المصطفى سالمي
كاتب
جلس (جلون) على حافة السكة الحديدية يتأمل واقعه وحال مدينته المتآكلة الحاضر والضاربة الجذور في التاريخ، إنها عاصمة سهول (عبدة) التي احتار في سبر أغوارها علماء الآثار، فمن قائل إن آسفي هي تحريف للكلمة الأمازيغية (أسيف) التي بمعنى مصب النهر، وهي فعلا كذلك يعبرها وادي الشعبة، ومن قائل إنها (أسفو) بمعنى المنارة التي تهتدي بها السفن ـ وهذا حسب المصطلح البربري ـ إلى زاعم بأنها (أسفا) أي المجلس أو الجماعة حسب الدلالة والاصطلاح العبري، وربما قد تكون بمعنى يا أسفي أويا حسرتي التي تلفظها أحد الفتية المغامرين القادمين من لشبونة الذين قذف بهم الموج نحو الشاطئ (المسفيوي) ووجهتم كانت هي العالم الجديد (الذي هو أمريكا)، ومهما يكن من أمر فإن سنابك حصان عقبة بن نافع داست هذه التربة وهذا القائد يتحسر على أن البحر يقف حائلا دون مواصلة مشوار الفتوحات العظيم. مرت كل هذه المعاني وغيرها بذهن (جلون) وهو يتأمل موكب عربات القطار المتثاقل محملا بمشتقات الفوسفات متجها من المركب الكيماوي باتجاه ميناء المدينة، وهي الحمولة التي تحملها السفن العملاقة عبر المحيط الذي سماه ـ ومنذ قرون ـ رفاق عقبة من الفاتحين (بحر الظلمات)، حمولة متنوعة تحملها هذه العربات التي لا يكاد يحصيها العد، سماد فلاحي وكبريت ويورانيوم .. وغيرها من المشتقات، ولا يبقى للمدينة وأبنائها سوى روائح كريهة وسامة تلفظها صباح مساء مداخن عملاقة للمركب الكيماوي القابع في جنوب المدينة كوحش ينفث سحب الموت والأمراض الجلدية والتنفسية، وتوجه (جلون) الشاب الحاصل على الإجازة في التاريخ ببصره جهة الغرب حيث الحي الصناعي المقابل لسكة الحديد، هنا معامل السردين التي تحتضن آلاف النسوة العاملات اللواتي ينطلقن لأعمالهن في كل وقت من ليل أو نهار حين يعلمهن النفير (الغواث) فيتركن خلفهن أزواجا عاطلين وأبناء محرومين، يشتغلن ثلاثة أرباع اليوم ولا يسجل المسؤول المالي (المايسترو) إلا ثلث الساعات في بطاقة العاملة التي لا تستطيع الاحتجاج أو إبداء التذمر، حسبها ذرف دموع ساخنة ذليلة وتجرع المهانة وإلا فالطرد وتمزيق بطاقة العمل في الانتظار، فغيرها من العاملات مئات وآلاف في الانتظار، لهذا يفضل أرباب العمل تشغيل النسوة على الرجال تجنبا للمصادمات، النسوة صبورات مغلوبات على أمرهن في مدينة التعاسة والأسف.
كانت روائح معمل أعلاف الدواجن المسمى (غوانو) ـ القابع في أحضان الحي الصناعي ـ لا يتوقف انبعاثها، هنا يتم تحويل أمعاء ورؤوس السردين إلى مادة علف للدجاج الرومي، لكن رائحة المداخن لا تقل زخما وتأثيرا عن المركب الكيماوي، لكن جهاز الشم عند (جلون) اعتاد على ذلك، ما كان يثير هواجس الناس الآن هو المحطة الحرارية التي تتوعد حاضرة المحيط ـ كما يسميها الأهالي ـ بأوخم العواقب كأنما يؤدبونها على جناية ما وحدهم المسؤولون على الشأن العام يعلمون فداحتها، وها هو الشاب (جلون) يكتوي بنصيب من هذا العقاب الجماعي في ظل بطالة متمددة على مشهد واقعه الكئيب بعد أن أفنى زهرة عمره في تحصيل شهادات جامعية لم يستفد منها شيئا في حياته الوظيفية والعملية، كان التآكل والتهدم يعصف بأيام (جلون) كما تعصف التقلبات بقصر البحر وتحيله إلى ركام من الحجارة يوما بعد آخر، هذه المعلمة التاريخية المحاذية للمحيط والتي تعود للعهد البرتغالي، البشر والحجر كلها هنا تكتوي وتئن.
وبينما كان الشاب يتأمل قطار الثروة التي تنطلق من مدينة البؤس والتعاسة إلى ما وراء المحيطات والبحار وتتحول أرصدة في جيوب فئة متنفذة تحتكرها وحدها، كان الفقر والبؤس وأكياس البلاستيك المهترئ والقمامة تتناثر هنا وهناك على مساحات من فضاء انغرست فيه حجارة يسميها الأهالي بـ (الصفا)، حجارة صلدة صماء قاسية كقسوة قلوب التنانين التي تبتلع التاريخ والجغرافيا والثروة والمكان وعرق الناس البسطاء. وحينما كان (جلون) يعود أدراجه لحارته الكئيبة كان رجال المخزن يطاردون الباعة بتهمة تلويث جمالية المدينة مصادرين سلعهم التي ليست سوى (خردة)يبيعونها في (سويقة) جنوب آسفي، حذاء قديم أو جلباب مهترئ أو صحن حديدي أو أثاث بال أو قطع نحاس أو حديد لعل ذلك يُكسب دريهمات تكون ثمنا لكيلو سردين وأرغفة خبز تشكل وجبة يوم لأسرة (مسفيوية) من حاضرة المحيط.
كانت روائح معمل أعلاف الدواجن المسمى (غوانو) ـ القابع في أحضان الحي الصناعي ـ لا يتوقف انبعاثها، هنا يتم تحويل أمعاء ورؤوس السردين إلى مادة علف للدجاج الرومي، لكن رائحة المداخن لا تقل زخما وتأثيرا عن المركب الكيماوي، لكن جهاز الشم عند (جلون) اعتاد على ذلك، ما كان يثير هواجس الناس الآن هو المحطة الحرارية التي تتوعد حاضرة المحيط ـ كما يسميها الأهالي ـ بأوخم العواقب كأنما يؤدبونها على جناية ما وحدهم المسؤولون على الشأن العام يعلمون فداحتها، وها هو الشاب (جلون) يكتوي بنصيب من هذا العقاب الجماعي في ظل بطالة متمددة على مشهد واقعه الكئيب بعد أن أفنى زهرة عمره في تحصيل شهادات جامعية لم يستفد منها شيئا في حياته الوظيفية والعملية، كان التآكل والتهدم يعصف بأيام (جلون) كما تعصف التقلبات بقصر البحر وتحيله إلى ركام من الحجارة يوما بعد آخر، هذه المعلمة التاريخية المحاذية للمحيط والتي تعود للعهد البرتغالي، البشر والحجر كلها هنا تكتوي وتئن.
وبينما كان الشاب يتأمل قطار الثروة التي تنطلق من مدينة البؤس والتعاسة إلى ما وراء المحيطات والبحار وتتحول أرصدة في جيوب فئة متنفذة تحتكرها وحدها، كان الفقر والبؤس وأكياس البلاستيك المهترئ والقمامة تتناثر هنا وهناك على مساحات من فضاء انغرست فيه حجارة يسميها الأهالي بـ (الصفا)، حجارة صلدة صماء قاسية كقسوة قلوب التنانين التي تبتلع التاريخ والجغرافيا والثروة والمكان وعرق الناس البسطاء. وحينما كان (جلون) يعود أدراجه لحارته الكئيبة كان رجال المخزن يطاردون الباعة بتهمة تلويث جمالية المدينة مصادرين سلعهم التي ليست سوى (خردة)يبيعونها في (سويقة) جنوب آسفي، حذاء قديم أو جلباب مهترئ أو صحن حديدي أو أثاث بال أو قطع نحاس أو حديد لعل ذلك يُكسب دريهمات تكون ثمنا لكيلو سردين وأرغفة خبز تشكل وجبة يوم لأسرة (مسفيوية) من حاضرة المحيط.