نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

امرأة من زمن الحرمان

عاشت الفقر والحرمان في طفولتها، بل عايشت سنوات المجاعة والقحط، لدرجة أنهم في وقت من أوقات ماضيها ـ الذي تحكيه كأنه حكايات خرافية ـ كانوا يقتلعون جذور النباتات من وسط التربة ويطبخونها، أما الشاي والسكر والملابس فمن الأشياء النادرة في زمنهم، كانوا ينتعلون أي شيء: قطعة من جلد خروف أو طرف من خشب يربطونه بحبل..

مرت عقود من الزمن على هذا الماضي. وتغيرت الأحوال وجاء عهد الاستقلال. ومضت أجيال ودماء الماضي تسري في عروقها. الأولاد يكبرون ويذهبون إلى المدارس وما زالت تقطع رغيف الخبز إلى قطع محسوبة، إذا انتهيت من الكسرة التي هي نصيبك فليس مسموحا لك بغيرها، كانت تقدم الرغيف اليابس لليوم السابق قبل رغيف اليوم الساخن، وكانت تقسم القدر إلى نصفين: نصف لوجبة الغذاء ونصف آخر لوجبة العشاء. أما تلفاز الأبيض والأسود ـ ولم يكن قد ظهر وقتها تلفاز الألوان ـ فغير مسموح بتشغيله لأولادها رغم دعائهم لها بالصحة والذهاب للحج.. يشغل فقط في وقت الأخبار وحالة الطقس حين يأتي الوالد من عمله. لم يكن الأب يتدخل في أمور البيت. كان يشتري كل اللوازم وينصرف. وكانت هي تدبر الأمور ـ في زعمها ـ بالحكمة والاقتصاد. كان الخير وفيرا في الحقيقة، ولكنها لم تكن ترى إلا ما تتخيله من ماضيها، كانت تقوم بإحصاء حبات الطماطم والجزر خوفا من أن يسطو على بعض منها أبناؤها الذين يتضورون جوعا، كان أولادها يتشممون رائحة خبز الفرن في الشارع ، وإذا مر أحدهم حاملا لوح الأرغفة يتوسلون إليه أن يعطيهم كسرة يأكلونها بنهم بعيدا عن البيت مخافة عقاب الأم. حتى اللعب في البيت كان ممنوعا ، كانت تخاف أن يؤثر ذلك على طلاء البيت أو يؤدي لكسر بعض الأواني ...أما لو فعلت ابنتها الكبرى ذلك أثناء غسل الأواني وكسرت مجرد كأس فالويل كل الويل لها، كانت تتلقى ما يكفي من صنوف العقاب بالشبشب واليد والأصابع .. تمر الأيام ويكبر الأبناء ويتقلدون وظائف محترمة، وعلى نقيض أمهم الشحيحة أصبحوا يبذرون باليمين والشمال كأنما اتفقوا أن يعيشوا زمنهم وزمن أمهم الذي لم تعشه ولم تستمتع به، فالتاريخ يشهد أنهم كرسوا حياتهم لإسعاد أبنائهم بأجمل الملابس وألذ المأكل.. حرصا على إشباع داخلهم الفارغ المتلهف، أما العجوز فكانت تنظر وتتأمل في صمت المحتج، ولكن لا حيلة لها فيما يجري من أمور.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى