عبد الرحيم التدلاوي
كاتب
تقديم
تشكل مجموعة «عام الوحش» للقاص والروائي سعيد رضواني تجربة سردية تنتمي إلى الكتابة التي لا تكتفي بسرد الحكايات، بل تجعل من الحكاية وسيلة لاستنطاق الأسئلة الكبرى المرتبطة بالهوية والذاكرة والسلطة والوجود. فمنذ العنوان والغلاف، يجد القارئ نفسه أمام عالم يتأسس على التحول والالتباس وإعادة تشكيل الواقع، حيث لا تُقدَّم الأشياء في صورة ثابتة ونهائية، بل تظهر وهي تتغير باستمرار، كأنها تعبر حالة دائمة من الصيرورة.
ولا تكمن خصوصية هذه المجموعة في تنوع موضوعاتها أو تعدد عوالمها فحسب، بل في وجود خيط جمالي وفكري يربط بين قصصها المختلفة، ويتمثل في هاجس التناظر والانعكاس والبحث عن الوجه الآخر للأشياء. فالشخصيات لا تظهر بوصفها كيانات مستقرة، وإنما بوصفها مرايا متقابلة، والوقائع لا تتجلى باعتبارها حقائق نهائية، بل باعتبارها احتمالات مفتوحة على التأويل. ومن هنا تبدو المجموعة فضاءً سردياً تتجاور داخله الفلسفة مع التشويق، والشعر مع الحكي، والواقع مع الغرائبي، دون أن يطغى عنصر على آخر أو يتحول إلى خطاب مباشر.
العتبات: «عام الوحش» بوصفه زمناً للتحول
يحضر عنوان «عام الوحش» بوصفه عتبة رمزية تتجاوز معناها المباشر، فالوحشش يتحول إلى علامة مركبة تختزن أبعادًا نفسية وتاريخية وسردية متعددة. ومنذ اللحظة الأولى يبعث العنوان إحساسًا بزمن استثنائي يختل فيه النظام المعتاد للأششياء، وتغدو التحولات العنيففة جزءًا من طبيعة العالم الحكائي. كما أن كلمة «عام» تمنح الإحساس بمرحلة كاملة تتبدل فيها الملامح والقيم، وكأن النص يدعو القارئ إلى الدخول في حقبة تتعرض فيها الحكايات لعملية هضم وإعادة تشكيل.
وتزداد كثافة هذا المعنى مع استدعاء تركيب مألوف مثل «عام الفيل»، بما يحمله من حمولة تاريخية ودينية عميقة. غير أن «عام الوحش» يعيد توظيف هذا الإرث داخل أفق تخييلي جديد، فيغدو «الوحش» رمزًا لقوة جارفة تهدد العالم وتعيد صياغته في الوقت نفسه. وبهذا ينتقل العنوان من مجرد تسمية إلى إعلان عن «زمن تحول»، زمن تتراجع فيه الحدود بين التهديد والخلق، وبين الفناء وإعادة الولادة.
أما صورة الغلاف فتؤدي دورًا محوريًا في تكثيف هذه الدلالات. فالوحش ذو الفم المفتوح يبدو ككائن هائل يبتلع كل ما يقع أمامه، فيحضر فعل الافتراس بوصفه طاقة عاتية تمتد دلالتها إلى فعل الكتابة نفسه. فالكتابة هنا تنطلق من التفاعل مع نصوص وتجارب وصور سابقة، ثم تعيد صهرها داخل بناء جديد يحمل بصمة الكاتب الخاصة. ومن ثم يغدو الوحش قوة تعيد تشكيل العالم وفق رؤية مختلفة، محتفظًا ببعض ملامحه القديمة وهو يمنحه هيئة أخرى أكثر غرابة وعمقًا.
ومن هذا المنظور، تتحول المجموعة القصصية إلى فضاء تتجاور فيه أنماط سردية متعددة؛ إذ تتفاعل النصوص مع إرث حكائي وثقافي واسع، ثم تعيد إنتاجه داخل عالم غرائبي ذي طابع كابوسي. فالقصص لا تكتفي بإعادة سرد الواقع، وإنما تعمد إلى تفكيكه وإعادة تركيبه، بحيث يغدو العجيب واليومي متداخلين بصورة تجعل القارئ معلقًا بين الإحساس بالألفة والدهشة. وهنا تتجلى وظيفة «الوحش» بوصفه رمزًا لعملية التحول المستمرة: هضم العالم ثم إعادة خلقه في صورة أخرى.
ويبرز البعد الجمالي أيضًا في العلاقة بين العنوان والغلاف، فهما يؤديان وظيفة تأويلية تفتح أمام القارئ شبكة من الإشارات البصرية واللغوية التي تهيئه للدخول إلى عالم قائم على القلق والتحول والتشظي. ومن ثم يتحول الغلاف إلى بوابة سردية موازية للنص، تسهم في بناء أفق التلقي، وتمنح العمل جاذبية تخاطب القارئ المعتاد على الرموز العميقة، كما تستجيب في الوقت نفسه لحساسية القارئ المعاصر المتأثر بالصور البصرية وأجواء العوالم الرقمية والألعاب الإلكترونية.
وفي النهاية، يمكن القول إن «عام الوحش» يقدم رؤية لعالم يتشكل عبر الفوضى والتحول. فالوحش هنا رمز للهدم والخلق معًا، وللقدرة على ابتلاع الماضي وإعادة إنتاجه في صورة جديدة. وبهذا المعنى تصبح الكتابة فعلًا يعيد تشكيل العالم وفق خيال أكثر اتساعًا وجرأة.
ويتوازى هذا التحول الدلالي مع تأمل لغوي ونقدي ينبثق من التشاكل العجيب بين السرد والشعر؛ فكأن اللغة نفسها كانت تُخفي منذ البدء قرابةً خفية بينهما. كلاهما يتكون من ثلاثة أحرف، وكلاهما يلتقي في حرف الراء الذي يبدو، صوتاً ودلالة، مركزاً للحركة والاهتزاز والانسياب. ثم إنّ حرف السين في “السرد” يجاور حرف الشين في “الشعر”، وكأن الفرق بين الجنسين ليس إلا نقطة؛ نقطة واحدة تفصل بين الحكي والإنشاد، بين الامتداد الأفقي للقصّ والتوهج العمودي للقصيدة. فالسين غير منقوطة، هادئة ومسترسلة، تُشبه فعل السرد الذي يمضي متتابعاً، بينما الشين منقوطة، متشظية ومتفجرة، أقرب إلى طبيعة الشعر القائم على اللمعة والإيقاع والانزياح.
ولا يقف الأمر عند حدود الشكل الخطي، بل يمتد إلى الحركة الصوتية أيضاً؛ فالسَّرد مفتوح، والفتح في العربية أخف الحركات وأبسطها وأكثرها انسياباً، لذلك بدا السرد مجالاً للامتداد والتفصيل والتتابع. أما الشِّعر فمكسور، والكسر أقوى أثراً وأعمق نبرة، وفيه شيء من الانثناء الداخلي والتوتر الموسيقي، وهو ما ينسجم مع طبيعة الشعر بوصفه لغةً مشحونة بالاختزال والكثافة والانفعال. وهكذا تبدو العلاقة بين السرد والشعر علاقة اختلاف داخل ائتلاف، أو قرابة تتخفى في هيئة تباين.
وعند العودة إلى مجموعة “عام الوحش” لسعيد رضواني، يغدو هذا التأمل اللغوي مشروعاً نقدياً قابلاً للاختبار. فالقاص، وخاصة في قصة “شجرة البلوط”، يكتب سرداً ينطوي على الشعر دون أن يستسلم له أو يذوب فيه. إنه لا يحول القصة إلى قصيدة، لكنه يزرع داخل النسيج الحكائي بذور الشعر ومياهه الخفية. ولذلك يشعر القارئ أن اللغة السردية عنده لا تكتفي بوظيفة الحكي، بل تسعى إلى الإيحاء والمجاز والإنشاد الداخلي.
فالسارد يشغل عدداً من آليات الشعر بكثافة لافتة؛ إذ يكثر من التشبيه الذي يمنح الصور السردية بريقاً خاصاً، كما يستثمر الجناس والمقابلة والتناظر الصوتي والدلالي، فيخلق إيقاعاً داخلياً يجعل الجملة السردية قريبة من الجملة الشعرية دون أن تفقد وظيفتها الحكائية. إن سعيد رضواني يتجنب الشعر ظاهرياً، لكنه ينغمس فيه باطنياً؛ يبتعد عنه بوصفه جنساً مستقلاً، ويستدعيه بوصفه طاقة كامنة داخل اللغة.
ومن هنا يمكن فهم هاجس التناظر الذي يطبع كتابته. فالتناظر عنده ليس مجرد تقنية أسلوبية، بل رؤية للعالم وآلية لبناء النص. ولذلك ليس غريباً أن نعثر داخل المجموعة على قصة تحمل عنوان “لعبة النظائر”، وكأن الكاتب يعلن منذ العنوان انشغاله بالعلاقات المتقابلة والمتجاورة: السرد والشعر، الواقع والخيال، الظاهر والخفي، الحكاية وصداها الرمزي. ولعل فكرة الأكوان المتناظرة نفسها ضمن هذا الأفق، حيث تتجاور الأشياء في اختلافها وتتشابه في عمقها الخفي.
ولم أشأ هنا أن أتوقف عند تفاصيل قصة “شجرة البلوط” بقدر ما رغبت في الإشارة إلى حضور المكوّن الشعري داخل سرد سعيد رضواني. فالقارئ يحس، منذ الأسطر الأولى، أن خلف القاص شاعراً يتوارى ويتحايل على الظهور، شاعراً يراقب اللغة من الداخل ويعيد تشكيلها بحذر، بينما يصرّ الكاتب على تغليب السرد وإبقاء الحكاية في الواجهة.
إن المتأمل في “شجرة البلوط” سيلمس هذا النفس الشعري منذ الفقرة الأولى حتى آخر سطر في القصة. فالتشبيهات تتوالد بكثافة، لكنها لا تأتي بوصفها زينة بلاغية مجانية، بل باعتبارها أداة لرؤية العالم وإعادة تأويله. فالصورة عند رضواني ليست استراحة لغوية، بل هي جزء من حركة السرد نفسها. ولذلك يبدو التشبيه في الفقرة الأولى، على سبيل المثال، عالياً لا يُعلى عليه، لأنه يفتح المعنى على احتمالات متعددة، ويمنح اللغة طاقة إيحائية تجعل القصة تتجاوز مجرد الحكي نحو أفق جمالي أكثر رحابة.
وهكذا ينجح سعيد رضواني في إقامة منطقة وسطى بين السرد والشعر، منطقة لا تلغي الحدود بين الجنسين، لكنها تجعل تلك الحدود أكثر مرونة وثراء. فالقصة عنده تُقرأ بوصفها حكاية، لكنها تُحَسّ بوصفها قصيدة كامنة، قصيدة تخفت أحياناً وتعلو أحياناً أخرى، دون أن تتخلى عن قناع السرد.
تقنية النظير في عالم سعيد رضواني السردي: قراءة في «لعبة النظائر»
يصعب الاقتراب من تجربة سعيد رضواني السردية دون الانتباه إلى حضور بنية تتكرر في أعماله بأشكال مختلفة، يمكن اختزالها في مفهوم «النظير». غير أن الأمر لا يتعلق بتقنية شكلية أو بحيلة سردية عابرة، بل بآلية عميقة تنظم العلاقات بين الشخصيات والأحداث والأفكار. فالنصوص لا تبنى عنده على التطابق، وإنما على التشابه الذي يخفي اختلافًا، وعلى التماثل الذي يفضي إلى المفارقة.
من هذه الزاوية تبدو قصة «لعبة النظائر» امتدادًا واضحًا لهذا الاشتغال. فالعنوان نفسه لا يحيل إلى مجرد لعبة تقوم على الاستبدال أو التنكر، بل يعلن منذ البداية عن عالم تتحرك داخله الذوات بوصفها صورًا متجاورة، تتقاطع أحيانًا وتتعارض أحيانًا أخرى. وهكذا يصبح النظير أداة لامتحان الهوية أكثر منه وسيلة لتأكيدها.
وتتجسد هذه الرؤية من خلال العلاقة المركبة بين الكولونيل والنقيب ورمضان. فالصراع الظاهر بين الشخصيات يخفي صراعًا أعمق يتعلق بموقع كل شخصية داخل منظومة السلطة والاعتراف. فالنقيب لا يواجه الكولونيل باعتباره خصمًا مباشرًا فحسب، بل باعتباره صورة للتفوق الذي عجز عن بلوغه. ومن ثم يصبح الانتقام محاولة لتعويض هزيمة سابقة بقدر ما يكون محاولة للاستيلاء على موقع الآخر.
وفي هذا السياق يكتسب رمضان وظيفة تتجاوز دوره الحكائي المباشر. فهو ليس شخصية مستقلة تمامًا، ولا مجرد أداة تنفيذ داخل الخطة، بل يمثل منطقة الالتباس التي تقوم عليها القصة كلها. إنه النظير الذي يقترب من الأصل دون أن يصير أصلًا، والصورة التي تسعى إلى الحلول محل صاحبها دون أن تنجح في امتلاك شرعيته.
ومن هنا تتولد إحدى أهم ثنائيات النص: ثنائية الأصيل والزائف. غير أن القصة لا تقدمها بوصفها تقابلًا أخلاقيًا بسيطًا، بل بوصفها إشكالًا يتعلق بطبيعة الهوية نفسها. فما الذي يمنح الأصل أصالته؟ وما الذي يجعل التقليد عاجزًا عن الحلول محل النموذج الذي يحاكيه؟ تلك أسئلة تتردد في خلفية الأحداث، حتى عندما يبدو السرد منشغلًا بتفاصيل المؤامرة والتشويق.
ولعل ما يمنح هذه البنية عمقها هو ارتباطها بفكرة الإحلال. فالشخصيات لا تتواجه بصورة مباشرة دائمًا، بل عبر بدائل وصور وأقنعة. وما يبدو صراعًا بين أفراد يتحول تدريجيًا إلى صراع بين تمثيلات مختلفة للذات الواحدة. لذلك لا يظل التنكر حدثًا عابرًا داخل الحبكة، بل يصبح استعارة مركزية لالتباس الحدود بين الحقيقة وصورتها.
وتساعد لعبة الشطرنج، التي تحضر في خلفية الصراع، على إضاءة هذا الجانب. فالمواجهة لا تحسم بالقوة، وإنما بالقدرة على قراءة نيات الخصم واستباق حركاته. ولهذا لا ينتصر الكولونيل لأنه أقوى، بل لأنه أكثر قدرة على التأويل. إنه ينجح في قراءة ما يختبئ خلف الأفعال الظاهرة، في حين يبقى خصمه أسيرًا لرغبته في الثأر.
وتنفتح القصة، من خلال هذا المسار، على أبعاد تتجاوز الحكاية الفردية. فالسفارة، والثكنة العسكرية، والإشارات المرتبطة بالانتماء والرموز الثقافية، لا تؤدي وظيفة ديكورية داخل النص، بل تشكل خلفية لصراع أوسع يتعلق بتمثلات الهوية والسلطة والانتماء. غير أن القصة لا تحوّل هذه القضايا إلى خطاب مباشر، وإنما تتركها تتسلل عبر حركة الشخصيات ومصائرها.
وتكتسب نهاية النص دلالتها من هذا المنظور. فالانتصار الذي يحققه الكولونيل لا يبدو انتصار فرد على أفراد آخرين بقدر ما يبدو انتصارًا لمنطق الفهم على منطق الانفعال. فالمؤامرة تسقط لأنها اعتمدت على التشابه الخارجي وأغفلت الفروق الدقيقة التي تمنح الأشياء حقيقتها.
لهذا لا تُقرأ «لعبة النظائر» باعتبارها قصة تشويق فحسب، بل بوصفها تأملًا سرديًا في فكرة النظير نفسها. فكل شخصية تحمل ظل شخصية أخرى، وكل صورة تستدعي صورة مضادة، وكل يقين يكشف عن احتمال آخر يجاوره. ومن هذه الحركة المستمرة بين الأصل وصورته، وبين الحقيقة وانعكاسها، تستمد القصة كثافتها التأويلية وقدرتها على إبقاء المعنى مفتوحًا أمام القارئ.
وتتخذ هذه الحوارية مع الآخر والذات بعداً أكثر تجريداً في قصة «الريح»، حيث يتحول هذا العنصر الطبيعي من مجرد ظاهرة فيزيائية عابرة إلى قوة سيميائية وميتافيزيقية كبرى تحرك مصائر الشخوص وتخلخل ثبات الأشياء. إن الريح عند رضواني ليست عاصفة خارجية فحسب، بل هي صدى للاضطراب الداخلي والتشظي النفسي الذي يعصف بوعي الشخوص، وتغدو أداة لتعرية زيف الحقائق المستقرة ومساءلة يقين العالم الوجودي؛ فكما تبتلع الريح الأثر وتذرو الملامح، فإنها تعيد لفت الانتباه إلى طبيعة "الزمن السائل" الذي لا يثبت على حال، لتتماهى حركتها الذائبة وغير المرئية مع فعل السرد ذاته في ملاحقته للامساك بالمعنى المتفلت الذي يهبّ على الذات من عوالم الطفولة، أو من شقوق الذاكرة الملتبسة، مكرساً غياب الحدود اليقينية بين الداخل والخارج.
الأبعاد الخفية في قصة «لقاء مع بورخيس»
لا تبدو الأمكنة في قصة «لقاء مع بورخيس» مجرد إطار تجري فيه الأحداث، فهي تنهض بوظيفة دلالية تجعلها شريكة في بناء المعنى. فالطريق إلى البحر ليس طريقًا عاديًا بقدر ما يبدو عتبة انتقال من المألوف إلى المجهول، ومن صخب اليومي إلى فضاء أكثر انفتاحًا على التأمل والخيال. أما البحر، فلا يحضر باعتباره عنصرًا طبيعيًا فحسب، بل بوصفه أفقًا رحبًا تتداخل فيه الذاكرة بالاحتمال، والواقع بما يتوارى خلفه.
وفي مقابل هذا الفضاء المفتوح، يبرز معرض الكتاب باعتباره موطن المعرفة والكتابة، غير أن القصة تنزع عنه طابعه الاحتفالي المعتاد، ليغدو مكانًا يجاور البحر دون أن يندمج فيه. وكأن النص يضع الفكر والحدس في حالة تجاور دائم لا يبلغ تمام المصالحة. لذلك لا يتحقق اللقاء المرتقب في المعرض، بل يظل مؤجلًا، بما يضفي على المكان مسحة من المفارقة الدالة.
ويكتسب ملتقى الطرق القريب من بائع الجرائد أهمية خاصة، إذ يتخذ هيئة عتبة رمزية تتقاطع عندها المسارات والاحتمالات. فالمفترق لا يدل على الالتقاء وحده، بل يحمل في داخله إمكانية التباعد أيضًا. ومن ثم يبدو اللقاء مع بورخيس وكأنه حدث عابر على تخوم العالم اليومي، قبل أن ينزاح سريعًا نحو أفق أكثر تجريدًا.
وتتجاوز الحركة المكانية بعدها الوصفي لتغدو انعكاسًا لحركة داخلية موازية. فرفع الرأس نحو السماء لا يحيل فقط إلى فعل النظر، بل إلى التطلع نحو المعنى والأسئلة الكبرى، فيما يستدعي العمق ما يتصل بخفايا الذات ومناطقها الملتبسة. وهكذا تتحول الاتجاهات والمسافات إلى إشارات ضمنية على رحلة بحث لا تنتهي.
في قلب هذه الأمكنة جميعًا تتشكل العلاقة بين الأنا وبورخيس. وهي علاقة تتجاوز حدود الإعجاب الأدبي إلى منطقة أكثر تعقيدًا، حيث يغدو الآخر مرآة لاختبار الذات ومساءلتها. فبورخيس لا يظهر في النص بوصفه شخصية ثقافية فحسب، بل بوصفه صورة ممكنة لما يمكن أن تؤول إليه الذات الكاتبة، أو سؤالًا مفتوحًا حول معنى التأثير وحدود الاقتداء.
ومن هنا يكتسب الحوار بين الطرفين طابعه الإشكالي. فالرغبة في الاقتراب من النموذج تقابلها في الآن نفسه رغبة في الحفاظ على المسافة الضرورية لصون الخصوصية. لذلك لا ينشغل النص بإثبات التشابه أو الاختلاف بقدر ما ينشغل باستكشاف المنطقة الرمادية الواقعة بينهما، حيث تتجاور الأصوات دون أن تذوب في بعضها.
وتتخذ صورة المرآة أهميتها ضمن هذا السياق. فهي لا تعمل على مضاعفة الذات بقدر ما تكشف هشاشتها وتعدد وجوهها. وما ينعكس فيها ليس صورة مكتملة، بل هوية في طور التشكل، تتعرف إلى نفسها عبر الآخر بقدر ما تختلف عنه. لذلك لا تبدو المرايا في القصة أدوات للنرجسية، بل وسائل للارتياب الخلاق الذي يرافق كل محاولة لفهم الذات.
أما فكرة «الكائن الثالث» التي تلوح في ثنايا النص، فتدفع العلاقة بين الأنا والآخر إلى مستوى أكثر تركيبًا. فالأمر لا يتعلق بذات تقابل ذاتًا أخرى، وإنما بفضاء ثالث يتولد من الحوار بينهما، كأن الكتابة نفسها تصبح ذلك الكائن الخفي الذي ينشأ من تفاعل الأصوات والرؤى والتجارب.
وعلى هذا النحو، تتجاور في القصة أسئلة الأدب والعلم والخيال والواقع دون أن تخضع لحدود فاصلة. فالمعرفة لا تظهر هنا بوصفها حقولًا منفصلة، بل باعتبارها مسارات متقاطعة تتبادل التأثير وتغتني بالاختلاف. ومن ثم يغدو الحوار حول الأدب والعلم جزءًا من تأمل أوسع في طبيعة المعرفة الإنسانية وقدرتها على تجاوز التقسيمات الجاهزة.
وتزداد هذه الرؤية عمقًا من خلال البنية الزمنية للنص، حيث يتداخل الماضي بالحاضر، والحقيقة بالتخييل، على نحو يجعل الزمن أقرب إلى زمن الحلم منه إلى التسلسل التقليدي للأحداث. فلا يعود القارئ متيقنًا من حدود ما وقع فعلًا وما جرى تخيله، وهو التباس ينسجم مع طبيعة النص وأسئلته.
ولا تقدم النهاية حسمًا لهذه الإشكالات، بل تتركها معلقة في فضاء الاحتمال. فالرسائل المتبادلة، وما يكتنفها من غموض، لا تغلق باب التأويل، بل تفتحه على مصراعيه. لذلك لا تنتهي القصة عند حدود اللقاء المتخيل بين الراوي وبورخيس، بل تتحول إلى تأمل في الكتابة ذاتها: كيف تصنع الذات صوتها الخاص وهي تتحاور مع الأصوات التي سبقتها؟ وكيف يمكن للكاتب أن يتحرر من تأثير أسلافه عبر محاورتهم لا عبر إنكارهم؟
من هذا المنظور، لا يحضر بورخيس في النص بوصفه شخصية مستعادة من التاريخ الأدبي فحسب، بل بوصفه مرآة لاختبار إمكانات الكتابة وحدودها. ولهذا يظل اللقاء مؤجلًا على الدوام، مثل أفق يبتعد كلما ظن القارئ أنه اقترب منه، وكأن القصة تؤكد أن الحوار الحقيقي مع الآخر، ومع الذات، لا يبلغ خاتمته أبدًا.
قراءة في قصة «لعبة النظائر»
تنهض قصة «لعبة النظائر» على بنية سردية تتجاوز حدود الحكاية البوليسية المباشرة لتؤسس فضاءً تتداخل فيه الأقنعة بالهويات، والظاهر بالمضمر، والخطة المعلنة بما يختبئ خلفها من استراتيجيات مضادة. ومنذ العنوان، يجد القارئ نفسه أمام مفهوم مركزي سيواصل الاشتغال داخل النسيج السردي كله: مفهوم النظير. فالنظير ليس التماثل، بل هو التشابه الذي يخفي اختلافًا جوهريًا، وهو ما يمنح النص كثافته الرمزية ويجعل من شخصياته وأحداثه حقولًا للتأويل.
في هذا السياق يكتسب رمضان حضوره الإشكالي. فالشخصية لا تتحرك باعتبارها فاعلًا مستقلًا بقدر ما تتحول إلى نقطة تقاطع بين هويات متعددة. الاسم المشبع بحمولته الدينية يستدعي أفقًا من المعاني المرتبطة بالتزكية والانضباط الروحي، غير أن مسار الشخصية يدفعه إلى فضاء مغاير تحكمه المؤامرة والتخفي والالتباس. ومن هذا التوتر بين الاسم والفعل تتولد إحدى المفارقات المؤسسة للنص.
ولا يختلف المدفع عن الشخصية في اشتغاله الرمزي. فهو لا يؤدي وظيفة تقنية داخل الحدث فحسب، بل يخضع بدوره لتحول دلالي يجعل الرمز ينقلب على مدلوله المألوف. وما يبدو علامة احتفال أو إعلان يتحول إلى ستار تختمر خلفه مشاريع الهدم والتدمير. وهكذا تنشغل القصة بتقويض اليقين المرتبط بالعلامات، مؤكدة أن الأشياء لا تُختزل في مظاهرها الأولى.
وتتحرك الشخصيات داخل فضاء أقرب إلى رقعة شطرنج واسعة، حيث لا تُقاس قيمة الحركة بما تظهره من نتائج مباشرة، بل بما تخفيه من احتمالات. لذلك لا يبدو الصراع بين النقيب والكولونيل مجرد تنافس مهني أو عسكري، بل مواجهة بين نمطين من الوعي. الأول تحركه رغبة دفينة في الثأر واستعادة توازن مفقود، والثاني يستند إلى قدرة أعلى على قراءة الوقائع واستباق التحولات.
ومن هنا يكتسب السرد طابع اللعبة الذهنية. فكل خطوة تقابلها خطوة مضادة، وكل خطة تفضي إلى خطة أخرى أكثر تعقيدًا. ولا يلبث القارئ أن يكتشف أن جوهر الصراع لا يكمن في السيطرة على الواقع، بل في امتلاك القدرة على تأويله تأويلًا صحيحًا. فالخاسر الحقيقي ليس من يسقط في النهاية، وإنما من يعجز عن إدراك طبيعة الرقعة التي يتحرك فوقها.
وتزداد هذه الرؤية وضوحًا من خلال شبكة الإشارات التي ينسجها النص حول التماثل والاختلاف. ففكرة النظائر المستمدة من الحقل العلمي لا تُستدعى هنا على سبيل الزينة الثقافية، بل تتحول إلى مبدأ بنائي يحكم العلاقات بين الشخصيات والأحداث. فالمتشابهات لا تتطابق، والوجوه المتقاربة تخفي دوافع متباينة، وما يبدو نسخة من الأصل لا يكون إلا انحرافًا عنه.
ولهذا تكتسب مسألة الهوية حضورًا لافتًا. فالشخصيات لا تُعرَّف بما هي عليه فقط، بل بما تتقمصه من أدوار، وما تخفيه من نوايا، وما تسعى إلى إظهاره أو حجبه. إن الهوية في هذا النص ليست معطى ثابتًا، بل بناء متحركًا يتشكل داخل لعبة مستمرة من الأقنعة والتجليات.
ومن زاوية سيميائية، يمكن النظر إلى القصة بوصفها سردية للأهواء بقدر ما هي سردية للأفعال. فالرغبة في الانتقام، والولاء، والطموح، والارتياب، والشعور بالنقص، كلها قوى خفية تدفع الشخصيات إلى اتخاذ مواقفها. وما الأحداث الظاهرة إلا تمظهرات خارجية لصراعات أعمق تدور في الداخل. لذلك لا تتحرك الشخصيات وفق منطق عقلاني خالص، بل تحت تأثير شبكة معقدة من الانفعالات والرغبات المتعارضة.
ويبدو الكولونيل في النهاية أقل انتصارًا بوصفه فردًا وأكثر انتصارًا بوصفه ممثلًا لمنطق القراءة والتأويل. فهو لا يهزم خصمه بالقوة، بل بقدرته على فهم ما يختبئ وراء الوقائع. أما النقيب فيسقط لأنه يظل أسير صورة واحدة للواقع، غير منتبه إلى أن اللعبة التي يعتقد أنه يديرها قد أصبحت جزءًا من لعبة أكبر.
بهذا المعنى، لا تقتصر «لعبة النظائر» على سرد حكاية تشويق محكمة البناء، بل تطرح سؤالًا أعمق يتعلق بطبيعة الحقيقة ذاتها. فكل حقيقة في النص تبدو قابلة لأن يكون لها نظير آخر، وكل وجه يحمل إمكانية أن يكشف قفاه، وكل صورة تستبطن صورة أخرى. ومن هنا تستمد القصة قوتها، لا من الحل الذي تنتهي إليه، بل من قدرتها على إبقاء القارئ داخل متاهة التأويل حتى بعد إغلاق الصفحة الأخيرة.
قراءة في قصة «حمامة أو مدينة لا كالمعتاد»
يضعنا عنوان قصة «حمامة أو مدينة لا كالمعتاد» منذ الوهلة الأولى أمام تركيب ملتبس يقاوم الحسم. فالعطف بـ«أو» لا يؤدي وظيفة الاختيار بقدر ما يفتح منطقة تردد بين صورتين متباعدتين ظاهريًا: الحمامة والمدينة. الأولى تحيل إلى الهشاشة والتحليق والبراءة، والثانية إلى العمران والضجيج وتشابك العلاقات الإنسانية. ومن هذا التوتر الأولي يتولد أفق القراءة، إذ لا يتعلق الأمر بحكاية تدور داخل مدينة أو حول حمامة، بل بمحاولة استكشاف العلاقة الملتبسة بين الكائن وعالمه، بين البراءة والعنف، وبين الحلم والواقع.
تتحرك القصة داخل فضاء سردي تتجاور فيه الأزمنة والمستويات الإدراكية دون حدود فاصلة. فالواقع لا يُقدَّم بوصفه معطى ثابتًا، بل بوصفه احتمالًا من بين احتمالات أخرى. لذلك يبدو السارد وكأنه يعيش حالة من الارتياب المستمر تجاه العالم المحيط به. إنه لا يكتفي بمساءلة الأشياء، بل يشك في الأسس التي تمنحها وجودها أصلاً. ومن هنا تكتسب التأملات الفلسفية المتناثرة داخل النص أهميتها، لأنها لا تأتي بوصفها استعراضًا معرفيًا، وإنما باعتبارها جزءًا من الأزمة الوجودية التي تحاصر الشخصية.
ولا ينفصل استدعاء مفارقة زينون عن هذا الأفق. فالحركة التي تبدو ممكنة تتحول إلى استحالة داخل الحسابات التجريدية، واليقين الذي يبدو متاحًا يتبدد كلما اقتربنا منه. كأن النص يلمح إلى أن الإنسان لا يعجز عن الوصول إلى الحقيقة فحسب، بل يعجز حتى عن التأكد من وجود طريق مستقيم يقوده إليها.
وتبرز الحمامة بوصفها إحدى أكثر الصور كثافة في القصة. فهي لا تستقر على معنى واحد، بل تظل قابلة للتحول تبعًا للسياقات التي تظهر فيها. أحيانًا تبدو تجسيدًا للهشاشة المهددة بالعنف، وأحيانًا أخرى تتحول إلى علامة على ما تبقى من جمال في عالم تتزايد فيه مظاهر القسوة. ولذلك فإن مشهد الاعتداء عليها لا يقتصر على حدث عابر داخل الحبكة، بل يكتسب قيمة رمزية تجعل منه اعتداءً على إمكان البراءة نفسها.
في مقابل ذلك يحضر الفنان باعتباره شخصية تنتمي إلى الضفة الأخرى من الوجود. غير أن القصة لا تقدمه بوصفه حاملًا للحقيقة أو ممثلًا للجمال الخالص، بل بوصفه جزءًا من لعبة الإدراك نفسها. فلوحاته لا تضع حدًا للشك الذي يعيشه السارد، وإنما تدفعه إلى مزيد من الارتياب. وحتى الجمال لا ينجو من المساءلة، إذ يغدو بدوره قابلًا لأن يُنظر إليه باعتباره خداعًا بصريًا أو بناءً متخيلًا لا يقل هشاشة عن بقية الأشياء.
ومن هنا تنشأ إحدى أكثر المفارقات إثارة في النص: السارد الذي ينجذب إلى الجمال هو نفسه الذي يتخيل تدميره. فالمشرط المدسوس في جيبه لا يبدو مجرد أداة مادية، بل تعبيرًا عن نزعة هدم كامنة تتجاور مع الرغبة في التأمل والتذوق. وكأن الذات موزعة بين قوتين متعارضتين: رغبة في حماية المعنى ورغبة أخرى في اختبار هشاشته حتى أقصاها.
ويزداد هذا التوتر عمقًا مع حضور الشخصية النسائية. فهي لا تؤدي وظيفة حكائية تقليدية، بل تبدو أشبه بإمكانية للخروج من دائرة الارتياب المغلقة. غير أن السارد نفسه لا يكف عن التشكيك في وجودها، فيتحول الأمل بدوره إلى موضوع للشك، شأنه شأن بقية عناصر العالم.
وتشتغل القصة على الحدود الفاصلة بين الواقع والتخييل بطريقة تجعل من المستحيل الفصل بينهما بشكل نهائي. فالأحداث لا تتقدم وفق منطق واقعي صارم، بل وفق منطق الوعي وهو يراقب ذاته ويعيد إنتاج العالم من حوله. لذلك لا يعود السؤال متعلقًا بما إذا كانت الأشياء حقيقية أو متخيلة، بل بمدى قدرتنا أصلًا على التمييز بين الحالتين.
ولعل هذا ما يمنح المدينة حضورها الخاص. فهي ليست مجرد إطار مكاني للأحداث، بل حالة وجودية تتجسد فيها مشاعر الاغتراب والالتباس والبحث الدائم عن معنى. مدينة لا كالمعتاد لأنها تُرى بعين قلقة، وعبر وعي لا يتعامل مع الواقع باعتباره يقينًا نهائيًا، بل باعتباره سؤالًا مفتوحًا.
وفي العمق، تبدو القصة تأملًا في العلاقة الشائكة بين العنف والجمال. فكلما ظهر أحدهما استدعى الآخر، وكلما بدا الجمال قابلاً للاحتفاء ظهر ما يهدده أو يشوهه. ومن هذا التوتر المتواصل تستمد القصة طاقتها الشعرية والفلسفية معًا.
لهذا لا تُقرأ «حمامة أو مدينة لا كالمعتاد» باعتبارها حكاية عن حادثة أو شخصيات محددة، بل باعتبارها رحلة داخل وعي مأزوم يحاول أن يفهم العالم بينما يفقد ثقته تدريجيًا في أدوات الفهم نفسها. إنها قصة تنشغل بأسئلة الوجود أكثر مما تنشغل بالأجوبة، وتراهن على قوة الشك لا بوصفه حالة سلبية، بل باعتباره الطريق الوحيد الممكن نحو معرفة لا تكتمل أبدًا.
البعد السوريالي في قصة «حمامة أو مدينة لا كالمعتاد»
يبدو عنوان «حمامة أو مدينة لا كالمعتاد» وكأنه يضع القارئ منذ البداية أمام مفترق تأويلي. فالعطف بـ«أو» لا يحسم العلاقة بين الطرفين، بل يعلقها في منطقة من التردد والاحتمال. هل نحن أمام حمامة اتسعت حتى صارت مدينة؟ أم أمام مدينة فقدت يقينها وتحولت إلى حمامة هاربة من ذاتها؟ هكذا لا يقدم العنوان موضوع القصة بقدر ما يعلن طبيعتها الملتبسة.
ولا يلبث هذا الالتباس أن يمتد إلى النسيج السردي كله. فالقصة لا تبني عالمها على الحدود الواضحة بين الواقع والخيال، بل تجعل هذه الحدود نفسها موضع مساءلة. لذلك يتحرك السارد داخل فضاء يتآكل فيه اليقين تدريجيًا، وتصبح الأشياء عرضة للشك المستمر. العالم هنا ليس معطى جاهزًا، وإنما تجربة إدراكية قلقة، تتغير صورته بتغير الوعي الذي يراقبه.
ومن هذه الزاوية يكتسب حضور الحمامة كثافته الدلالية. فهي لا تستقر على رمز واحد، ولا يمكن اختزالها في معاني السلام أو البراءة وحدها. إنها صورة متحركة تتنقل بين الهشاشة والنجاة، بين الرغبة في التحليق وإمكانية السقوط. وكلما حاول النص تثبيت معناها انفتحت على معنى آخر يناقضه أو يجاوره.
والأمر نفسه ينسحب على المدينة. فهي لا تظهر باعتبارها فضاءً عمرانيا محددًا، بل بوصفها حالة وجودية. مدينة يسكنها القلق أكثر مما يسكنها البشر، وتتجاور فيها الرغبة في المعنى مع الإحساس الدائم بفقدانه. ولذلك تبدو «المدينة غير المعتادة» أقل ارتباطًا بالمكان وأكثر اتصالًا بطريقة النظر إليه.
وتنبع قوة النص من قدرته على جعل الشك مبدأً بنائيًا. فالسارد لا يشك في الوقائع وحدها، بل يشك في أدوات الإدراك نفسها. المرأة التي يلتقيها قد تكون حقيقية أو متخيلة، والأصوات التي يسمعها قد تنتمي إلى الخارج أو إلى داخله، والزمن الذي يتحرك فيه يبدو أحيانًا وكأنه يتعطل أو يلتف على نفسه.
في هذا السياق لا يبدو استدعاء مفارقة زينون مجرد إحالة ثقافية عابرة، بل ينسجم مع الرؤية العميقة للنص. فكما يصبح الوصول مستحيلًا في المفارقة الفلسفية، يبدو بلوغ اليقين مستحيلًا داخل عالم القصة. كل حقيقة تنقسم إلى احتمالات، وكل يقين يفضي إلى شك جديد.
ومن هنا يكتسب البناء الدائري أهميته. فالشخصية لا تتقدم نحو حل أو خلاص بقدر ما تدور داخل متاهتها الخاصة. إنها تعود باستمرار إلى النقطة التي حاولت مغادرتها، وكأن الأزمة لا تُعاش بوصفها حدثًا عابرًا، بل باعتبارها شرطًا وجوديًا ملازمًا للذات.
أما البعد السوريالي في النص فلا ينبع من حضور أحداث خارقة أو مشاهد غرائبية فحسب، بل من الطريقة التي يعاد بها تشكيل الواقع نفسه. فالمألوف يصبح غريبًا، والعادي يتحول إلى مصدر للارتياب، والزمن يفقد انتظامه المعتاد. لا يعود العالم محكومًا بمنطق السببية الصارم، بل بمنطق التداعي والقلق والحلم.
ولهذا لا تبدو الصور السوريالية في القصة زينة أسلوبية أو تمرينًا تخييليًا، وإنما امتدادًا طبيعيًا لحالة الوعي التي يعيشها السارد. فالكوابيس، والهواجس، والتشويش الحسي، والانزياحات الزمنية ليست عناصر منفصلة عن البناء النفسي للشخصية، بل هي تجلياته السردية.
ومن داخل هذا العالم المأزوم تتشكل العلاقة بين العنف والجمال. فالفن لا يقدم ملاذًا نهائيًا، كما أن العنف لا يظهر بوصفه فعلًا ماديًا فقط. كلاهما يتحول إلى وجه من وجوه الصراع الداخلي الذي تعيشه الشخصية. لذلك تظل القصة مشدودة إلى منطقة وسطى لا تنتصر فيها البراءة بالكامل ولا يهيمن فيها الخراب بصورة مطلقة.
في النهاية، لا تقترح «حمامة أو مدينة لا كالمعتاد» أجوبة جاهزة حول الوجود أو الهوية أو الحقيقة، بل تدفع القارئ إلى اختبار هشاشة هذه المفاهيم نفسها. إنها قصة تنبني على الارتياب الخلاق أكثر مما تنبني على اليقين، وعلى الأسئلة أكثر مما تنبني على الإجابات. ولهذا تظل بعد الانتهاء منها مفتوحة على قراءات متعددة، شأنها شأن الحلم الذي يبقى أثره في الذاكرة أطول من تفاصيله.
خاتمة تسعى لجمع شتات ما سبق:
تكشف مجموعة «عام الوحش» عن مشروع سردي يقوم على مساءلة اليقين أكثر مما يقوم على إنتاج الأجوبة. فالشخصيات تتحرك داخل عوالم يختلط فيها الأصل بصورته، والواقع بتمثلاته، والهوية بأقنعتها المتعددة. ومن خلال هذا الاشتغال المستمر على المرايا والنظائر والتحولات، ينجح سعيد رضواني في بناء عالم حكائي تتجاور فيه الفلسفة مع التشويق، والشعر مع السرد، والواقع مع الغرائبية، دون أن يفقد النص تماسكه الفني أو متعته الحكائية.
وإذا كان الوحش، في عنوان المجموعة، يبدو لأول وهلة رمزاً للهدم والافتراس، فإن القراءة المتأنية تكشف أنه رمز للتحول أيضاً؛ ذلك أن القصص لا تكتفي بتمثيل العالم، بل تعيد ابتلاعه وإعادة تشكيله وفق منطق تخييلي جديد. ومن هنا تنبع فرادة هذه التجربة، إذ تجعل من الكتابة نفسها فعلاً لإعادة خلق الواقع، ومن القصة فضاءً مفتوحاً للأسئلة التي تظل أكبر من كل إجابة نهائية.