في الأقنعة لا في الوجوه، وكأن الذات تركيب مؤقت، وعرض مسرحي دائم.
تتسم هذه العنوانات بالانزياح والسخرية واللعب بالزمن: "هذا الذي سيحدث فيما مضى". فالعبث هنا لا يشير إلى فوضى مطلقة، بقدر ما يشير إلى هندسة دقيقة للاختلال. وحيث المبدع لا يهدم العالم، بل يكشف هشاشته عبر إعادة تسميته. في هذه المرحلة تتحول اللغة عنده مشرطا يعري التشوه الكامن في البنية.
أما قصص أعماله، فلا نراها تسكن البيوت، وإنما "المارستانات" و"السراديب" و"الأرخبيلات". البيت الذي يرمز للطمأنينة يغيب، لتحل محله أمكنة الهامش والاختلال والتشظي. هذه الفضاءات هي حالات وجود؛ فالسرداب لا يمثل مكانًا تحت الأرض بقدر ما يمثل لاوعيًا جماعيًا، والأرخبيل ليس مجرد جزر متباعدة، بل صورة لكينونة متشظية. هنا يشكل الخوف تضاريس نعيش فوقها، ويغدو المعزل مختبرًا لحكايات لا تنتهي، في عالم يبدو كأنه مصحة كبرى لا ندركها إلا حين نقرأ عنوانًا يفضح هشاشتها.