نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

نسى كل شيى

كان يعيش في غرفة صغيرة وسط المدينة، محاطًا بأصوات الموسيقى الصاخبة التي كانت تصل إليه باستمرار. كان جاره عاشقًا لهذه الموسيقى، ويستمع إليها مساءً بمجرد عودته من العمل. بالرغم من أن الجار كان يعيش وحيدًا، إلا أنه ساعده ذات مرة عندما احتاج إلى نقل أثاث ثقيل إلى البيت. ومع تفاقم الإزعاج، قرر البحث عن مكان أكثر هدوءًا وانتقل إلى قرية صغيرة بعيدة عن صخب المدينة، حيث كانت الحياة هناك بسيطة وسكان القرية أغلبهم من كبار السن. في البداية، أحس بشيء من البهجة في هذه القرية الهادئة. جلس لساعات بمفرده يتأمل سحر الطبيعة بمزارعها وأبقارها ودجاجها التي تخرج لتقتات من الأعشاب المنتشرة في الحقول. تلك اللحظات كانت مريحة ومليئة بالهدوء الذي افتقده في حياته السابقة. لكنه كان يفكر كثيرًا في فكرة الزواج، إذ طغت على ذهنه ذكريات مؤلمة عن النزاعات والصراعات بين والده ووالدته أثناء طفولته. مشاهد الصراخ والمناقشات التي كان يسمعها وهو نائم تركت أثرًا عميقًا في نفسه، فأصبح مترددًا وقرر الابتعاد عن الزواج. وفي أحد الأيام، بينما كان يمشي على أحد الطرقات، صدمته سيارة ونقل فورًا إلى المستشفى. لحسن الحظ، كانت إصاباته غير خطيرة، ولكن الحادث سبب له فقدان ذاكرته بالكامل؛ نسى كل تفاصيل حياته الماضية ولم يعد يتذكر شيئًا سوى اسمه المدون على بطاقته الشخصية. عندما سأله الطبيب عما حدث له، كان عاجزًا عن الإجابة؛ كأن ماضيه بالكامل قد انمحى فجأة. وجد نفسه الآن أمام صفحة جديدة، على عتبة حياة لا يعرف عنها شيء ولا يمتلك فيها أي ذكريات تدله على هويته أو توجهاته. بعد عودته إلى منزله، لم يعد يقضي ساعات في تأمل الطبيعة كما كان يفعل سابقًا. حياته أصبحت مختلفة تمامًا؛ كان عليه أن يبدأ من الصفر، يتعلم كل شيء من جديد ويعتاد على واقع جديد يفرض عليه إعادة تشكيل ذاته وحياته بكل تفاصيلها
 
قصة تنطلق من فرضية وجودية مثيرة: أن يبدأ الإنسان من جديد بعد محو الذاكرة. لكنها تمضي بخطى مترددة، كأنها تخشى التوغل في المفارقة بين النسيان كخلاص والنسيان كمحو للذات. النص يلمّح إلى التحوّل، لكنه يظل في منطقة الأمان، دون أن يستثمر التوتر الكامن في فكرته إلى أقصاه. دمت متالقا
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى