نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

"برزخ الميم وذاكرة الثدي: تجليات (الخسوف الإرادي) للمؤلف عند أنيس الرافعي"

"برزخ الميم وذاكرة الثدي: تجليات (الخسوف الإرادي) للمؤلف عند أنيس الرافعي"
**
أود أن أتوقف عند نقطة في العنوان، قد تكون ذات أهمية في التعامل مع العمل ككل؛ وقد تكون بعيدة عنه بعداً كبيراً، يتعلق بعدد حروف كل من العنوان واسم المؤلف. فقد يكون عدد حروف العنوان إذا كان من كلمة واحدة متناسباً مع عدد حروف اسم المبدع الأول أو الثاني؛ وهو احتمال وارد؛ وقد يكون مختلفاً، وهو أيضاً احتمال ممكن. وإذا كان مشكلاً من كلمتين، فالأمر نفسه؛ فقد يأتي الأول متناسب عدد الحروف مع الاسم الأول للمبدع، وهو احتمال وارد، وقسمه الثاني متناسباً واسم المبدع الثاني؛ وقد يختلفان، وهو احتمال ممكن. فماذا عن عنوان العمل "جميعهم يتكلمون من فمي"؟ وهل من علاقة له عددياً مع اسم المبدع: أنيس الرافعي؟ الواضح أن عدد كلمات العنوان يبلغ الأربعة، في حين يتكون اسم المبدع من كلمتين، فعملية ربط العنصرين مستبعدة، فالعنوان يتشكل من ثمانية عشر حرفاً، في حين يتشكل اسم المبدع من أحد عشر حرفاً، فالفرق بينهما واضح، وأستخلص من ذلك أن تجاوز العنوان لكلمتين مع اسم المبدع يبعد تلك المقارنة للخروج بخلاصة ممكنة.
لذا، سأقوم بالتركيز على عنصر يرد بكثرة في العنوان ويغيب في اسم المؤلف، يتعلق الأمر بحرف الميم الذي ورد خمس مرات، وهو تكرار لافت ولا بد من أن يحمل معنى أو أكثر. إن هذا "الميم" الخماسي المهيمن في (جـميعهم يتكلمون من فمي) يقابله غياب تام في الاسم الثنائي للمؤلف، وكأن النص يسعى منذ عتبته الأولى إلى الانفصال عن "ذات" الكاتب ليلتحق بذوات أخرى "تتكلم" عبره، محققاً بذلك ما ذهب إليه "ميشال بيران" في مقتبسات العمل من أن "الأرواح المساعدة تتكلم أحياناً محل الشامان". هذا التكرار الحرفي لا يعمل فقط كإيقاع صوتي يحاكي رنين الأدوات الطقوسية الشامانية لتنويم الوعي، بل يذهب بعيداً في دلالته الحسية المرتبطة بالفم؛ فالميم حرف شفهي بامتياز، له ارتباط عضوي بالجانب الحسي المتعلق بفترة الطفولة، حيث يتعلق الطفل بثدي أمه تغذيه وتشبع رغباته الحسية.
هنا يلتقي التحليل العددي بالتحليل النفسي والأنثروبولوجي؛ فالفم في العنوان ليس مجرد أداة للنطق، بل هو "قناة" تغذية ووساطة، تماماً كما يمثل حرف الميم صرخة الطفل الأولى واتصاله بمصدر الحياة. إن سيادة الميم وغيابها في اسم المؤلف يؤكدان أن أنيس الرافعي قد تنازل عن سلطة الاسم ليتحول إلى "فم" شاماني، أو "سرة" لغوية تربط بين عالم الأحياء وعالم الأرواح، وبين ذاكرة الجسد الأولى وفانتازيا النص الراهنة، ليصبح العمل في جوهره تجربة "تغذية" متبادلة بين الكاتب ونزلاء نصه من الأرواح المساعدة.
التناص:
تتجلى العلاقة بين عنوان مجموعة "جميعهم يتكلمون من فمي" للكاتب أنيس الرافعي ومقولة عبد الفتاح كيليطو "أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية" في كونهما يشتركان في مفهوم "تعدد الأصوات" المنبثق من ذات واحدة، حيث يتحول "الفم" في العملين من أداة بيولوجية إلى قناة رمزية ووسيط ثقافي تتداخل فيه الهويات. فبينما يرى كيليطو في لغته العربية وعاءً يستوعب لغات العالم وتاريخه الأدبي، ينطلق الرافعي من استعارة شامانية تجعل من "فم" الكاتب معبراً للأرواح المساعدة التي تتكلم محله، مما يجعل النص فضاءً برزخياً يتحدث فيه الغائبون والأشباح والنماذج البدئية من خلال لسان السارد.
وتتعمق هذه الصلة من خلال حضور شخصية عبد الفتاح كيليطو ذاته داخل المجموعة في نص "حديقة المجهول"، حيث يجد نفسه في موقف يختلط فيه الواقع بالخيال عند محطة القطار بفاس، ليواجه مفارقة انتحال الهوية وتشابه الأسماء. هذا الحضور يعكس فلسفة المجموعة في جعل الكتابة طقساً لاستحضار الآخرين، إذ لا يتحدث الرافعي بصوت منفرد، بل بصوت جمعي يجسد مقولة "الأرواح المرئية" التي تسكن السرد وتمنحه أبعاداً كونية، تماماً كما يرى كيليطو أن الكاتب هو صدى للغات وأدبيات متعددة تجتمع في لغته الخاصة.
إن هذا التقاطع يؤكد أن الفم في المجموعة هو "مظلة لتحضير الأرواح" ، حيث يتخلى السارد عن مركزيته ليسمح لكيانات وشخصيات ثقافية كبرى (مثل كيليطو، بورخيس، والعروي) بأن تتكلم من خلاله، مما يحول "البحث القصصي في الشامانية الجديدة" إلى رحلة لاستعادة الوعي الجمعي والبحث في النماذج البدئية. وبذلك، يصبح العنوانان وجهين لعملة واحدة تعلي من شأن "الحلول الأدبي" وتجعل من الذات الكاتبة مجرد معبر لتدفق الحكايات والأرواح التي تأبى الصمت.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى