عبد الرحيم التدلاوي
كاتب
**
"زفير رماد" هي المجموعة القصصية البكر للقاص المغربي هيثم همامون وهي عمل أدبي يشي بوحدة عضوية طاغية تتجلى منذ العتبة الأولى للغلاف، حيث يبرز العنوان كمركب إضافي يجمع بين الحركة الفيزيولوجية "الزفير" والنتيجة النهائية للاحتراق "الرماد"؛ وهو جمع يوحي بحالة من التطهير الذاتي، حيث لا ينفث السارد هواءً عادياً، بل يطرد بقايا انكسارات وتجارب غدت رماداً في ذاكرته. وكأن الكتابة في جوهرها هي عملية إخراج لما ضاق به الصدر، سعياً وراء تخفف وجودي من ثقل النهايات. وتتجسد هذه الرؤية بصرياً في لوحة الغلاف التي ترسم وجهاً في حالة ذهول، ينبعث من فمه سديم داكن يتحول تدريجياً إلى طيور سوداء، غير أن ثمة ومضات صفراء ليمونية تشي بنوع من الأمل وسط هذه العتمة الشاملة. ويمتد هذا التناغم ليشمل تفاصيل تقنية لافتة؛ فاسم المؤلف المكتوب بلون أحمر قانٍ يمنح إيحاءً بأن دفق دمه هو المحرك الأساس لهذا العالم الرمادي، كما أن البنية الصوتية لاسم "هيثم همامون" بتكرار حرفي الهاء والميم تخلق همساً ممتداً ينسجم مع نَفَس الزفير العميق الذي يسكن النصوص.
تضم المجموعة احدى وعشرين اقصوصة تشغل حيزا يناهز مائة صفحة من القطع المتوسط، تتفاوت في طولها ما بين ثلاث صفحات واثنا عشر. تصور لنا كما جاء في تقديم الدكتور عبد الله توفيقي، حقيقة معاناة مجموعة من فئات اجتماعية مسحوقة مع قساوة الطبيعة... ص 5.
تعالج المجموعة قضايا محلية وعالمية متقاطعة، إذ تطرح بجرأة قضية الميز العنصري واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، بالتوازي مع بسط قضايا محلية ذات أبعاد إنسانية ترصد معاناة الذات في الحقل والمدينة. وتعتمد المجموعة في ذلك لغة بصرية تميل إلى تصوير المشاهد بتفصيل دقيق يخدم الغرض الدرامي، وتتوكأ على الصور البلاغية دون مبالغة، باعتبارها عملاً ينتمي إلى "الواقعية النقدية" التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين الإمتاع الفني والفائدة الفكرية، دون أن يطغى عنصر على الآخر. ففعل «الزفير» هنا لا يففهم فقط باعتباره تفريغا لما يثقل الصدر، بل كحركة وجودية تقابلها في العمق حركة مضادة، هي الحفر في طبقات الطين كما تتجلى في نصوص مثل «أرض الطين»، حيث لا يكتفي السارد بإخراج رماده، بل يغامر بالنزول إلى منابعه الأولى. وهكذا تتأسس جدلية دقيقة بين فعلين متقابلين ظاهرياً، متكاملين جوهرياً: الزفير بوصفه إخراجاً لما احترق، والحفر بوصفه اقتحاماً لما لم يُفهم بعد. في هذا الأفق، تغدو الكتابة نفسها منطقة تماس بين الداخل والخارج، بين ما يفيض وما يُستخرج، وكأن النصوص لا تُكتب إلا على حافة هذا التوتر.
هذا النفس الواقعي يتجذر في المجال الثقافي المغربي الذي لا يحضر كخلفية زخرفية، بل كجسد حيّ؛ ففي «الگناوي» يتحول الإيقاع إلى حالة فناء صوفي وتلاشش للذات، حيث يتحول الإيقاع إلى شكل من أشكال الزفير الجماعي الذي ينعتق فيه الجسد من رماد اليومي:
خلف فرقعات الطبول المعذبة بهواجس الحياة والموت، لكن الحياة فيها طاغ، ثمفجاة سمع دوي الرعود، وسالت العيون بالماء، والأمار تتحرر من فتحات الضباب تنظف اكوام الحجارة والنفوس. قفز فارس، وقفز الكل معه.. دار بجسده دورتين، ثم افلت يده نحو الأسفل، هدات هزاتهم على الأرض. فيما كان الطبل يتابع.. ضربة، ضربتان.. يطفو بالنغمات لمدة طويلة في مستوى الهواء مع القباقب..ص 80.
إن الدقة المتكررة، والاندماج في الإيقاع، ليسا سوى محاولة للانفلات من ثقل الواقع، تماماً كما أن الزفير في العنوان ليس سوى رغبة في التخفف من رماد التجربة.
وفي «كسكس بالقديد» تصبح الرائحة أداة لاستحضار ما اندثر، بينما يجسد البحث عن قطعة لحم وسط القدر رحلة شاقة للبحث عن المعنى وسط ركام الحياة والفقر: لم تنطق النسوة، وبقيت الكلمة معلقة في اذهانهنن تعجب بعضهن، والاخريات غارت اعينهن في جحورهن، الكل أتى بالقديد، واختلط الصالح بالالح. تم افراغ القدر وصب المرق، وتحلق الجميع حول المائدة في صمت... ص36.
تجدر الإشارة إلى تميز المغرب بهذه الأكلة التي تأتي عقب عيد الأضحى حيث يتم الجمع بين طعام الكسكس الذي يتخذ توقيتا مدقسا وهو يوم الجمعة مع طريقة تهيئة هذا العام قبل طبخه، وبين القديد الذي يتشكل من مجموعة من مكونات احشاء الخروف.
إن التفاصيل المحلية هنا لا تقدم بوصفها عناصر واقعية فحسب، بل بصفتها رموزا مكثفة تختزن تاريخاً من الفقد والرغبة، وتعيد إنتاج سؤال الوجود في أبسط تجلياته اليومية.
وتتأكد هذه الهوية المحلية من خلال شخصيات تنغمس في بيئتها بصدق كما في قصة «بيضة يتيمة»، التي تعكس انغماس القاص في جزئيات واقعه ورصده لنبض الهامش والمنسيين بعين سينمائية لا تفوت التفاصيل الصغيرة:
رمى البشير بثقل لسانه على لعن الكلاب. البارحة بالذات وآها برؤوس بشرية تطل عليه من وراء منازل بعيدة فوق التل... ص 81.
ويستمر هذا الامتداد في «العيطة الجبلية»، حيث يحضر الصوت الشعبي بوصفه تعبيراً عن وجع جماعي، لا يقل كثافة عن الرماد الذي يثقل كاهل الشخصيات.
غير أن المجموعة سرعان ما تكسر هذا الطوق الجغرافي لتنفتح على آفاق كونية، مبرهنة على أن المحلي هو أقصر طريق نحو العالمي. وتبرز قصة «صيد محرم» كعلامة فارقة في هذا السياق، إذ تنقل القارئ إلى فضاء مغاير تماماً هو غابات السفانا، حيث يواجه تجربة قناصة يقودهم رئيسهم "أكتافيو". هنا، يتحول الصيد من نشاط غريزي إلى ممارسة رمزية تعكس وهم التفوق العنصري والرغبة في استعباد الإنسان واستغلال خيراته. يسعى "أكتافيو" وجماعته إلى قنص كائن بشري يراه "مختلفاً" ومادة للدراسة، واضعاً إياه في خانة أدنى من "الإنسان الأبيض". ورغم نشوة القناصين بصيدهم التاريخي، تبرز شخصية "أنستا" كصوت للرفض والضمير، بينما تأتي خاتمة القصة لتعلن عن عزة "الطريدة" التي عبّرت بحركاتها وصرخاتها عن رفض مطلق لهذا الاستلاب، متمسكة بكرامتها رغم القفص المهين.
يمتد هذا الانفتاح الكوني عبر تناصات أدبية تقوض فكرة البطولة الملحمية؛ ففي «الصياد والبحر» يستحضر همامون أفق هيمنغواي لا ليمجد الانتصار، بل ليكشف عن عبثية الصراع، حيث ينتهي البطل "فارس" بمفارقة ساخرة لا يجني فيها من البحر سوى "حذاء ممزق"، وكأن الأحلام مجرد رماد تذروه الرياح. وفي سياق موازٍ، يكتسب الصيد في نصوص أخرى حمولة رمزية تتأرجح بين المقدس والمدنس، وبين الرغبة والمنع، لنتذكر منع الصيد في الحج، يقول الحق سبحانه في محكم آياته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ...﴾ سورة المائدة الآية 95، مما يعيدنا إلى البنية العامة للمجموعة: الرغبة في الامتلاء مقابل الخوف من الاحتراق.
وتصل هذه الدينامية إلى ذروتها في قصة «أرض الطين»، حيث يتخذ الحفر بعداً أنطولوجياً؛ إذ لا يعود البحث عن الماء مجرد حاجة بيولوجية، بل يتحول إلى استعارة للبحث عن يقين في عالم صلد. فالصخرة التي تقاوم الضربات ليست إلا تمثيلاً لعناد الوجود، والماء الذي يتفجر في النهاية لا يمنح الخلاص بقدر ما يفتح أفقاً جديداً من القلق الجمالي. هذا التوتر يتواشج مع إيقاع اللغة نفسها، وفي انسجام خفي مع البنية الصوتية لاسم المؤلف (هـ_ـيـ_ـثـ_ـم هـ_ـمـ_ـامـ_ـون) التي تخلق همساً رتيباً يشبه أنفاس الزفير المجهدة، وكأن الكتابة هنا فعل جسدي يكرر على مستوى اللغة ما يحدث على مستوى التجربة: احتراق، فتفريغ، فبقايا.
ينزاح هذا الاحتقان في قصة «الرؤيا» من مستوى التجربة الحسية إلى مستوى الوعي الثقافي؛ حيث يصبح الرماد هو مصير المعنى نفسه داخل فضاء لا يقرأ. إن تمزق الورقة بين يدي السارد يعبر عن اهتزاز عميق في جدوى الفعل الإبداعي.
هكذا، تتجمع خيوط المجموعة في نسيج واحد، حيث لا تعود القصص وحدات مستقلة، بل لحظات مختلفة من تجربة واحدة تتأرجح بين الحفر والزفير، بين الطين والرماد، بين الرغبة في الفهم واستحالة بلوغه.
ينجح هيثم همامون في عمله هذا في بناء عالم سردي يزاوج فيه بين الخصوصية المغربية وبين الهم الإنساني الشامل، عالم لا ينطفئ رماده أبدا، بل يظل جمرة متقدة تحت رماد اللغة، تتحول تارة إلى طيور وتارة إلى صرخات كبرياء مخلفة وراءها سديما من الأسئلة التي تواصل زفيرها طويلافي وعي القارئ.
**
صدرت المجموعة في طبعتها الاولى عن مطبعة دار العرفان للطباعة والنششر سنة 2026