نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

رجل بطعم الحنظل

كان نحاس شخصا أنانيا لا يحب إلا نفسه. وكان إلى ذلك شغوفا بالدنيا والمال. كان يتصرف وكأنه سيعيش إلى الأبد، لذلك عادى إخوته بمجرد موت الأب واقتسام التركة، وذلك بعد انتزاعه أكبر وأحسن قطعة أرضية فلاحية بقبيلة(الباليين). تصرف معه إخوته بالحكمة الشديدة ولم يرغبوا في الدخول معه في نزاعات ستشوه سمعة العائلة وتلطخ الجميع بالعار. كان ينقلب على الصديق والجار بسرعة البرق. فبمجرد أن ينال مصلحته كان يدير وجهه عنهم بشكل مستفز.

كبر الأبناء والبنات، وبدأ في ممارسة لعبته القديمة الجديدة وكأنه كان يمارس من خلالهم لعبة التجارة، إذ وقف حجرة عثرة أمام زواج أبنائه بدعوى أن ذلك سيحرمه من عائدات مادية مهمة هو أولى بها، لذلك تأخر زواج فلذات كبده. لم يكن الناس يصدقون ما يفعله هذا الشخص الذي يكان يكنز المال. البعض يقول إنه يكدسه في وسادة نومه، والبعض يقول إنه يضعه قبالته عند الصلاة. وفجأة بدأ الناس يلاحظون عليه تصرفات غريبة. كان إذا وجد في الشارع غطاء قدر أو قطعة خشب أو نعلا بلاستيكية ممزقة، كان يأخذ كل ذلك قائلا مع نفسه: (هذه أشياء يمكن أن تنفع في المستقبل). ماتت زوجته الثرية ومنع أبناءه من إرث أمهم بدعوى أنهم يمتهنون حرفا ووظائف. أما حرفته هو فهي كل شيء ولا شيء. كان يتطاول على كل المهن من غير إتقان، فنفر منه الناس لكثرة المساومة والمماطلة، فعاش للأخذ فقط. وذات يوم قال له قريب متمثلا قول الإمام الشافعي:


إذا كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواء فرد عليه صاحبنا: أنا مالك الدنيا، وسأمتلك الجنة في الآخرة أيضا لأنني ربيت أبنائي وبناتي أحسن تربية، لابد أن أدخل الجنة، سأدخل الجنة. هو في الحقيقة لم يكن يفكر في الموت حتى يفكر في الجنة، فجنته هي دنياه التي سكنت شغاف قلبه وتجذرت في عروقه. المسكين ، حتى وهو مشرف على السبعين لم يكن يفكر إلا في الدنيا الفانية، رغم أنه لم يذق منها إلا الحنظل، وهو نفسه كان عند جميع الناس بطعم الحنظل.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى