كفاح الزهاوي
كاتب
استيقظت من النوم مثقلاً بالنعاس، قفزت من الفراش متثائبًا بصوت عالٍ، فيما أصابعي تضغط على فمي فتخرج نغمات نشاز.
أرسل صادق، المزارع الخمسيني، ابنته الصغيرة إلى مقرنا في الظهيرة تطلب المساعدة الطبية، إذ كانت والدتها تشعر بوعكة. أعددت حقيبتي وتوجهت إلى منزلهم المتواضع، المبني من الحجر والطين على الهضبة المطلة على المقر. بيت بغرفة واحدة يتوسطها موقد، وإلى جانبه كوخ صغير جعله مطبخًا.
بعد أن فحصت زوجته، قدمت لي ابنته قدحًا من الشاي. في تلك اللحظة دخل شاب من البيشمركة، نحيل الجسد، غائر العينين، ضامر الوجه، يكسوه حزن عميق تحت معطف غامق. رحب به صادق وقال:
– أهلاً بك يا دكتور، تفضل بالجلوس.
أجاب بصوت خفيض:
– تعيش.
جلس قبالتي، عيناه تجولان في الغرفة كمن يودّع المكان، ثم أرخى نظره إلى الأرض حتى كاد اليشماغ ينزلق عن رأسه. لم يرفع عينيه نحوي، فيما طلب صادق من ابنته أن تقدم له الشاي.
قال صادق وهو يشير إليّ:
– كانت زوجتي متعبة منذ الأمس، وقد تولى دكتور نضال من الحزب الشيوعي العراقي علاجها.
رفع رأسه وألقى نظرة سريعة نحوي، ثم أومأ إيماءة خفيفة كمن يقول: مفهوم. وأردف صادق:
– يزودنا دكتور بهزاد أيضًا بالأدوية كلما زارنا.
كان بهزاد في الثلاثينيات، معاونًا صحيًا جاء مع مفرزة في مهمة. ترك لدي انطباعًا غامضًا وغير ودود، فآثرت تجنب النقاش معه. بعد أن أنهيت الشاي، غادرت المنزل.
في اليوم التالي، عند الثانية ظهرًا، زرت مقر حزبهم. تناهت إليّ أصوات شجار، وعرفت أن بهزاد كان أحد أطرافه. فجأة قرر مغادرة المقر والعودة إلى موقعه رغم مناشدات رفاقه وتحذيراتهم من خطورة الطريق. خرج غاضبًا، سلاحه الكلاشينكوف على كتفه، وجهه متجهم حد الانفجار.
كان يومًا ثلجيًا عاصفًا. رحل وحيدًا في الطقس المهلك، رافضًا كل النصائح، مصرًا بعناد على العودة إلى مقر يبعد أربع ساعات سيرًا في الأيام الصافية. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، ولم أجد تفسيرًا لقراره. بدا لي كمن يسير نحو هاويةٍ لا يراها، كمن يفكر بالانتحار.
في صباح اليوم التالي توقفت الثلوج، والسماء صافية بلا دفء، كأنها لم تكن قبل ساعات تغرق الأرض في حرب بيضاء. خرج صادق للصيد، لكنه عاد سريعًا يحمل خبرًا مفجعًا: وجد بهزاد ممددًا قرب كهف صغير، جسده جامد والثلج يغطيه. قال مترددًا:
– لا أعلم إن كان حيًا، بدا جسده متجمدًا، فأسرعت لإبلاغكم.
تحركنا فورًا لمساعدته، قوة صغيرة مجهزة ببطانية وحطب. وأنا أسير على الطريق الذي سلكه، كنت أتأمل آثار أقدامه المتعثرة، كأنها تحكي قصة سقوطه في متاهة بلا نهاية. لم يبق أمامه سوى أمتار قليلة نحو الكهف، حيث كانت هناك أغصان جافة وولاعة، لكنه لم يستطع إشعال نار تنقذه.
كان يتسلق ثم ينزلق، يحاول مرارًا حتى خارت قواه. غزاه الظلام، وتضاءل الأمل، وتسلل اليأس إلى نفسه. الريح الباردة أحكمت قبضتها عليه، فجلس قرب صخرة كبيرة، مستسلمًا لصمت عميق بعيدًا عن ضجيج الحرب.
حين وصلنا، كان جسده متجمدًا بالفعل، كجثة محنطة. أشعلنا النار قربه علّ الحرارة تعيد الدم إلى عروقه، لكن وجهه ظل باهتًا بلا حياة.
تأملت ملامحه، وتخيلت وحدته في تلك الساعات الأخيرة، وهو يصارع الموت في العراء، يترنح بين ذكريات الطفولة وأحلام لم تكتمل. بدا كمن يواجه عدوًا لم يختره، لكنه أصرّ على التحدي حتى وقع في كمين الطبيعة القاسية.
الثلج التف حوله كغطاء يمتص حرارة جسده، والليل أسدل ستاره، فاشتد شعوره بالعزلة. كان يتمنى أن يذوب الصمت في ضجيج يبدد وحدته، لكن صوته تلاشى في صومعة البرد، وغاب في عمق النسيان.
رقد بهدوء غير مألوف، جسده مستلقٍ على الأرض، لكن روحه في عالم آخر. شعرت بالأسى عليه، كأن صمته الأخير كان صرخة لم يسمعها أحد.
أرسل صادق، المزارع الخمسيني، ابنته الصغيرة إلى مقرنا في الظهيرة تطلب المساعدة الطبية، إذ كانت والدتها تشعر بوعكة. أعددت حقيبتي وتوجهت إلى منزلهم المتواضع، المبني من الحجر والطين على الهضبة المطلة على المقر. بيت بغرفة واحدة يتوسطها موقد، وإلى جانبه كوخ صغير جعله مطبخًا.
بعد أن فحصت زوجته، قدمت لي ابنته قدحًا من الشاي. في تلك اللحظة دخل شاب من البيشمركة، نحيل الجسد، غائر العينين، ضامر الوجه، يكسوه حزن عميق تحت معطف غامق. رحب به صادق وقال:
– أهلاً بك يا دكتور، تفضل بالجلوس.
أجاب بصوت خفيض:
– تعيش.
جلس قبالتي، عيناه تجولان في الغرفة كمن يودّع المكان، ثم أرخى نظره إلى الأرض حتى كاد اليشماغ ينزلق عن رأسه. لم يرفع عينيه نحوي، فيما طلب صادق من ابنته أن تقدم له الشاي.
قال صادق وهو يشير إليّ:
– كانت زوجتي متعبة منذ الأمس، وقد تولى دكتور نضال من الحزب الشيوعي العراقي علاجها.
رفع رأسه وألقى نظرة سريعة نحوي، ثم أومأ إيماءة خفيفة كمن يقول: مفهوم. وأردف صادق:
– يزودنا دكتور بهزاد أيضًا بالأدوية كلما زارنا.
كان بهزاد في الثلاثينيات، معاونًا صحيًا جاء مع مفرزة في مهمة. ترك لدي انطباعًا غامضًا وغير ودود، فآثرت تجنب النقاش معه. بعد أن أنهيت الشاي، غادرت المنزل.
في اليوم التالي، عند الثانية ظهرًا، زرت مقر حزبهم. تناهت إليّ أصوات شجار، وعرفت أن بهزاد كان أحد أطرافه. فجأة قرر مغادرة المقر والعودة إلى موقعه رغم مناشدات رفاقه وتحذيراتهم من خطورة الطريق. خرج غاضبًا، سلاحه الكلاشينكوف على كتفه، وجهه متجهم حد الانفجار.
كان يومًا ثلجيًا عاصفًا. رحل وحيدًا في الطقس المهلك، رافضًا كل النصائح، مصرًا بعناد على العودة إلى مقر يبعد أربع ساعات سيرًا في الأيام الصافية. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، ولم أجد تفسيرًا لقراره. بدا لي كمن يسير نحو هاويةٍ لا يراها، كمن يفكر بالانتحار.
في صباح اليوم التالي توقفت الثلوج، والسماء صافية بلا دفء، كأنها لم تكن قبل ساعات تغرق الأرض في حرب بيضاء. خرج صادق للصيد، لكنه عاد سريعًا يحمل خبرًا مفجعًا: وجد بهزاد ممددًا قرب كهف صغير، جسده جامد والثلج يغطيه. قال مترددًا:
– لا أعلم إن كان حيًا، بدا جسده متجمدًا، فأسرعت لإبلاغكم.
تحركنا فورًا لمساعدته، قوة صغيرة مجهزة ببطانية وحطب. وأنا أسير على الطريق الذي سلكه، كنت أتأمل آثار أقدامه المتعثرة، كأنها تحكي قصة سقوطه في متاهة بلا نهاية. لم يبق أمامه سوى أمتار قليلة نحو الكهف، حيث كانت هناك أغصان جافة وولاعة، لكنه لم يستطع إشعال نار تنقذه.
كان يتسلق ثم ينزلق، يحاول مرارًا حتى خارت قواه. غزاه الظلام، وتضاءل الأمل، وتسلل اليأس إلى نفسه. الريح الباردة أحكمت قبضتها عليه، فجلس قرب صخرة كبيرة، مستسلمًا لصمت عميق بعيدًا عن ضجيج الحرب.
حين وصلنا، كان جسده متجمدًا بالفعل، كجثة محنطة. أشعلنا النار قربه علّ الحرارة تعيد الدم إلى عروقه، لكن وجهه ظل باهتًا بلا حياة.
تأملت ملامحه، وتخيلت وحدته في تلك الساعات الأخيرة، وهو يصارع الموت في العراء، يترنح بين ذكريات الطفولة وأحلام لم تكتمل. بدا كمن يواجه عدوًا لم يختره، لكنه أصرّ على التحدي حتى وقع في كمين الطبيعة القاسية.
الثلج التف حوله كغطاء يمتص حرارة جسده، والليل أسدل ستاره، فاشتد شعوره بالعزلة. كان يتمنى أن يذوب الصمت في ضجيج يبدد وحدته، لكن صوته تلاشى في صومعة البرد، وغاب في عمق النسيان.
رقد بهدوء غير مألوف، جسده مستلقٍ على الأرض، لكن روحه في عالم آخر. شعرت بالأسى عليه، كأن صمته الأخير كان صرخة لم يسمعها أحد.
التعديل الأخير: