نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

طوفان الأحقاد

كانت سلمى من بلدة (الباليين)، تم تزويجها من شخص يكبرها بعشر سنوات، كان أهل البلدة يزوجون بناتهم في سن صغيرة، وكان(العربي)قد عاد للتو من فرنسا حيث اشتغل لسنوات في أعمال البناء في شركة استقدمت العمال القرويين الأشداء. وبمجرد عودته تزوج سلمى التي كانت غرة ساذجة لا تفقه في أمور الحياة قليلا أو كثيرا، أنجبت طفلتين :كريمة ورقية. ودون مقدمات أو سابق إعلان تزوج (العربي) بامرأة جاء بها من دوار (العجيلات) بمنطقة دكالة. حملت سلمى ابنتيها إلى بيت أهلها طالبة سندهم وخاصة دعم أمها (الغالية) التي كانت تنتظر منها أن تحيل أيام (العربي) إلى سواد. كان هذا الأخير حاد الطباع وأكثر شراسة من لسان الغالية السليط. ولم تجد هذه الأخيرة إلا ابنتها لتفرغ فيها غلها وقلة حيلتها. فبدأت تعيرها بعجزها وضعفها: (لماذا تتركين بيتك أيتها البلهاء ؟! افعلي له ما تفعله باقي النساء مع أزواجهن، ارقصي له، اضحكي في وجهه ...)وفعلا كان (العربي) قد تغير مزاجه بعد سفره للخارج حيث شاهد نسوان البلاد الأوربية، فعاد مشحونا بطاقة شيطانية. كان البشير والد سلمى رجلا مسالما طيب القلب، سعى بكل قوة للصلح وجعْل ابنته تعود لبيت زوجها، ولكنه لم يشأ أن يتبنى موقفا قد تعارضه فيه (الغالية) سليطة اللسان. وفجأة تفاجأ الناس بخبر العثور على سلمى جثة مرمية في بئر (القلعة القديمة) . فمن قائل: إن قهر (الغالية) لابنتها دفعها لرمي نفسها في البئر، ومن قائل إن السبب هو (العربي)الذي كان يريد تطييب خاطر زوجته الدكالية شقراء الشعر عسلية العينين، وذلك على حساب زوجته الأولى التي استبدت بها الغيرة وعزة النفس ولم تشأ العيش في بيت واحد مع غريمتها. وحدها الغالية كانت تصر وتلح على أن ابنتها قتلها (العربي) ورماها في البئر. هذا ما كانت تردده باستمرار:(لقد خنقها بيديه ورماها في البئر لإبعاد الشبهة عنه). ورغم أن التحقيق أفضى إلى وجود نازلة انتحار لم تكف (الغالية) عن شحن الصغيرتين ضد أبيهما بعد أن أصرت على الاحتفاظ بهما أمام لامبالاة (العربي)، أو ربما تساهله من أجل عدم فتح المواجهة على مصراعيها مع (الغالية). كانت هذه الأخيرة تود لو تبقى ابنتها على قيد الحياة للاستمرار في توبيخها على ضعفها ووهنها وتراخيها في أمر الاحتفاظ بزوجها وجعل حياته بطعم الجحيم بعد أن تزوج بالدكالية أو طرد الغازية التي تركت بلدتها وجاءت لتحتل بيت غيرها. ولكن تبقّى للغالية بقية من ابنتها: إنهما كريمة ورقية، لقد تكسرت عصي على جسد الصغيرتين انتقاما من تراخي ابنتها (سلمى) وسذاجتها. كانت الغالية قد خبرت الحياة والناس ، عاشت زمنا طويلا قهرت فيه البشير المسكين وكتمت على أنفاسه، كان البشير يتمنى لو يرزق بالأولاد ذكورا وإناثا، لكن (الغالية) لم تنجب سوى سلمى ، فرضي بالقدر وانكمش على نفسه متجنبا شرور زوجته وأفعوانيتها.

كبرت الطفلتان وتزوجتا، وفي أعماقهما كراهية اتجاه كل النساء، وتوجس من كل الرجال. وكيف لا يكون الأمر كذلك والمرأة خطفت أباهما، والمرأة تسببت في المصير المأساوي لأمهما انتحارا أو قتلا، والمرأة هي التي عذبت طفولتهما البريئة. وأما التوجس والشك والريبة اتجاه الرجال فكانت قدرا لازمهما، فمن يضمن ألا تتكرر المأساة معهما؟! فكان طوفان الغل والحقد المنسكب في العروق ـ هو النتيجة الحتمية ـ وهو الحمل الثقيل المتمدد داخل أعماق كريمة ورقية اتجاه كل بنات جلدتها .
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى