نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

زهرة تكتب الزهور في ديوانها "شبيهي في وجوه" بأنفاس قصيدة النثر

حين اختارت زهراء أحمد بولحية أن تكتب ديوانها "شبيهي في وجوه" في أفق قصيدة النثر، لم يكن خيارها مجرد مغادرة للبحور العروضية بقدر ما كان انحيازاً إلى تصور مخصوص للشعر، تصور يرى أن الشعرية لا تنبع من انتظام التفعيلات، وإنما من قدرة اللغة على توليد الدهشة وإعادة تشكيل العلاقة بين الذات والعالم. لذلك تبدو قصائد هذا الديوان امتداداً لذلك المسار الذي جعل من قصيدة النثر فضاءً للحرية التعبيرية، ومجالاً لتداخل السردي والتأملي والرمزي دون أن تفقد القصيدة هويتها الشعرية
.

لقد رأت سوزان برنار، في كتابها المرجعي حول قصيدة النثر، أن هذا الشكل الشعري يقوم على ثلاث ركائز أساسية: الإيجاز والكثافة والوحدة العضوية. والمتأمل في نصوص الديوان يلمس حضور هذه العناصر مجتمعة. فالقصيدة لا تبني معناها عبر التطور الحكائي أو التنامي الدرامي التقليدي، بل عبر شبكة من الصور والإشارات التي تتضافر لتشكيل نواة شعورية واحدة. ومن هنا تبدو معظم النصوص وكأنها لحظة انفعال مكثفة أكثر منها خطاباً يسعى إلى الشرح أو التقرير.

في قصيدة "عيون لا كالعيون" تبرز هذه الكثافة بوضوح. فالشاعرة لا تصف العيون بقدر ما تحوّلها إلى مجال رمزي تتقاطع فيه النار والطوفان والطين والرماد والظنون. تقول:

«هل خبرت سر العيون
في حمأتها نار
وبؤس مصون..
يشعل طوفانها.. طين مجنون..
تفجر رماده
والكلام
وجه ظنون» (ص7).

إن العين في هذا النصيص تشكل مستودعاً للذاكرة والوجع والتجربة الإنسانية. وحين تقول: «في حمأتها نار / وبؤس مصون»، فإنها تنقل العين من حقل الإدراك الحسي إلى حقل المعاناة الوجودية. وهنا تتجلى إحدى خصائص قصيدة النثر التي تحدث عنها أدونيس حين اعتبر أن الشعر الحديث لا يصف العالم بل يعيد خلقه. فالعيون في هذا النص ليست ما نعرفه عنها في الواقع، بل ما تصير إليه داخل المخيلة الشعرية. كما أن التكرار الصوتي لحرفي النون والضاد في «مصون»، «مجنون»، «ظنون» يخلق جرسا داخليا خافتا يمنح النص تماسكا إيقاعيا ناتجا عن التواشج الصوتي لا عن الوزن العروضي.

وتتأكد هذه النزعة التحويلية في قصيدة "إن مني راسي"، حيث يتحول المكان إلى معادل نفسي. تقول الشاعرة:

«هذه شطآني .. صرخة
تهادن صوتي وصبوتي
جزر
يحتمي بأمسي
وفي تورد المساء أغنية
تصيح بي
أين بيتي
أين مرقص المواسم
أين أمسي..» (ص8).

فالشاطئ والجزر والمساء والبيت تعد علامات على اغتراب الذات. إن السؤال المتكرر: «أين بيتي؟» لا يبحث عن مكان ضائع، بل عن هوية مهددة بالتشظي. ويبدو النص هنا قريباً مما يسميه غاستون باشلار "شعرية المكان"، حيث تتحول الأمكنة إلى صور للوجود الداخلي. فالبيت ليس بناءً مادياً بل صورة للطمأنينة المفقودة، ولذلك يصبح البحث عنه بحثاً عن الذات نفسها. كما أن تكرار أداة الاستفهام «أين» في خاتمة المقطع يؤدي وظيفة إيقاعية ودلالية معاً، إذ يحول السؤال إلى لازمة نفسية تتردد في فضاء النص وتكثف شعور الضياع.

ومن السمات اللافتة في الديوان أن الشاعرة تنزع إلى تخفيف سلطة التصريح لصالح الإيحاء. ففي قصيدة "وشوشة" لا نجد خطاباً مباشراً، بل عالماً من الهمس والظلال والسحب العابرة. تقول:

«لعلنا ننشئ لنا من همس الحروف
وشوشة...
تسمع الناس ما في جوف أسرارها
فتتأسى بهسيس صوت.. وما الأصوات إلا
وشي ظل سحابة كلنا عابرها...» (ص10).

وإذا كانت قصيدة النثر قد سعت منذ بداياتها إلى تحرير اللغة من البلاغة الخطابية، فإن زهراء أحمد بولحية تحقق ذلك عبر بناء نصوص تتأسس على الإنصات أكثر مما تتأسس على الإعلان. فالوشوشة تصبح لغة بديلة عن الضجيج، والهسيس يتحول إلى أداة لمعرفة الذات والعالم. ولذلك لا تبدو العبارة الختامية مجرد صورة شعرية جميلة، بل تعبيراً عن رؤية وجودية ترى الكائن الإنساني عابراً في عالم زائل. ويلاحظ هنا أن التآلف الصوتي بين «همس»، و«وشوشة»، و«هسيس» يولد إيقاعاً هامساً ينسجم مع موضوع القصيدة نفسها، وكأن البنية الصوتية للنص تحاكي دلالته.

ويحضر الزمن في الديوان بوصفه أحد محركات التجربة الشعرية الأساسية. ففي قصيدة "من سنوات" نستشعر حركة الانتقال من الامتلاء إلى الفراغ. تقول الشاعرة:

«من سنوات..
كانت الدروب كبيرة.. في عيون الليل..
وتضاريس السماء..
تكاد تنحني...
والمطر يكاد يزف بشرى..
كنا نجلس نرتشف.. على عروش الأيك.. ما تيسر.. من رجاء
العواصف.. لم تكن تمهل..
تجري بسفن العمر
تعلق.. رايتها الخرقاء..
وإذا الدروب الكبيرة..
تصير خواء...» (ص12).

إن الشاعرة لا ترثي زمناً مضى بقدر ما ترصد أثر الزمن في الأشياء والذوات. وهنا يبرز ما أشار إليه بول ريكور في حديثه عن الذاكرة بوصفها إعادة بناء للماضي لا استعادته كما كان. فالقصيدة لا تسترجع الماضي وإنما تعيد تشكيله من خلال حسرة الحاضر. كما أن كثرة الوقفات التي تفرضها علامات الحذف تجعل الإيقاع متقطعاً، وكأن الذاكرة نفسها تستعيد صورها على هيئة ومضات متباعدة، الأمر الذي ينسجم مع طبيعة التذكر والتداعي.

وتعد قصيدة "حافية" من أكثر نصوص الديوان تمثيلاً لشعريته. ففيها تتضافر الذاكرة والأسطورة والرمز والبعد البصري لتشكيل نص مفتوح على مستويات متعددة من القراءة. تقول الشاعرة:

«تنتعل الرمل
تزرع في قلب الأرض
سؤالها..
تمشي

ح
ا
ف
ي
ة..

تجيب الخطوات..
أنا ابنة الرمل
ومن ذراتي صناديد وصل
يوثق عرى الأدغال..»

فالحفاء هنا ما هو سوى رمز لعلاقة مباشرة بين الذات والعالم. فالشاعرة تسير بلا حواجز، تواجه الأرض والريح والقلق والمصير بقدمين عاريتين. كما أن تفكيك كلمة "حافية" عمودياً داخل النص يمنح الكتابة بعداً بصرياً يجعل الشكل جزءاً من الدلالة، وهو ما يتوافق مع ما ذهبت إليه بعض الدراسات الحديثة التي ترى أن قصيدة النثر لا تشتغل باللغة وحدها، بل تستثمر أيضاً بياض الصفحة وتنظيم الفضاء النصي.

ولا يمكن إغفال الحضور الكثيف للتناص في هذه القصيدة. فاستدعاء «قلب أم موسى» في قولها:

«وقلب أم موسى
فارغ
إلا من أوحال..»

لا يأتي عرضاً، وإنما يؤدي وظيفة رمزية دقيقة. فالشخصية القرآنية التي ارتبطت بالخوف والترقب والرجاء تتحول إلى مرآة لقلق الذات المعاصرة. وهنا لا يستعمل التراث بوصفه زينة ثقافية، بل باعتباره طاقة دلالية تُعاد صياغتها داخل سياق جديد. وهذا ما يجعل النص متحرراً من النقل المباشر، ومنخرطاً في عملية إعادة إنتاج للرموز التراثية.

أما خاتمة القصيدة:

«حافية مازلت أسير
أنتعل جوارب صيف مضى
ولم يخلف غير عمر
يضرب في أكتاف الأرض
متوجساً من مصير...»

فتمثل ذروة الشعور الوجودي في النص، حيث يتحول الحفاء من حالة جسدية إلى قدر رمزي طويل المدى. كما أن التكرار الصوتي لحروف الصاد والسين والراء في «أسير»، «صيف»، «مصير» يضفي نبرة شجية تتلاءم مع أفق التأمل والحسرة الذي تنتهي إليه القصيدة.

أما في قصيدة "لاحمرة"، فتدخل الشاعرة منطقة شديدة الخصوصية من مناطق قصيدة النثر، هي منطقة التأمل في اللغة ذاتها. تقول:

«أشهد أن لا حمرة
تشفيني
تجفف البين الذي بينك وبيني
سوى قصيدة خجلى
تأتيني بنبرة
من سدرة منتهى الجمر..
وبيني وبينك مثل
شعرة النشر والنثر
أتلعثم في خجلي
وتصير اللغة
بعيدة مهوى القرط...» (ص71).

فالكلمات هنا تنقل التجربة وتصير في الآن ذاته موضوع التجربة. وتكاد عبارة «وبيني وبينك مثل شعرة النشر والنثر» تختزل وعي الكاتبة بطبيعة مشروعها الشعري. فهي تتحرك في منطقة التماس بين الشعر والنثر، لكنها لا ترى في ذلك تناقضاً، بل فرصة لإنتاج شكل تعبيري جديد. ولذلك تتولد موسيقى النص من التجاور الصوتي والتكرار والتماثلات اللفظية، لا من الإيقاع الخارجي. ويبرز ذلك بوضوح في لعبة التقارب الصوتي بين «النشر» و«النثر» وما يرافقها من جناس يخلق توتراً دلالياً وإيقاعياً في آن واحد.

ويكشف الديوان، في أكثر من موضع، عن وعي واضح بقيمة الإيقاع الداخلي. فالنقاد الذين هاجموا قصيدة النثر كثيراً ما انطلقوا من فكرة غياب الموسيقى عنها، غير أن نصوص زهراء أحمد بولحية تقدم مثالاً معاكساً. ففي "القيثارة" تتشكل الموسيقى من التكرار الصوتي ومن المد الكتابي للكلمات. تقول الشاعرة:

«تبدأ في الغناء.. القيثارة..
رتييييبة
حزيييينة
وحييييدة»

إن هذه التقنية تجعل العين تسمع قبل أن تقرأ، وتحوّل الصفحة إلى فضاء سمعي بصري في الوقت نفسه. فالامتداد الخطي للحروف يحاكي زمنياً امتداد النغمة الموسيقية، ويمنح الكلمات قيمة أدائية تتجاوز معناها المعجمي. وهنا نستحضر ما ذهب إليه أنسي الحاج حين رأى أن إيقاع قصيدة النثر ليس نظاماً عروضياً ثابتاً، بل نبض داخلي يتولد من حركة النص نفسه. كما أن تكرار كلمة «القيثارة» في المقطع يؤدي وظيفة لحنية تجعلها أشبه بلازمة موسيقية تعود باستمرار لتوحيد البناء الإيقاعي للقصيدة.

ومن جهة أخرى، يلفت الانتباه الحضور القوي للمكان في الديوان، ولا سيما في قصيدة "رباك" المهداة إلى مدينة العرائش وبالأخص إلى ليكسوس الأسطورية. تقول الشاعرة:

«يا مدينة حضنها التاريخ
بصمت فجري
كما حضنتها الأساطير
وسفن العبور
تجدل أماسيها
والنهر لمغنى المليحات.. وسنان..
فيهدر الأطلسي:
هنا تزهر الظلال..» (ص87 ـ 88).

غير أن المكان لا يقدم بوصفه إطاراً جغرافياً، بل بوصفه ذاكرة حية. فالمدينة تتحول إلى كائن أسطوري تتجاور فيه الأندلس والأساطير وسفن العبور والأطلسي. وهنا تقترب الكتابة من شعرية الهوية المكانية التي تجعل المكان خزّاناً للتاريخ والوجدان معاً. فليكسوس العرائش تتجاوز كونها مدينة لتصيرسردية ثقافية وحضارية تستعيدها الشاعرة عبر لغة مشبعة بالحنين والاعتزاز.

إن ما يمنح ديوان "شبيهي في وجوه" خصوصيته في النهاية ليس موضوعاته وحدها وإنما في الكيفية التي تتحول بها هذه الموضوعات إلى نسيج شعري متداخل. فالذات والذاكرة والمكان والزمن واللغة تتشابك جميعها داخل رؤية ترى العالم من خلال مرآة التأمل والحنين والأسئلة المفتوحة. ومن ثم فإن الديوان لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يراهن على ما هو أبعد من ذلك: على إثارة القلق الجمالي، وعلى دفع القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى.

هكذا تؤكد زهراء أحمد بولحية أن قصيدة النثر ليست بديلاً ناقصاً عن الشعر الموزون، كما يذهب بعض خصومها، بل شكلاً شعرياً يمتلك أدواته الخاصة وشروطه الجمالية المميزة. ومن خلال هذا الديوان تنجح الشاعرة في بناء عالم شعري تتجاور فيه الموسيقى الخفية مع الصورة الكثيفة، والذاكرة مع الرمز، والذات مع المكان، لتمنح القارئ تجربة تنفتح على التأويل بقدر ما تنفتح على المتعة الجمالية.

وفي هذا الصدد يقول عبد المجيد البوزيدي في تقديمه للعمل:


أعتقد أن ديوان الشاعرة زهرة أحمد بولحية بما يتميز به من إيحاءات خصبة، وتحكم في ناصية اللغة، ودقة الدلالات، وعذوبة البوح، يشكل بلسما لكل القلوب الخافقة، يجعلنا في يسر مربك، في حيرة من أمرنا، ويدفعنا إلى التساؤل عمن يمتح من الأخر، الأزهار أم زهرة؟..
**

على هامش قراءتي قيد المراجعة في ديوان الشاعرة زهرة احمد بولحية "شبيهي في وجوه":
**
1_ما يلفت الانتباه أثناء قراءة هذا الديوان، ولا سيما من زاوية معجمه الشعري، أن الشاعرة تبدو وكأنها تسكن قرب الحبر، وأن البحر يسكنها لغةً وصورةً وإيقاعاً. فالمفردات المرتبطة بالماء والمرافئ والسفن والجزر والمدى البحري تتردد في غير موضع من النصوص، حتى تغدو جزءاً من البنية التخييلية التي تشكل عالم الديوان. ويزداد هذا الحضور وضوحاً حين تتجه الشاعرة إلى الكتابة عن مدينتها العرائش، وبخاصة عن مدينة ليكسوس التاريخية التي ما تزال تحتفظ بكثير من أسرارها، إذ يكشف التنقيب في طبقاتها الحضارية، في كل مرة، عن وجه جديد من وجوه غناها الرمزي والتاريخي. وفي هذا السياق لا بد من استحضار أحد أبرز الأصوات التي ارتبط اسمها بالعرائش شعراً ودرساً أكاديمياً، وهو محمد الكنوني، الذي جعل من مدينته ومن ليكسوس فضاءً شعرياً متكرراً في تجربته الإبداعية، ولا سيما في ديوانه هسبريس الذي يعد من العلامات المميزة في المشهد الشعري المغربي المعاصر. كما أن استدعاء العرائش وليكسوس لا ينفصل عن الذاكرة التاريخية للمجال كله، ذلك أن المنطقة تحتفظ أيضاً بصلتها بأحد أهم الأحداث المفصلية في التاريخ المغربي، وهي معركة وادي المخازن، المعروفة كذلك باسم معركة الملوك الثلاثة، وهي الواقعة التي شكلت رمزاً قوياً لتشبث المغاربة باستقلالهم وسيادتهم وخصوصيتهم الحضارية. ومن ثم فإن المكان في ديوان "شبيهي في وجوه" لا يظهر بوصفه خلفية للأحداث أو إطاراً للذكريات فحسب، بل بوصفه خزّاناً للهوية وذاكرةً ثقافيةً تتقاطع فيها الجغرافيا والتاريخ والأسطورة، وتجد صداها في لغة الشاعرة وصورها ورؤيتها الشعرية.
2_ ومن الجوانب الجديرة بالالتفات في هذا الديوان أن الشاعرة لم تجعل انفتاحها على اللغة الفصحى غاية في ذاته، ولم تتعامل معها بوصفها الأفق التعبيري الوحيد الممكن، بل وسّعت مجال الكتابة ليشمل التعبير الزجلي أيضاً من خلال تضمين الديوان نصاً عامياً. ولا يبدو هذا الاختيار مجرد تنويع شكلي أو رغبة في كسر رتابة النسق اللغوي، بل يكشف عن وعي بأهمية الروافد التعبيرية التي تشكل الهوية الثقافية المغربية. فالعامية هنا ليست نقيضاً للفصحى، وإنما امتداد لها داخل فضاء ثقافي واحد، وهي تحمل من الشحنات الوجدانية والرمزية ما يجعلها قادرة على احتضان التجربة الشعرية بدورها.
شربيل للا...
شربيل للا غالي
غلا وغلاوي
مشيت لفاس نجيبو
رجعت خالي
والشربيل.. فبالي...
للا نفخات
ومشات لدار باها تلالي:
يا ناسي
يا زماني
شكون يفهم هبالي
بغيت شربيل فاسي
بسقلي مرصع
اللمعة منو تشالي..
انا عاشقة لشربيل زمان
نقشو فنان
....
ويكتسب هذا الاختيار دلالة إضافية حين ننظر إليه بوصفه شكلاً من أشكال التشبث بالمكان والانتماء. فاللغة المحلية ليست مجرد أداة للتواصل اليومي، بل هي مستودع للذاكرة الجماعية، وحاملة لطرائق خاصة في الإحساس بالعالم وتمثله. ومن ثم فإن انفتاح الديوان على الزجل يبدو بمثابة تأكيد على ارتباط الشاعرة ببيئتها الثقافية والاجتماعية، وحرصها على أن تمنح صوتها الشعري أكثر من طبقة لغوية للتعبير.
ومع ذلك فإن النص الزجلي لا يرد في الديوان باعتباره استراحة لغوية أو نصاً أقل عناية من النصوص الفصيحة، بل يحافظ على شروطه الفنية والجمالية، من خلال الاشتغال على الصورة الشعرية والإيقاع الداخلي والمفارقة والتكثيف الدلالي. ولذلك فإن القيمة الجمالية للنص لا تتحدد هنا بنوع اللغة المستعملة، وإنما بقدرتها على التحول إلى طاقة شعرية منتجة للدهشة والأثر.
ومن زاوية أخرى، يكشف هذا التنوع اللغوي عن نزوع أوسع لدى الشاعرة نحو اختبار إمكانات التعبير المختلفة وعدم الارتهان إلى شكل واحد. ولعل هذا ما يفسر الحضور الملحوظ للنفس السردي في عدد من نصوص الديوان. فالكثير من القصائد لا تكتفي ببناء الصورة أو التقاط اللحظة الوجدانية، وإنما تنهض على حكاية مضمرة، أو مشهد متنامٍ، أو صوت يتتبع تحولات تجربة ما عبر الزمن. وهنا تتجاور الشعرية والسردية داخل بنية واحدة دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
وليس من المستغرب، والحال هذه، أن تمتد تجربة الشاعرة إلى مجال القصة. فالنصوص الشعرية نفسها تكشف عن حس حكائي واضح، وعن قدرة على تشييد المشاهد واستحضار الشخصيات والأمكنة وإدارة التوتر الدلالي بين البداية والنهاية. لذلك يمكن النظر إلى تجربتها القصصية بوصفها امتداداً طبيعياً لبعض الإمكانات الكامنة في شعرها، لا باعتبارها قطيعة معه. وإذا كانت القصيدة قد منحتها فضاءً للتكثيف والترميز، فإن السرد أتاح لها توسيع بعض تلك العوالم وإعادة تشكيلها وفق منطق حكائي مختلف، الأمر الذي يؤكد حيوية تجربتها ورغبتها المستمرة في استكشاف مسالك جديدة للتعبير.
3_ وكخلاصة:
لقد بدا لي أن ديوان "شبيهي في وجوه" يتيح أكثر من مدخل للقراءة؛ فهو لا يقتصر على البعد الوجداني أو التأملي، بل يفتح أبواباً على المكان والذاكرة والهوية واللغة، كما يسمح بتتبع علاقات دقيقة بين الشعر والسرد، وبين الفصحى والزجل، وبين التجربة الفردية والمخزون الثقافي المحلي. وهذه المداخل المتعددة تمنح القراءة النقدية مرونة واتساعاً دون أن تفقد وحدتها.
كما أن الحديث عن العرائش وليكسوس وحضور البحر والمعجم المائي، ثم الانفتاح على الزجل والسرد، لا يبدو حديثا عن عناصر خارجية ملحقة بالديوان، بل مكونات منسجمة مع عالمه الداخلي، لأنها تساعد على الكشف عن بعض الجذور التي تتغذى منها الكتابة وتمنحها خصوصيتها.








 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى