نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

محمد أوسعيد القاص الجدير بالمتابعة.

محمد أوسعيد القاص الجدير بالمتابعة.
**
حين أقرأ لمحمد أوسعيد أشعر بالمتعة والجمال ففطريقة كتابته تحرك في القارئ رغبة خفية في التوغل أكثر، في اكتشاف ما يتوارى خلف السطورذلك المضمر المثير، في ملاحقة تلك الومضات التي تبدو عابرة لكنها تترك أثرا عميقا لا يزول بسهولة. والرجل، في عالمه السردي بنوعيه القصير والقصير جدا، يكتب من موقع الاكتفاء، نصوصه لا تنتظر قارئا يفسرها ولا ناقدا يضيء عتمتها، فهي تقف مكتملة بذاتها، قادرة على الإقناع فضلا عن الإمتاع، وتنهض بوظيفتها دون وساطة، بما تمتلكه من بعد تخييلي مدهش وعوالم ساحرة وبناء محكم يششي بحرفة عالية وثقة داخلية نادرة يدخل القارئ إليها كما يدخل فضاء مفتوحا، لا يحتاج إلى دليل، فقط إلى حساسية يقظة. تتجلى براعة أوسعيد السردية في قدرته على صهر هذه العوالم المتباينة داخل بوتقة دلالية واحدة، حيث تتماهى الحدود بين الواقعي والمتخيّل، وبين المأساوي والساخر؛ ففي نصوصه التي تتناول الوجع الإنساني (كما في ثلاثية لبنان)، لا يحضر القصف أو "النزوح" كحدث خارجي، بل كحالة شعورية تتشظى فيها الجغرافيا وتنزلق الأرض من تحت الأقدام، ليتحول "الاختباء" خلف الكاميرا أو الرهان على الصورة إلى نوع من "الانكشاف" القاتل الذي يجرّد الكائن من حصانته الواهية. هذا التوتر العنيف بين الرغبة في النجاة وفخاخ الواقع، يمتد ليصيغ علاقتنا باليومي والتقني؛ فالكاتب يستثمر "برودة اللغة" التقريرية ليختزل الوجع في بيانات، ويحول "الأمنية" إلى صدمة وجودية حين تنزف الدمية، محطمةً بذلك آخر معاقل اليقين الساذج بين الحلم والحقيقة. ولا يتوقف هذا الانكسار عند حدود الكارثة الكبرى، بل يتسلل بذكاء إلى تفاصيل الرفاه والبذخ في رحلة "الذهاب إلى العمل"، حيث يتم تفكيك الأقنعة الاجتماعية عبر سخرية مريرة تعيد الاعتبار لـ "نباش المزابل" كمركز دلالي يخلخل تراتبية القيم، وصولاً إلى "نبوءة" التعب اليومي في الزحام، حيث يسقط الجسد تحت وطأة الاستنزاف الصامت. إن نصوص أوسعيد هنا لا تسير في خطوط متوازية، بل تتقاطع في نقطة مركزية واحدة هي "لحظة تهاوي الطمأنينة"؛ سواء كان ذلك بفعل القذيفة، أو الصورة، أو الفقر، أو حتى التعب العابر في حافلة، مما يجعل من مجموع قصصه نسيجاً واحداً يجسد مأزق الكائن المعاصر العالق بين هشاشة الوجود وقسوة القدر. ما يثثير الانتباه والدهشة معا في هذه النصوص ذلك الاقتصاد المشحون، وتلك الجملة القصيرة أحيانا، والممتدة أحيانا أخرى وتكون في الحالتين محمولة على توتر داخلي، تفتح أكثر مما تغلق وتترك أثرا يتجاوز حجمها. لا يخرج القارئ منها ممتلئا بالأجوبة، بل مثقلا بأسئلة لذيذة، بأسئلة تدفعه إلى العودة، إلى إعادة النظر إلى الشك في ما ظنه واضحا. إنه عالم تخييلي يعرف كيف يفرض حضوره دون ضجيج، يمنح لذة خفية ويترك ندبة خفيفة في النفس والذهن، يشتغل على الحافة بين المعنى وانفلاته، ويجعل من القراءة تجربة لا تنتهي عند السطر الأخير، وإنما تبدأ منه.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى