نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

حين يبكي الصباح: سرديات الانجذاب والانمحاء في ملكوت المؤنث.

كتبت هذه المقالة عن مجموعة زهير اسليماني لثلاثة امور: أولهما أنه من مدينتي مكناس، وهذا لا يدخل في باب التعصب كوني كتبت عن كثيرين من خارج أسوار المدينة الإسماعيلية.
ثانيهما أنني التقيت به ربما مرتين، وكانت المرة الأولى حين قرأ قصة قصيرة وأخبرني أنه قام بذلك لأول مرة، كما أخبرني أن لديه قصصا خرى. ومن يومها لم التق به.
ثالثهما أنني علمت بفوز مجموعته القصصية الأولى بالمراتب الأولى في مسابقة مجلة الصقيلة إلى جانب اسمين معروفين، أحدهما الصديق العزيز سيدي مصطفى ملح.
اشتريت مجموعته برغبة التوسع في معرفة عوالمه التخييلية، وكانت مجموعته، فعلا، مختلفة وذات نبرة خاصة تغري بالمتابعة؛ فهي بمثابة أقصودة، فكانت هذه الورقة:
**
حين يبكي الصباح: سرديات الانجذاب والانمحاء في ملكوت المؤنث.
**
تتجاوز هذه المجموعة القصصية حدود التمرين السردي لتغدو، في جوهرها، مختبرا سرديا تتقاطع فيه التجربة العاطفية مع القلق الوجودي، وتعاد داخله صياغة العلاقة بين الذات والآخر على نحوٍ متوتر وملتبس. تقدم النصوص حكايات تروى، وفي الآن نفسه، تقدم حالات تختبر، ففيها يتحول السرد إلى أداة مساءلة داخلية، وإلى فضاء تفكَّك فيه يقينيات الحب والحرية والزمن. نحن، ومنذ عتبة العنوان، أمام كتابة لا تثق في المعنى الجاهز، بل تخلخله وتعيد تركيبه عبر مفارقات زمنية ووجدانية حادة، حيث يتحول الصباح—بكل ما يحمله من دلالات البدء—إلى كائن منكسر، يبكي لا على نهاية، بل على جمال لم يكتمل إلا ليغيب. بهذا المعنى، تنفتح المجموعة على أفق قصصي ذي عمق فلسفي، حيث لا يروى الحدث بقدر ما يستبطن، ولا تبنى الحكاية إلا لتفكك.
فالمجموعة القصصية الموسومة بـ "يبكي لغروبها الصباح" تبدو متنا سرديا ينهل من القصة القصيرة ذات العمق الفلسفي، حيث لا تشكل العناوين فيها مجرد عتبات نصية، بل هي انزياحات دلالية تؤسس لشبكة من العلاقات المتشابكة بين الأنا والسرد والمؤنث. يبرز العنوان الرئيسي كعنصر مفارقة زمنية، فالصباح الذي هو رمز الانبعاث يغدو ذاتاً باكية، والمبكي عليه هو "الغروب"، مما يوحي منذ البدء بتجربة حب أو وجود تنتهي في لحظة شروقها، أو بجمال مأساوي يغيب في اللحظة التي ننتظر فيها بزوغه. هذا القلق الوجودي ينسحب على كافة العناوين الداخلية التي يغلب عليها ضمير المؤنث، متجاوزة البعد الجنسي البيولوجي،رافعة إياه الى بعد الملكوت الرمزي متخذة إياه مركزاً تدور حوله حواس السرد، وتتفتت عنده الذات بين الفعل والانكسار.
غير أن هذا العالم السردي لا يكتمل دون التوقف عند الغلاف، بوصفه العتبة البصرية التي تسبق النص وتؤطر تلقيه. فاللوحة، رغم ضبابيتها وتكسّر ملامحها، لا تبدو اختياراً اعتباطياً، بل تكاد تجسّد بصريا نفس القلق الذي يسكن المتن. لا نكاد نميز في الصورة حدودا واضحة بين العناصر: ألوان متداخلة، حضور إنساني شبه متلاشش طبيعة لا تستقر على ششكل، وكأن المششهد كله في حالة عبور أو ذوبان. هذا التلاشي البصري يوازي تماما ما يحدث داخل النصوص؛ فكما تفقد الشخصيات حدودها داخل التجربة العاطفية، تفقد الأشكال هنا صلابتها داخل اللوحة. اللون الأخضر، الذي يحيل عادة إلى الحياة، نراه مشوبا بعتمة خفيفة، بينما يتسلل الأحمر في مواضع غير مستقرة كأنه أثر جرح أكثر منه علامة حياة، وهو ما يستعيد مباشرة دلالة "الأحمر" داخل النص بوصفه معنى الأشياء ومصدر توترها.
أما الهيئة البشرية في اللوحةفتبدو معلقة بين التششكل والانمحاء، كأنها لا ترى إلا وهي تختفي. وهذا يتقاطع بعمق مع صورة المؤنث في المجموعة: يتجاوز بعد الكيان الثابت ليصير معبرا عنه وكأنه أثر يمر. أو كحضور لا يدرك إلا في لحظة تلاشيه.
حتى الإطار الذي يحتوي الصورة يوحي بمحاولة تأطير هذا الانفلات، وكأن هناك جهدا للقبض على ما يتابى الُقبض عليه، وهو نفس الجهد الذي يبذله السارد داخل النصوص: محاولة تثبيت لحظة، أو الإمساك بكائن زئبقي يتفلّت باستمرار. وهكذا، يغدو الغلاف امتدادا عضويا للمتن، لا يشرحه وإنما يضاعف غموضه ويعمقه.
تنطلق المجموعة من قصة "تثير الفوضى بداخلي" لتضع القارئ أمام الانفجار الأول لهذه التجربة، حيث الفوضى لا تعني اضطرابا وإنما إعادة تشكيل لهوية السارد أمام "إتقان" المرأة لحضورها. يتجلى هذا الإتقان في تفاصيل دقيقة، فتبدو الشخصية المؤنثة وكأنها تشيّد ذاتها بعناية، لترى ولتهيمن في الوقت ذاته. إنهانموذج يفرض سلطته على المكان والزمان، تاركاً السارد في حالة من التعطل الداخلي، حيث تتوقف الأشياء عن أداء وظيفتها، وتغدو هي وحدها معيار المعنى. غير أن هذا الامتلاء سرعان ما ينقلب إلى استلاب، حيث يفقد السارد تدريجياً مسافة النظر، وينخرط داخل هذا الحضور إلى حد التلاشي.
وهذا ما يتعمق في "لا توجد إلا فيك"، حيث لا يعود المؤنث موضوعا للرغبة، بل شرطا لوجود الذات نفسها. وفي هذا المقام يعاد ترتيب العالم وفق مركز واحد، بحيث تغدو الأشياء بلا معنى خارجه. إن عبارة "أنتِ وحدكِ الأحمر ومعنى الأشياء" لا ينبغي أن تقرأ كاعتراف عاطفي فقط وإنما ينبغي أن تقرأ كتحول في بنية الإدراك، حيث يختزل العالم في حضور واحد. إنها لحظة توحيد، لكنها توحيد يقوم على إلغاء التعدد، ومن ثم يحمل في داخله بذرة انهياره.
هذا الحلول يقود السارد إلى "العبودية الاختيارية" في "تنازلت عن الحرية في ملكوتها"، حيث يتحول التنازل عن الحرية إلى شكل من أشكال الخلاص. لا يسلب السارد حريته، بل يمنحها، وكأنه يجد في هذا التنازل معنى لوجوده. غير أن هذا الامتلاء يظل ملتبسا، إذ يطرح سؤالا خفيا: هل الانمحاء تحقق أم هو فقد مقنع؟
في "يبكي لغروبها الصباح"، يبلغ الوعي ذروته القاسية، حيث ينكشف أن الجمال، حين يكتمل، يبدأ في التلاشي. إن سؤال "لماذا نقتل كل الأشياء الجميلة؟" يكشف عن رغبة دفينة في تثبيت اللحظة عبر إنهائها، وكأن الفقد يصبح وسيلة للحفظ. هنا، يتحول الحب إلى وعي بمحدوديته، والجمال إلى مقدمة لأفوله.
وتتعمق هذه الرؤية في اللوحة السردية التي يتخذ فيها الحضور هيئة غياب، حيث تمر المحبوبة "من الداخل لا من الخارج"، فيتحول اللقاء إلى أثر، والحضور إلى عبور صامت. في هذه اللحظة، لا يعود التلاشي نتيجة، بل شرطا أوليا للحضور نفسه.
وتصل الرحلة إلى ذروتها في "راحلة..!"، حيث يتحول الملكوت إلى أثر، والوعود إلى صدى بعيد. وحيث يصبح الرحيل انكسارا في بنية العالم، وسحب للمركز الذي كانت تدور حوله الأشياء. وفي هذا الانعطاف الحاد يجد السارد نفسه معلقا "بين الخط والنقطة"، في صورة تختزل مأزقه: عجز عن الاستمرار، وعجز عن الحسم.
وبذهاب هذا المركز، تفقد الأشياء كثافتها، وتغدو الوجوه اللاحقة مجرد انعكاسات باهتة، لأن الوعي لم يعد يقيس الحاضر بما هو عليه، بل بما فقده. وهكذا، يتحول الفقد إلى معيار إدراك، لا إلى حالة عابرة.
في النهاية، لا تقدم هذه المجموعة حكايات حب بقدر ما تقدم سيرة داخلية لانجذاب يتحول تدريجياً إلى انمحاء. إنها رحلة تبدأ بالفوضى، وتمر عبر التماهي، وتستقر مؤقتافي التنازل قبل أن تنفتح على الفقد بوصفه أفقا مفتوحا.
ولعل ما يمنح هذه النصوص قوتها هو لغتها التي تشتغل على الحافة، حيث يصبح الصمت جزءا من المعنى، ويغدو الغموض شكلا من أشكال الكشف.
هكذا، تغدو "المرأة" في هذا المتن بنية رمزية كثيفة: هي المعنى حين يتجسد، وهي الفقد حين يكتمل. هي "الأحمر" الذي يمنح الأشياء حرارتها، وهو أيضاً اللون الذي يحيل إلى النزف والنهاية. وبين هذين الحدين، يتحرك السرد دون حسم، وهو ما يترك القارئ في تلك المنطقة المعلقة، حيث لا شيء يفهم تماما، ولا شيء يعود كما كان.
**
زهير اسليماني ابن مدينة مكناس، من مواليد العام 1984، حاصل على الأجازة في اللسانيات والماستر في الجماليات، من جامعة مولاي إسماعيل بمكناس.. وباحث في تحليل الخطاب بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة..
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى