نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

حكاية رجل طيب

حكاية رجل طيب

كان عبد السلام مثالا للصبر والتحمل والمسالمة. ترك قريته ببلدة جزولة بمنطقة عبدة مباشرة بعد موت والده. وأصبح واحدا من أهالي الشاوية الطيبين الأخيار. فكيف بدأت قصة الرجل الطيب؟

كانت زوجة الأب قاسية شريرة تُجيد المراوغة والمكر. لكن السيد قدور كان حازما قوي الشخصية يستطيع دفع أي أذى عن ابنه. كانت فاطمة تكره الطفل كره العمى والطاعون لأن زوجها كان مُصرّا على أن يتعلم عبد السلام القرآن في كُتّاب القرية وذلك إكراما لرغبة زوجته البتول. كانت الأخيرة وهي على فراش الموت تُوصي زوجها خيرا بابنها حديث العهد بالولادة. لم يُكمل الصغير وقتها ثلاث سنوات حين فارقت الحياة. وتزوج قدور فاطمة التي استقدمها من دوار "الباليين". كان قدور يبحث عن أم ثانية لابنه الذي لا يستطيع الاعتناء به بحكم تردده على الأسواق. كبُر الابن وكان غاية في الحسن والجمال، ورزقت فاطمة بمحفوظ ورقية. وبدأت معالم البتول تُنقش على محيا عبد السلام ويشتعل معها الكره الدفين في أغوار النفس الآثمة. كان الفتى عسلي العينين مع اتساعهما، مُقترن الحاجبين، صافي البشرة، دقيق الشفتين مع صغر الأسنان واستدارة الوجه كالبدر في تمامه.

تشربت فاطمة كُره الفتى، وخاصة مع إجادته حفظ القرآن في طفولته المبكرة وإشادة فقيه القرية به بينما كان محفوظ يكره الكُتاب والفقيه، وكان السيد قدور يريد أن يُطيب خاطر فاطمة بجعل ولديه يحفظان القرآن ويذهبان سويّا للكُتّاب.

أكمل الفتى حفظ كتاب الله وأقام والده عُرس الطالب وذبح الذبيحة وأعد وليمة تليق بمكانته في القرية. بينما انقطع محفوظ عن الذهاب للكُتاب، فقد كان مدللا من أمه فهي لا تقبل أن يعاقبه الفقيه أو يتوجه في أيام الحر الشديد أو البرد والصقيع للتعلم مخافة أن يمرض، وهدده والده بأنه سيتكلف بالرعي عقابا على فشله. فاشتعل قلب فاطمة نارا ولهيبا أكثر مما سبق. وبدأت تكيد لعبد السلام لكي يتوجه الأخير للرعي ما دام قد استكمل حفظ القرآن، وخاصة بعد أن تركهم الراعي سلاّم متوجها نحو المدينة بعد أن أصبح لا يطيق العمل الصعب وكثرة رؤوس القطيع خاصة مع إغراءات المدينة وبريقها. لكن السيد قدور كان حاسما حازما. محفوظ هو من سيرعى القطيع ريثما نعثر على راع جديد، بينما عبد السلام سيصبح فقيها في المسجد، والفقيه ينبغي أن نُكرمه لا أن نُهين حفظه وعلمه.

مات السيد قدور بعد مرض مفاجئ ، فحانت الفرصة السانحة لكي تُفرغ فاطمة غلّها المتراكم في عبد السلام. عاد الأخير ذات ليلة بعد أن أصبح يقضي معظم الوقت في المسجد خاصة عقب موت والده. وكان قد تعود أن يتركوا له قليلا من بقايا الأكل عليه بعض العظام. كان عبد السلام يتأخر في المسجد لمساعدة الفقيه في تحفيظ الطلبة كتاب الله، كما كان الفقيه أيضا يُهيئه ويُعده ليؤمّ الناس بالصلاة. كانت فاطمة هي و محفوظ ورقية يتناولون العشاء حين ألقى الفتى التحية: "السلام أمي فاطمة"، ودون سابق إنذار تلقى المسكين من الشريرة عظمة استقرّت على عينه اليسرى. تأوّه الفتى ولم يدر من أمره شيئا. كل ما سمعته أذناه هو عبارة: "أعطاك الله غمّة القبور أيها العدو". استجمع عبد السلام وعيه وعاد للكتاب في ظلام الليل وهو يتحسس ألما مزدوجا: ألما في العين وألما في المشاعر. ألقى بجسده النحيل على حصير المسجد. كان الأخير يُتركُ بابه مواربا، فأهل القرية يأتون إليه من وقت لآخر للاعتناء به وتنظيفه إن لزم الأمر.

احتار الفتى ذو الأربعة عشر ربيعا في ما ينبغي فعله، هل يتوجه عند أخواله في قبيلة:(العجيلات) أم يشتكي حاله لفقيه القرية؟، كان له عم في مدينة آسفي يتعاطف معه، ولكن المسافة بعيدة ليذهب عنده، ثم كيف يحكي؟ وماذا يمكن أن يقدمه العم ؟

استلقى مغمضا عينيه باحثا عن بارقة أمل يتفتق عنها تفكيره، وفي ما يشبه المنام رأى أمه توصيه بالذهاب لبلاد الشمس والذهب، استفاق على وقع الرؤيا، ثم خرج نحو المجهول. كانت أضواء بلدة (جزولة) تظهر من بعيد متلألئة في فضاء دامس. كانت تبعد بحوالي سبعة كيلومترات عن قريته. انطلق على قدميه لا يلوي على شيء، دموعه تسيل حارة والذهن مشوّش، ومنظر أمه في الحلم قد نقش في الذاكرة والمخيلة، وصدى كلماتها رنين في أذنيه. وصل كأنما حملته أجنحة سحرية إلى مقصده، لم يشعر بالمسافة و طولها. كانت بلدة (جزولة) ليلها كنهارها لكثرة الحافلات التي تمر بهذه الطريق بين مدينتي الدار البيضاء ومراكش. مقاهيها لا تفارقها الحركية، والناس بعضهم يتناول الشاي والبعض الحساء، وآخرون من ذوي الحظوة يأكلون لحما مشويا أو كبابا.

جلس في أحد المقاهي الشعبية البسيطة وتحسس جيبه الذي كانت به بعض النقود مما جاد به أهل القرية عليه بمناسبة عرس الطالب إكراما لحفظه القرآن. طلب شايا وخبزا. كان يشعر بالخجل أن يسأل أحدهم عن بلاد الشمس والذهب. أصوات الحافلات وهديرها لا يتوقف. كان بائعو التذاكر ينادون على وجهاتهم بأصوات مرتفعة. انطلق خارج المقهى باتجاه تجمع الحافلات، واقترب من إحداها، كان الرجل ينادي بأعلى صوته: سطات سطات.. رنت الكلمات في أذنيه كاللهب. انجذب بقوة مغناطيسية نحو أدراج الحافلة. واستلقى على أحد الأماكن الخلفية. استمر الهدير واهتزاز الحافلة لدقائق، والناس يصعدون واحدا بعد الآخر. جلس رجل غريب بجانبه. حياه الأخير ، وانطلقت الحافلة تحرق المسافات.

كان الظلام ما يزال يغطي الوجود. التفت إليه الرجل وبادله كلمات مختصرة. أحس عبد السلام بأنه يود لو ينفجر من كثرة ما يختنق به من معاناة. عرف الرجل القصة فكان كالغيث ينهمر من السماء بعد طول جفاف. قال له الرجل: " بلاد الشاوية هي بلاد الذهب في لونه ومعناه. الشاوية ـ وعاصمتها سطات ـ هي قلب المغرب وخزانه من القمح الذي هو العيش والحياة. القمح عندنا أغلى مكانة وأسمى معنى من الذهب/المعدن. إنها أيضا بلاد الشمس لحرارة أحاسيس أهلها اتجاه الغرباء الذين تذوب غربتهم في حضن المكان. قدرك يريد لك الخير، فلا تبتئس ولا تحزن يا ولدي. نحن في قريتنا بمنطقة عين نزاغ نحتاج لفقيه يؤم الناس بالصلاة، وأنت مَن نبحث عنه. أنت كنز جادت به السماء.

مع انقشاع الظلام في الطريق، ظهرت السهول البهية وقد تلونت بسواد التربة القاتم ، ومع التهام الحافلة للطريق، كانت الحجارة تختفي تدريجيا وسط الحقول التي يزداد انبساطها وصفاؤها. وفي ساحة واسعة تتوقف الحافلة. وتحت الأقواس يجلس الرجل والفتى كأنهما أب وولده. وفي مقهى بقلب مدينة سطات يتناول الاثنان إفطارهما. من هنا يبدأ القدر يرسم حكاية السيد عبد السلام الذي أصبح من وجهاء وفقهاء المدينة. هنا تزوج الرجل الوجيه وكبُر أبناؤه وأصبح له صيت وشأن ومكانة. وتمرّ السنوات ويذهب الرجل الطيب لزيارة زوجة أبيه وأخيه المحفوظ وأخته رقية، حمل معه الكثير من الهدايا و الأثواب. وقد صعقت زوجة أبيه حين رأت أمامها رجلا مكتمل البهاء والقوة لا يمت بصلة لنحافة الماضي البعيد. حاولت أن تزخرف كلمات مُزيفة منمقة عن الماضي، لكن عبد السلام أبعدها عن معاودة الحديث عنه بأدب الكبار.

اعتبر عبد السلام ـ مع نفسه ـ ما فعلته زوجة أبيه إحسانا لا تُقدر قيمته، لكونها دفعت به لبلاد الشمس والذهب. وتمثلت له صورة أمه ـ التي كان يترحم عليها في كل وقت وحين ـ كأنها ملاك يحميه ويتتبع خطواته، واستشعر كلمات ربّه الذي يحفظ ـ في صدره كتابه ومعجزته ـ نبراسا يضيء له الطريق، وكيف لا يكون القرآن حافظا ومن كلمات ربه سورة يوسف حيث تحول ظلم القريب إحسانا وكرما ولطفا. ومن الظلم ما يحيي النفوس حين تشملها عناية الرحمن. ولم يجد عبد السلام بدا من أن يقول: سبحان من يُولّد من الظلام الفجرَ شعلةَ ضياءٍ، ويجعل الحياةَ تخرج من البذرة التي تظهر كأنها جماد.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى