نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

مرآة الواقع المشروخة: نحو واقعية لاواقعية في "جميعهم يتكلمون من فمي"

مرآة الواقع المشروخة: نحو واقعية لاواقعية في "جميعهم يتكلمون من فمي"


**

تندرج مجموعة "جميعهم يتكلمون من فمي" للكاتب أنيس الرافعي ضمن مشروع سردي يقوم على زعزعة الحدود بين الواقع والتخييل، وبين الصوت الفردي والجوقة الخفية التي تتكلم من داخله. فمنذ العتبة الأولى، لا يكتفي العنوان بالإيحاء بتعدد الشخصيات، بل يؤسس لرؤية تعتبر الذات فضاءً لعبور أصوات أخرى، مرئية وخفية، واقعية ومتخيلة. إننا أمام كتابة لا تتعامل مع الواقع باعتباره مادة جاهزة للتمثيل، بل باعتباره أرضية أولى يعاد تشكيلها عبر طقس سردي يختبر هشاشته ويكشف طبقاته المستترة.

لا يُستدعى المكان في هذا المتن بوصفه خلفية محايدة، ولا تُقدَّم الشخصية ككيان مغلق، بل يتحول كل منهما إلى قناع وإلى منفذ للعبور. الفضاءات الشعبية، من ساحة جامع الفنا إلى الحمام المغربي، لا تُستعاد باعتبارها ديكوراً فولكلورياً، بل باعتبارها مختبراً لتحول الإدراك. والشخصيات، سواء أكانت مرجعية ثقافية أم أفراداً عاديين، لا تحضر في بعدها التوثيقي، بل في قابليتها للتقمص والانشطار.

تتميز الكتابة لدى أنيس الرافعي في هذا المتن بقدرتها على حشر القارئ في صلب الواقع أولاً، عبر تثبيت الإحداثيات المكانية، وتكثيف التفاصيل المشهدية، واستدعاء الشخصيات من نسيج المعيش اليومي، حتى ليخال المتلقي أنه أمام كتابة توثيقية لا لبس فيها. غير أن هذا الإيهام بالثبات ليس سوى خطوة أولى في استراتيجية أعمق؛ إذ ما إن يستقر القارئ في طمأنينة المرجع حتى يُسحب منه فجأة إلى تخوم اللاواقع. هناك، تنفتح عوالم الفانتاستيك بوصفها طبقة خفية كامنة داخل الواقع نفسه، لا نقيضاً له. وبهذا التحول، تتحرر الكتابة من واقعيتها التي تكاد توصلها إلى حد التطابق مع التوثيق، لتغدو واقعية لاواقعية ينفث فيها الخيال روحه، ويعيد تشكيل العالم في صورة مرآتية مضاعفة. إن هذا العبور المفاجئ من المرئي إلى اللامرئي لا يربك الإدراك فحسب، بل يمنح النص عمقاً دلالياً وجمالاً بنائياً مثيراً للدهشة، حيث يصبح الواقع مادة أولية يعاد نحتها داخل مختبر السرد، وتغدو الحقيقة أثراً متحركاً لا يُدرك إلا عبر انكساره.

في هذا السياق تتبدى "مظلة تحضير الأرواح" تجسيداً مكثفاً لهذا التوتر بين واقعية المكان وفانتازيا الرؤية. تنطلق القصة من قلب ساحة جامع الفنا بمراكش، حيث يُحدَّد الموقع بدقة أمام الكوميسارية وبجوار عربات باعة عصير الفواكه، فتُمنح الجغرافيا صلابة توثيقية تُشعر القارئ بأنه يتحرك داخل مشهد مألوف. الساحر بقامته النحيفة وجلبابه الأحمر ولحيته المخضبة بالحناء ينتمي إلى المعيش اليومي، غير أن توظيف ضمير المخاطب يحول هذا الأمان إلى منطقة خلخلة. يتحول القارئ إلى طرف في الطقس، إلى ذات تسعى لاستعادة الحبيبة الغائبة، وتواجه سطوة النظرة المكثفة. وفي اللحظة التي يُنتظر فيها تحقق الوعد، تنبسط المظلة تاركة المخاطب وحيداً بورقة بيضاء. لا تميمة ولا حجاب، بل فراغ دلالي يعيد ترتيب المشهد برمته، ويحوّل الواقعي إلى أثر هش أمام قوة اللامرئي.

ويمتد الاشتغال على الفضاء الشعبي في "أكاديمية الجن"، حيث يتحول الحمام المغربي إلى أكاديمية خفية. يبدأ السرد برصد واقعي لشخص متعب يلج حماماً شعبياً، غير أن لحظة الاسترخاء تنقلب إلى رؤيا، ويتحول الكسال إلى أستاذ يلقي دروساً في سحر الأحرف ومنطق الحيوان. الغسل يغدو عبوراً، والحمام فضاءً لتعلم التخفي والحلول. الواقع لا يُلغى، بل يُعاد تأويله كطبقة سطحية تخفي بنية أسطورية كامنة.

وفي "الحكواتي الذي يروي لوحات عباس صلادي" يتقاطع الفن بالحياة داخل الحلقة. تتحلق الجموع حول الحكواتي، غير أن الأصوات التي تنبعث من فمه تتجاوز الحكاية الشعبية لتستحضر عوالم عباس صلادي، فتغدو اللوحة واقعاً، والحكواتي وسيطاً. المكان يتحول من فضاء فرجة إلى دائرة استحضار، ويتداخل اللون بالكلمة، والميت بالحي.

وإذا كان المكان الشعبي مدخلاً، فإن "حديقة المجهول" تعتمد الشخصية قناعاً متاهياً، مستحضرة اسم عبد الفتاح كيليطو في تواشج مع كتابه أتحدث جميع اللغات لكن بالعربية، ومومئة إلى تقمص خورخي لويس بورخيس داخل عالم عامر بالأقنعة. الحديقة فضاء مرايا، والشخصية حالة ثانية، أو صوت إضافي يتكلم من الفم ذاته. المرجع لا يمنح ثباتاً، بل يُستثمر لبناء متاهة تُضاعف الواقع وتُربكه.

وفي "الطوطم" يُستدعى فرد عادي، السيد خليفة الرويضة، ليغدو محوراً لحدث كوني يتمثل في حلول جرم سماوي صغير في جسده. الواقعية شبه التوثيقية تتشقق أمام هذا العنصر الغرائبي، والضمير ينقلب ليشرك القارئ في التجربة. الطوطم ليس رمزاً بدائياً فحسب، بل سؤالاً حديثاً عن الهوية والانتماء في عالم يتشظى. الواقع هنا مرآة مشروخة، والهوية في حركة دائرية لا تستقر.

نكتشف، من خلال ما تقدم، أن مشروع أنيس الرافعي لا يقتصر على توظيف الفضاء الشعبي أو الشخصية المرجعية، بل يمتد إلى الشيء، والمؤسسة، والنص ذاته. المكان، والجسد، والأرشيف، والمكتبة، كلها مداخل لامتحان الواقع من داخله. الفانتاستيك ليس انقطاعاً، بل طاقة كامنة، والمرئي ليس سوى قشرة رقيقة تخفي طبقة أكثر كثافة. في هذا الأفق، يتحول السرد إلى طقس دائم لخلخلة اليقين، وتغدو الكتابة مساحة تتجاور فيها الأقنعة، بينما تستمر الأصوات، مهما اختلفت منابعها، في التكلم من فم واحد
.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى