نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

انفاس في زمن الصدئ

ــ لقد سئمتُ الحياة ومتاعبها.

كانت هذه كلماته الأخيرة، تتساقط كأوراق الخريف، وتتلاشى أنفاسه في العدم. ومن بين تلك الأنفاس الأخيرة، انفتح داخله يقينٌ متذبذب أن وجوده في الحياة لم يكن باختياره، ومن هذا اليقين المرهق تراءت له ضوضاء أصوات مبهمة، ورسائل غير مفهومة، وأنه كان يكبح جماح نفسه الهشة بسبب صدمات متتالية. ذلك التباعد النفسي بعثر أفكاره، كأوراق متناثرة في ريح عاصفة، كما لو كان مقيدًا بسلاسل صدئة في قبو رطب.


تتربص الأحلام الوهمية في ضباب الليل الكالح، وتحمل رياح عاتية همساتها المشؤومة عبر أخاديد الزمن الراكدة؛ أما الوعود الكاذبة، التي كانت تحمل آمالًا وردية، فقد دُفنت الآن بين ذرات الغبار على رفوف مهترئة وقد ابتلعتها سنوات النسيان.


وفي خضم هذا الصراع الفكري، كغيمة داكنة في سماء ليلية كئيبة، تراءى له أن حاضره ينساب من ماضيه، كظلٍ لا ينفك عنه، غارقًا في مستنقع الهزائم، بعد أن فقد قدرته على مواجهة الحياة، كأن قوة غامضة تأسره، تملأه بالقلق. ذلك الجبل الثقيل من اليأس لم يُشيّد له أي جدران دفاعية بعد تلك الرحلة الراكدة في حياته.


هكذا كان يمقت الماضي، كما لو أنه يقف مشدوها خلف القضبان يقضي سنوات حرمانه في عالم فقد وجه العدالة. انهيارٌ تلو انهيار، كأن العمر يتفتت في مسارٍ لا يرحم، حتى غدا رقمًا يتهاوى في هوةٍ لا قرار لها، حيث يذوب الزمن في فراغٍ صامت لا يحدّه سوى النهاية.


وفي غمرة الانكسارات المتراكمة، غدت الفوضى قانونًا غامضًا يتسلل بين الشقوق، صاغته عقول مبتلع في طمع لا ينتهي، وظلالٍ معتمة، ساحقة روحه الضعيفة ككائن هش يتفتت تحت وطأة الأقدام. رنين أجراس يتردّد في الفراغ، يصدح بصخبٍ جشع، كأن العالم مستغرق في سباتٍ عميق، تتكدّس فيه هياكل الطقوس بلا روح، وتردّد أصداء الفراغ في أرجاء العباد.



خيّل إليه أن الإنسان نُبذ صدفةً، ككائن سقط فجأة على صخرة عمياء. انهالت الحياة عليه ككارثة لا مفر منها، وأغلقت عليه أبواب سجن داخلي مظلم بلا نوافذ. هناك، في أعماق الخلايا الواجفة، الواقعة في العزلة، تردّد إيعاز مرتجف، يتسرب رعبٌ خفي إلى كل صوب وحدب، كأنه على وشك أن يرفع راية الاستسلام في مواجهة العبث.


ينبثق صوت خفي من مسام الجدران، يهز أركان الغرفة، ويوقظ في نفسه شيئًا من التحدي:

ــ هذا هو قانون الغاب: "البقاء للأقوى"، كدوامة سوداء تبتلع الضعفاء، وتدور بلا نهاية في فضاء الإذلال.


وفي غمرة هذا التشابك المعقد، انسيبت أفكاره هادئة، متلألئة كوميض مفاجئ. عندها أدرك أن الرحيل ليس قدرًا محتومًا، بل أن الحياة، مهما كانت قاسية ومعقدة وغير عادلة، تُواجه بالمرونة والإرادة، لا بالهروب والاختفاء.
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى